للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الماضي كان معناها التوبيخ، واللوم على ترك الفعل بمعنى: لِمَ لَمْ يفعله، ومعناها في المضارع تحضيض الفاعل على الفعلِ، والطلبِ له في المضارع بمعنى: الأمر، والمعنى: هلَّا يُكلِّمنا الله عيانًا بأنّك رسوله، كما يُكلِّم الملائكة بلا واسطة، أو يرسل إلينا ملكًا، ويكلِّمنا بواسطة ذلك، إنّك رسوله، كما كلَّم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على هذا الوجه، وهذا القول من الجهلة استكبارٌ يعنون به: نحن عظماء، كالملائكة، والنبيين، فلم اختصُّوا به دوننا {أَوْ} هلّا {تَأْتِينَا آيَةٌ} وحجةٌ، ومعجزةٌ، تدلُّ على صدقك مما اقترحناه من الأمور الأربعة المذكورة في سورة الإسراء في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ...} الآيات. و (أَوْ) هنا: للتخيير؛ أي: فإن كان الله لا يكلِّمنا، فلم لا يخصك بآيةٍ ومعجزةٍ تأتينا بها، وهذا جحودٌ منهم لأن يكون ما آتاهم به من القرآن، وسائر المعجزات آيات؛ لأنهم لو أقروا بكونه معجزة، لاستحال أن يقولوا ذلك، والجحود: هو الإنكار مع العلم، والعجب أنّهم عظَّموا أنفسهم وهي أحقر الأشياء، واستهانوا بآية الله وهي أعظمها، ثم أجاب الله عن هذه الشبهة، فقال: {كَذَلِكَ}؛ أي: مثل قول هؤلاء الشنيع الصادر عن عنادهم واستكبارهم {قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم {مِثْلَ قَوْلِهِمْ}؛ أي: شبه قول هؤلاء لمحمد - صلى الله عليه وسلم - في التشديد، وطلب الآيات المقترحة، فقالت اليهود لموسى عليه السلام: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} وقالوا: {لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} وقالوا: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} وقالت النصارى لعيسى عليه السلام: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} ونحو ذلك ممَّا اقترحوه من أنبيائهم.

وقوله: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ} مع قوله: {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} على (١) تشبيهين، تشبيه المقول بالمقول في المؤدَّى، والمحصول، وتشبيه القول بالقول في الصدور بلا رويّةٍ، بل بمجرد التشهي، واتباع الهوى، والاقتراح على سبيل التعنّت والعناد، لا على سبيل الإرشاد، وقصد الجدوى، والكاف في كذلك منصوب


(١) روح البيان.