للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الاجتهاد قبلته، وكذا الغريق في البحر إذا بقي على اللوح، فإنَّه يصلي على حسب حاله، وتصحُّ صلاته، وكذلك المشدود على جذع، بحيث لا يمكنه الاستقبال. اهـ. "خازن". قالوا: وكذلك راكب الطائرة إذا علم أنه لا يدرك الوقت بعد نزوله من الطائرة، يجتهد، ويصلِّي إلى أيِّ جهة ظنَّها قبلةً، ولا إعادة عليه إن لم يدرك الوقت بعد نزوله منها.

وعبارة "المراغي" هنا: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ}؛ أي: له (١) تعالى هاتان الجهتان المعلومتان لكل أحد، والمراد ربُّ الأرض كلِّها، فهو كقوله: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}؛ أي: أي مكانٍ تستقبلونه في صلاتكم، فهناك القبلة التي يرضاها الله لكم، ويأمركم بالتوجُّه إليها، فأينما توجه المصلِّي في صلاته، فهو متوجِّه إلى الله لا يقصد بصلاته غيره، والله تعالى راضٍ عنه، مقبلٌ عليه، والحكمة في استقبال القبلة: أنّه لما كان من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود، وهو بهذه الطريقة محال على الله تعالى، شرع للناس مكانًا مخصوصًا يستقبلونه في عبادتهم إيّاه، وجعل استقباله كاستقبال وجهه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}؛ أي: إنّه تعالى لا يُحْصَر، ولا يتحدَّد، فيصحُّ أن يُتوجَّه إليه في كل مكان، وهو عليم بالمتوجِّه إليه أينما كان، فاعبدوه حيثما كنتم، وتوجَّهوا إليه أينما حللتم، ولا تتقيدوا بالأمكنة، والمعبود غير مقيَّد، وقد نزلت هذه الآية قبل الأمر بالتوجه إلى استقبال الكعبة في الصلاة، وفيها إبطالٌ لما كان يعتقده أرباب الملل السابقة، من أنَّ العبادة لا تصحُّ إلّا في الهياكل، والمعابد، وإزالةٌ لما قد يتوهَّم من أنَّ الوعيد إنما كان على إبطالها في الأماكن المخصوصة، فأبان بها أنَّ الوعيد إنما كان لإبطالها مطلقًا؛ لأنَّ الله تعالى لا تحدِّده الجهات، ولا تحصره الأمكنة. انتهت. وروي (٢) عن ابن عباس ومقاتل: أنّه عبَّر عن الذات بالوجه، كقوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} وقيل المعنى: العمل


(١) المراغي.
(٢) البحر المحيط.