للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

المحل على أنّه مفعول {قَالَ} وقوله: {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} مفعول مطلق؛ أي: قال كفار الأمم الماضية، مثل ذلك القول الذي قالوه قولًا مثل قولهم فيما ذكر، فظهر أنَّ أحد التشبيهين لا يغني عن الآخر {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} تماثلت قلوب هؤلاء ومَن قبلهم في العمى، والقسوة، والعناد، وهو استئنافٌ على وجه تعليل، تشابه مقالتهم بمقالة مَن قبلهم، فإنَّ الألسنة ترجمان القلوب، والقلب إن استحكم فيه الكفر، والقسوة، والعمى، والسفه، والعناد، لا يجري على اللسان إلّا ما ينبىء عن التَّعلُّل، والتَّباعد عن الإيمان. وقرأ ابن إسحاق (١)، وأبو حيوة {تشَّابهت} بتشديد الشين وقال: أبو عمرو الدانيُّ، وذلك غير جائز؛ لأنّه فعل ماض، يعني: أنّ اجتماع التائين المزيدتين لا يكون في الماضي، إنّما يكون في المضارع، نحو: تتشابه، وحينئذٍ يجوز فيه الإدغام، أمَّا الماضي، فليس أصله: تتشابه، وقد مرَّ نظير هذه القراءة في قوله: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} وخرَّجنا ذلك على تأويلٍ لا يمكن هنا؛ فليطلب تأويلٌ لهذه القراءة.

والمعنى (٢): أي تشابهت، وتماثلت، وتوافقت، قلوب هؤلاء المكذبين لك يا محمد! مع قلوب كفار الأمم الماضية المكذِّبين لأنبيائهم؛ أي: أشبهت قلوبهم بعضها بعضًا في الكفر، والقسوة، وطلب المحال، وإلّا لما تشابهت أقاويلهم الباطلة، وفي هذا تسليةٌ له - صلى الله عليه وسلم - {قَدْ بَيَّنَّا} ووضَّحنا {الْآيَاتِ}؛ أي: الدلالات والمعجزات الدالَّة على صدقك، وصدق ما جئت به من الآيات القرآنية، والمعجزات الباهرة {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}؛ أي: لقوم ينصفون، فيوقنون، ويصدِّقون أنها آياتٌ يجب الاعتراف بها، والإذعان لها، والاكتفاء بها عن غيرها، أو المعنى {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ} أي (٣): قد نزلناها بيّنة بأن جعلناها كذلك في أنفسها، كما في قولهم: سبحان من صغر البعوض، وكبَّر الفيل، لا أنّا بيَّناها بعد أن لم تكن بينةً {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}؛ أي: لقوم يطلبون اليقين، واليقين أبلغ العلم،


(١) البحر المحيط.
(٢) العمدة.
(٣) روح البيان.