للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الوعد والوعيد، فذكر بشارة إبراهيم عليه السلام بغلام عليم .. ذكر هنا (١) إهلاك قوم لوط بما اجترحوا من كبرى الموبقات وفظيع الجنايات، بفعلهم فاحشة لم يسبقهم بها أحد من العالمين، حتى صاروا كالأمس الدابر، وأصبحوا أثرًا بعد عين، وذكر إهلاك أصحاب الأيكة قوم شعيب جزاء ظلمهم بشركهم بالله، ونقصهم للمكاييل والموازين، فانتقم الله منهم بعذاب يوم الظلة، وإهلاك أصحاب الحجر وهم ثمود الذين كذبوا صالحًا، وكانوا ذوي حول وطول، وغنى ومال وقوة وبطش، فأعرضوا عن آيات ربهم حينما جاءتهم على يدي رسوله، فأخذتهم الصيحة وقت الصباح، ولم يغن عنهم ما لهم من دون الله شيئًا حين جاء أمره.

قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ...} الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر في القصص السالف إهلاك الأمم المكذبة لرسلها، وعذابها بشيء من أنواع العذاب كفاء ما دنسوا به أنفسهم، من فظائع الشرك وأنواع المعاصي، التي تقوض دعائم الإخلاص لبارىء النسم، وتهد أركان نظم المجتمع بعبادة الأصنام والأوثان وتطفيف الكيل والميزان، وإتيان الفاحشة التي تشمئز منها النفوس، وتنفر منها الأذواق السليمة .. أرشد (٢) هنا إلى أنهم بعملهم هذا قد تركوا ما قد قضت به الحكمة الإلهية في خلق السموات والأرض، من عبادة خالقهما وطاعته، واستقرار نظم المجتمع على وجه صالح صحيح، ودأبوا على عبادة غيره من الأصنام والأوثان، فكان من العدل تطهير الأرض منهم دفعًا لشرورهم، وإصلاحًا لمن يأتي بعدهم.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي ...} الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه وتعالى لما أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يصبر على أذى قومه، وأن يصفح عنهم الصفح الجميل .. أردف ذلك بذكر ما أولاه من النعم، وما أغدق عليه من الإحسان، ليسهل عليه الصفح، ويكون فيه سلوة له على احتمال الأذى، فذكر أنه آتاه السبع المثاني - الفاتحة - والقرآن العظيم الجامع لما فيه


(١) المراغي.
(٢) المراغي.