للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

أهلكت خيارهم، لو شئت أهلكتهم قبل هذا اليوم مع أصحاب العجل، أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟ فلم يزل يناشد ربّه حتى أحياهم الله سبحانه، وردّ إليهم أرواحهم، وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم.

قالوا: إن موسى (١) عليه السلام، سأل الرؤية في المرة الأولى في الطور، ولم يمت، لأن صعقته لم تكن موتا، ولكن غشية، بدليل قوله تعالى: {فَلَمَّا أَفاقَ} وسأل قومه في المرة الثانية، حين خرجوا للاعتذار وماتوا، وذلك؛ لأنّ سؤال موسى كان اشتياقا وافتقارا، وسؤال قومه كان تكذيبا واجتراء، ولم يسألوا سؤال استرشاد، بل سؤال تعنّت، فإنهم ظنّوا أنه تعالى يشبه الأجسام، وطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات، والأحياز المقابلة للرائي، وهي محال. وليس في الآية دليل على نفي الرؤية، بل فيها إثباتها، وذلك أنّ موسى عليه السلام، لمّا سأله السبعون لم ينههم عن ذلك، وكذلك سأل هو ربه الرؤية، فلم ينهه عن ذلك، بل قال: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي} وهذا تعليق بما يتصوّر، قال بعض العلماء الحكماء: الحكمة في أن الله تعالى لا يرى في الدنيا وجوه:

الأول: أن الدنيا دار أعدائه؛ لأن الدنيا جنة الكافر.

الثاني: لو رآه المؤمن لقال الكافر: لو رأيته لعبدته، ولو رأوه جميعا لم يكن لأحدهما مزية على الآخر.

الثالث: أنّ المحبة على غيب، ليست كالمحبة على عين.

الرابع: أن الدنيا محلّ المعيشة، ولو رآه الخلق لاشتغلوا عن معاشهم، فتعطلت.

الخامس: أنه جعلها بالبصيرة دون البصر؛ ليرى الملائكة صفاء قلوب المؤمنين.


(١) روح البيان.