للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

مستسلمين لك، منقادين بالرضى بكل ما قدَّرت، وبترك المنازعة في أحكامك، فإنّ الإِسلام إذا وصل باللام الجارة يكون بمعنى الاستسلام والانقياد، والرضا بالقضاء.

فإنْ قلت (١): لا شكَّ أنَّهما كانا مخلصين، ومستسلمين في زمان صدور هذا الدعاء منهما.

قلت: المراد طلب الزيادة في الإخلاص، والإذعان، أو الثبات عليه، فهذا تعليمٌ منهما الناس الدعاء؛ للتثبيت على الإيمان، فإنّهما لمّا سألا ذلك مع أمنهما من زواله عنهما، فكيف غيرهما مع خوفه، وسألا أيضًا الثبات على الانقياد، فأجيبا إلى ذلك حتى أسلم إبراهيم للإلقاء في النار، إسماعيل للأمر بالذبح. {وَ} اجعل {مِنْ ذُرِّيَّتِنَا}؛ أي: بعض أولادنا {أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}؛ أي: جماعةً منقادة لأمرك، مخلصةً لك بالتوحيد، والطاعة، والعبادة، خاضعةً لعظمتك؛ وإنَّما خصَّا الذريَّة بالدعاء مع أنَّ الأنسب بحال أصحاب الهمم، لا سيما الأنبياء أن لا يخصُّوا ذرّيَّتهم بالدعاء، لكنهما خصّاهم لوجهين:

الأول: كونهم أحقَّ بالشفقة، كما في قوله تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} فدعوا لأولادهما؛ ليكثر ثوابهما بهم، وفي الحديث: "ما مِن رجلٍ من المسلمين، يخلف من بعده ذريةٌ يعبدون الله تعالى، إلّا جعل الله له مثل أجورهم ما عبد الله منهم عابدٌ حتى تقوم الساعة".

والثاني: إنّه وإن كان تخصيصًا صورةً، إلّا أنّه تعميمٌ معنى؛ لأنَّ صلاح أولاد الأنبياء سببٌ وطريقٌ لصلاح العامَّة، فكأنَّهما قالا: وأصلح عامة عبادك بإصلاح بعض ذريّتنا.

وخصَّا البعض من ذريّتهما (٢)؛ لما علما أنَّ من ذريّتهما محسنٌ، وظالمٌ


(١) روح البيان.
(٢) روح البيان.