للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

وتكفيرًا لذنوبه ورفعًا لدرجاته، ومن هذا القبيل ما وقع لأكثر الأصحاب - رضي الله عنهم - من المضايقة، ويوسع على الكافر استدراجًا، ومنه ما وقع لأكثر كفار قريش من التوسعة، ثم إن الله تعالى جعل الغنى لبعضهم صلاحًا، وجعل الفقر لبعضهم صلاحًا، وقد جعل في غنى بعضهم فسادًا كالفقر، وفي الكل حكمة ومصلحة.

والمعنى: الله (١) سبحانه وتعالى يوسع الرزق لمن يشاء من عباده ممن هو حاذق في جمع المال وله من الحيلة في الحصول على كسبه واستنباطه بشتى الوسائل ما يخفى على غيره، ولا علاقة لهذا بإيمان ولا كفر، ولا صلاح ومعصية، ويقدر على من يشاء ممن هو ضعيف الحيلة، وليس بالحُوَّل (٢) القُلَّب في استنباط أسبابه ووسائله، وما الغنى والفقر إلا حالان يمران على البر والفاجر، كما يمر عليهما الليل والنهار والصباح والمساء.

ثم ذكر أن مشركي مكة بطروا بغناهم، فقال: {وَفَرِحُوا}؛ أي: وفرح الذين نقضوا العهد والميثاق من مشركي مكة وغيرهم {بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا}؛ أي: ببسط الرزق عليهم في الحياة الدنيا، وعدوه أكبر متاع لهم، وأعظم حظوة عند الناس. والفرح (٣): لذة في القلب لنيل المشتهى؛ أي: فرحوا بها فرح بطر وأشر، لا فرح شكر وسرور بفضل الله وأنعامه عليهم. وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا حرام. قال في "شرح الحكم" عند قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} إنما لم يؤمر العبد برفض الفرح جملة؛ لأن ذلك من ضرورات البشر التي لا يمكن رفعها، بل ينبغي صرفها للوجه اللائق بها، وكذا جميع الأخلاق كالطمع والبخل والحرص والشهوة والغضب لا يمكن تبدلها، بل يصح أن تصرف إلى وجه لائق بها حتى لا تنصرف إلا فيه انتهى. وقيل: في هذه الآية تقديم


(١) المراغي.
(٢) قوله بالحول القلب: الحُوَّل بوزن سُكَّر، أي: بصير بتحويل الأمور وتدبيرها وتقليبها وهو حُوَّل قُلَّب اهـ مختار.
(٣) روح البيان.