للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

لأنَّ المشرق المغرب وما بينهما له تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا} وقرىء بفتح التاء واللام؛ أي: ففي أي مكانٍ فعلتم تولية وجوهكم القبلة.

قال الإمام الراغب: ولَّى: إذا أقبل، ولَّى إذا أدبر، وهو من الأضداد، والمراد ها هنا: الإقبال. اهـ. {فَثَمَّ}؛ أي: هناك {وَجْهُ اللَّهِ} سبحانه وتعالى؛ أي: هناك (١) جهته التي أمر بها، ورضيها لكم قبلةً، فإنَّ إمكان التولية غير مختص بمسجدٍ دون مسجدٍ، أو مكانٍ دون آخر، أو فثمَّة ذاته تعالى، بمعنى: الحضور العِلْميِّ، فيكون الوجه مجازًا من قبل إطلاق اسم الجزء على الكل، والمعنى عليه: ففي أيِّ مكان فعلتم التولية، فهو سبحانه موجودٌ فيه، ويمكنكم الوصول إليه، إذْ ليس هو جوهرًا، ولا عرضًا حتى يكون بكونه في جانب مفرِّغًا جانبًا، ولمَّا امتنع عليه أن يكون في مكانٍ، أريد أنَّ علمه محيطٌ لما يكون في جميع الأماكن والنواحي؛ أي: فهو عالم بما يُفعل فيه، ومثيب لكم على ذلك. اهـ. من "الروح".

واعلم (٢): أنَّ {أين} اسم شرط في المكان، وهو ها هنا منصوب بتُوَلُّوا؛ لأنّه فعل شرطه، و {ما} مزيدةٌ؛ للتأكيد، و {ثمَّ} ظرف مكانٍ بمنزلة هناك، تقول لِمَا قَرُب من المكان هنا، ولِمَا بَعُد ثَمَّ وهناك، وهو خبر مقدَّمٌ، و {وَجْهُ اللَّهِ} مبتدأٌ مؤخَّر، والجملة الإسمية في محل الجزم على أنّها جواب الشرط، كما سيأتي في مبحث الإعراب.

والمعنى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا}؛ أي (٣): ففي أيِّ مكانٍ وبقعةٍ، تحوِّلوا، وتوجِّهوا فيه وجوهكم في الصلاة إلى القبلة التي أمرتم بالاستقبال إليها {فَثَمَّ}؛ أي: هناك في الجهة التي أمرتم بالاستقبال إليها {وَجْهُ اللَّهِ} سبحانه وتعالى؛ أي: جهته التي ارتضاها لكم قبلةً، وأمر بالتوجُّه إليها، فإن إمكان التولية والتحوّل لا


(١) روح البيان.
(٢) روح البيان.
(٣) العمدة.