للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

منقطعة، وأما في الدين؛ فلأنه من أظهر الدلائل على وجود الصانع، وقدرته، وعلمه، وعلى صدق موسى عليه السلام. والاستسقاء: طلب الماء عند عدمه، أو قلّته. وتقدّم (١) غير مرة، أنّ الظروف كلّها معطوفة على نعمتي، في قوله: {يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ}؛ أي: واذكروا يا بني إسرائيل! نعمتي التي أنعمت عليكم، واذكروا حين طلب موسى السقيا لقومه، وقد عطشوا في التيه، فاستغاثوا به، فدعا ربّه أن يسقيهم {فَقُلْنَا} له بالوحي أن {اضْرِبْ بِعَصاكَ} وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع، على قدر طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، حملها آدم معه من الجنة، فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب، فأعطاها موسى {الْحَجَرَ}؛ أي: اضرب أيّ حجر كان تتفجّر منه العيون بقدرتنا، إن قلنا: إن أل فيه جنسية. أو اضرب الحجر المحمول معك، إن قلنا: إن أل فيه عهدية، وهو الحجر الذي فرّ بثوبه.

عبارة «الروح» هنا: اللام (٢) فيه، إما للعهد، والإشارة بها إلى معلوم. فقد روي أنه كان حجرا طوريا حمله معه، وكان خفيفا مربعا كرأس الرجل، له أربعة أوجه، في كل وجه ثلاث أعين، أو هو الحجر الذي فرّ بثوبه، حين وضعه عليه ليغتسل، وبرأه الله تعالى مما رموه به من الأدرة، فأشار إليه جبريل أن ارفعه، فإن لله فيه قدرة، ولك فيه معجزة. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كان بنوا إسرائيل ينظر بعضهم إلى سوءة بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فوضع ثوبه على حجر، ففرّ الحجر بثوبه، فجمع موسى بأثره يقول: ثوبي يا حجر! حتى نظرت بنوا إسرائيل إلى سوءة موسى، فقالوا: والله ما بموسى أدرة» وهي بالمد: نفخة بالخصية، وإما للجنس؛ أي: اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، وهو الأظهر في الحجة؛ أي: أبين في القدرة، وأدلّ عليها. فإنّ إخراج الماء بضرب العصا من جنس الحجر، أيّ حجر كان، أدلّ على ثبوت نبوة موسى عليه السلام، من إخراجه من حجر معهود معين، لاحتمال أن يذهب الوهم إلى تلك الخاصية في ذلك الحجر


(١) العمدة.
(٢) روح البيان.