للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

سقف يمنع من الخوض فيه، ووضع سليمان عليه السلام سريره في صدر ذلك السطح، فجلس عليه، فدعاها إليه وقال لها: {ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ}. فلما سمعت بلقيس ذلك أذعنت واستسلمت، و {قَالت} وحين عاينت تلك المعجزة أيضًا بعد أن دعاها سليمان إلى الإِسلام {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} بعبادة الشمس، والثبات على الكفر فيما تقدم من الزمان، وقيل بسوء ظني بسليمان أنه يغرقني في اللجة. {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ}؛ أي: ودخلت في دين الإِسلام مصاحبة له في الدين مقتدية به. {لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؛ أي: معبود العالمين، التفتتا من الخطاب إلى الغيبة؛ أي: إلى الاسم الجليل، والوصف بالربوبية لإظهار معرفتها بالوهيته تعالى، وتفرده باستحقاق العبودية، وربوبيته لجميع الموجودات التي من جملتها ما كانت تعبده قبل ذلك من الشمس. والمعنى (١): أخلصت له التوحيد متابعة لسليمان مقتدية به.

وقال القيصري: أسلمت إسلام سليمان؛ أي: كما أسلم سليمان. و {مَعَ} في هذا الموضع كـ {مع} في قوله: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}؛ إذ لا شك أن زمان إيمان المؤمنين ما كان مقارنًا لزمان إيمان الرسل، وكذا إسلام بلقيس ما كان عند إسلام سليمان، فالمراد كما أنه آمن بالله آمنت بالله، وكما أنه أسلم لله أسلمت لله. انتهى.

ويجوز أن يكون {مَعَ} هنا واقعًا بعد، كما في قوله: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)} وقال (٢) شيخ الإِسلام: حقيقة المعية الاتفاق في الزمان، وسليمان كان مسلمًا قبلها، ولم يقل بدل {مَعَ سُلَيْمَانَ} على يد سليمان؛ لأنها كانت ملكة فلم تذكر عبارة تدل على أنها صارت مولاة له بإسلامها، وإن كان الواقع كذلك. انتهى.

قيل لما أراد سليمان أن يتزوجها، وكره شعر ساقيها .. أمر الشياطين أن يتخذوا النورة والحمام لأجل إزالته، فكانتا من يومئذ، فلما تزوجها سليمان أحبها حباَ شديدًا حتى بقيت على نكاحه إلى أن مات عنها، ورزق منها بولد اسمه داود.


(١) روح البيان.
(٢) فتح الرحمن.