للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

إن المذكور في آخر الآية، وهو {لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}، وإن الثانية تكرير (١) على سبيل التأكيد لطول الكلام ووقوع الفصل، كما مر نظيره في قوله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا} الآية، وقوله: {بِجَهَلَةٍ} حال من فاعل عملوا؛ أي: حالة كونهم متلبسين بجهالة، وفيه إيماءٌ إلى أنَّ من يرتكب الذنوب قلَّما يفكِّر في العاقبة، لغلبة الشهوة عليه، أو لجهالة الشباب والطيش التي تحمله على انتهاك حرمات الله تعالى، كالقتل للغيرة أو للعصبية، كما جاء في الخبر: "اللهم إني أعوذ بك من أن أجهل، أو يجهل عليَّ "، وقال عمرو بن كلثوم:

أَلاَ لاَ يَجْهَلنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلينا

{ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}؛ أي: من بعد ما عملوا السوء، والتصريح به مع دلالة {ثُمَّ} عليه للتأكيد والمبالغة، {وَأَصْلَحُوا} أعمالهم، أو دخلوا في الصلاح بأن آمنوا وأطاعوا الله {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا}؛ أي: من بعد التوبة كقوله: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} في أنَّ الضمير عائد إلى مصدر الفعل، {لَغَفُورٌ} ذلك السوء؛ أي: ستورٌ له محاءٌ {رَحِيمٌ} يثيب على طاعته تركًا وفعلًا، وتكرير قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا} لتأكيد الوعد، وإظهار كمال العناية بإنجازه كما مرَّ، وتقدير الكلام: ثم إن ربك لغفور رحيم للذين عملوا السوءَ بجهالة، ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا؛ أي: لما (٢) بالغ الله سبحانه وتعالى في تهديد المشركين على أنواع قبائحهم من إنكار البعث والنبوة، وكون القرآن من عند الله تعالى، وتحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرَّمه .. بيَّن سبحانه أنَّ أمثال تلك القبائح لا تمنعهم من قبول التوبة، وحصول المغفرة والرحمة إذا ندموا على ما فعلوا، وآمنوا بالله، فالله يخلصهم من العذاب.

فعلى العاقل (٣) أن يرجع عن الإعراض عن الله، ويقبل عليه بصدق الطلب، وإخلاص العمل، والتوبة بمنزلة الصابون، فكما أن الصابون يزيل الأوساخ


(١) روح البيان.
(٢) المراح.
(٣) روح البيان.