للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


لا وثنية في الإسلام
(نبذة من الجزء الثاني من كتاب أشهر مشاهير الإسلام الذي يطبع الآن)

(رأيت ما قاله عمر رضي الله عنه لكعب الأحبار، وهو قول لا نحب أن
يفوتنا البحث فيه، لهذا رأينا أن نفرد له هذا الفصل فنقول [١] : أولع الإنسان
بالإفراط، كما أولع بالتفريط في كل شؤونه الروحية والجسمانية، ولو أنصف
واعتدل ولم يطلق لنفسه العنان ليبلغ مقام الملائكة في أعلى عليين أو يهبط بها إلى
مقر الشرور في أسفل سافلين؛ لكانت السعادة الدائمة به ألزم وطريق النعيم الحيوي
لديه أوسع، ولما احتاج إلى كثير من هذه القوانين وقوّامها، وزعماء السيطرة
وجنودهم، والحكام وأعوانهم، والسجون وحراسها، بل ولكان اكتفى بدين واحد قويم
وشرع إلهيّ مستقيم ولم يشوّه وجه الشرائع ولم يدعُ لتعدد الأديان وإرسال الرسل في آن وآن.
أجل، أولع الإنسان بالشطط حتى في العقائد، فبينا يكون هذا في طرف
التفريط مارقًا من كل دين منكرًا لكل نحلة، هائمًا في المادة التي يتناولها حسه، وينكر
ما فوقها عقله، يكون الآخر مسلمًا لعقيدته، بما لا يبعد طبعه عن طبيعته طالبًا بخياله
ما يظن له قدرة فوق قدرته، وسلطة أعلى من سلطته، وأوّل ما يلاقيه في طلبه يعلق
بقلبه ويظنه منتجع عقله والغاية التي يطلبها في سيره فتولع به نفسه ويقوى فيه أمله
ويختص به عمله فيغلو في عبادته غلو المادي في مادته، حتى يساويه من طرف
الأطراف بالتوجه تارة للأقمار وأخرى للأشجار وآونة للأحجار، ووقتًا للأرواح
وآخر للأشباح إلى غير ذلك مما هو داخل في المادة قريب من متناول الحس.
فكأن العقل الإنساني في حال الإيمان والكفر أسير المادة لا يفلت من شَرَك
الحس ولا يذعن إلى ما فوق المادة ويصعد إلى أفق الكمال إلا هنيهة ريثما يتلقى
برهان ربه بواسطة الأنبياء، ويطمئن إلى التسليم بقوة إلهية تفوق قوى المادة وتعلو
عن العقل وتتحكم على الكائنات تحكم الصانع المختار، ثم لا يلبث أن ينحط عن هذه
المرتبة، فيعود إلى نحيزته الأولى للهبوط إلى هوة النقص والتوجه إلى مظاهر
المادة ولو تدريجيًّا حتى يلتصق بالحضيض، ويعود إلى الشرك وهو يظنه الإيمان
ويخاله منتهى العبادة، وإنْ من دين إلا أصيب أهله بهذا المصاب وأشركوا مع الله
الأرواح تارة، وأخرى الأنصاب توصلاً إليه على زعمهم بالحس، وارتياحًا إلى ما
تحت النظر والعقل، والله سبحانه وتعالى فوق ما يتصورون، ليس من المادة ولا
المادة منه، بل هي مخلوقة له مفتقرة إليه، وليس بينه وبين خلقه سبب منها
يتوصل به إليه بل هو كما قال في كتابه الكريم: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ
لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ
بِإِذْنِهِ} (البقرة: ٢٥٥) الآية.
ومن الثابت أن العرب كانوا على دين إبراهيم الذي هو كباقي الأديان الإلهية
دين التوحيد بالله والإيمان بأنه تعالى خالق الكون وما فيه، وإنكار ما دون ذلك من
الاعتقاد بشيء من المادة ومن التمسك في العمل بأهداب الشرك، ولكن لم يلبثوا أن
تدرجوا في مدارج المادة وهبطوا إلى حضيض الشرك، وتدرجوا من الاعتقاد
بالأرواح إلى الاعتقاد بالأشخاص ثم إلى الاعتقاد بالأنصاب والأحجار، وغير ذلك
مما هو داخل في المادة واقع تحت الحس.
وهم مع ذلك كانوا يزعمون أنهم مؤمنون لا مشركون، وأنهم بعبادة المادة
يعبدون الله ويتقربون بها إليه كما أخبر عن ذلك القرآن بقوله تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ
إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر: ٣) وهذا من الإغراق في الجهل،
والانحطاط في العقيدة والإفساد لأصل التوحيد. ولم يكن هذا الإفساد قاصرًا على
العرب فقط بل عمَّ سائر أرباب الأديان، مما لا محل لبسطه الآن.
إذا تمهد هذا علمنا أن الإسلام بما جاء به من آيات التوحيد الخالص من كل
شائبة من شوائب الشرك إنما جاء لاستئصال شأفة الوثنية من نفوس العرب وغيرهم
من أرباب الأديان بمحو شائبة الاعتقاد بأي أثر من آثار المادة، وصرف النفوس عن
التوجه إلى تلك الآثار بالحس لتتوجّه إلى واجب الوجود بالضمائر، والاكتفاء
باستحضار هيبة جلاله في القلب، وتمكين الاعتقاد بأن الأثر الواقع تحت الحس إنما
يقوم قوامه بالمؤثر المستحضر في الضمير الخارج عن الحس؛ إذ بغير هذا لا يقوم
للتوحيد أثر متين في النفس ينجي من مزلة القدم إلى الوثنية المفضية إلى الشرك
المؤدي إلى الجحود، وإنما الإنسان مادة، وهذه أعراض منها تنمو وتعظم في النفس
ما دامت النفس مستشعرة بشيء من وجوب التعظيم لغير الله تعالى والتوجه لأيّ أثر من آثار المادة وساء منقلب الظالمين.
هذا هو التوحيد الذي جاء به الإسلام ودعا إليه النبي محمد عليه الصلاة
والسلام، وإنما اضطربت العقول وساءت الأوهام لتفاوت الأفهام، وتباين
مراتب المسلمين في العلم بحقيقة الدين والإحاطة بأسراره، والوقوف على جميع
مقاصده حتى على عهد الرسالة، وإليك الدليل:
أخرج الإمام أبو الفرج ابن الجوزي في سيرته العمرية عن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر بن الخطاب في حجة حجها قال: فقرأ بنا في الفجر
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ} (الفيل: ١) و {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} (قريش: ١) فلما انصرف رأى الناس مسجدًا فبادروه فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا
مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: هكذا أهلك أهل الكتاب
قبلكم اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا، من عرضت له فيه صلاة فليصلّ، ومن لم
تعرض له صلاة فليمضِ.
فلو كان أولئك المصلون يومئذ في مرتبة عمر في العلم، واستشعروا من إقبالهم
على ذلك المسجد للصلاة فيه تعظيمًا له كما استشعر به عمر رضي الله عنه وعنهم
أجمعين لما بادروا للصلاة فيه إلا إذا عرضت لهم صلاة. ولا جرم أن أعظم الناس
فهمًا للإسلام وعلمًا بغوامض الدين ووقوفًا على مقاصد النبوّة المحمدية وما كانت
تدعو إليه من التوحيد البحت الخالي عن كل شائبة من الشوائب التي مَرّ ذكرها -
هم أهل السابقة من المهاجرين الأولين الذين تلقوا الدين أنجمًا كان ينزل بها الوحي
على رسول الله صلى الله عليه وسلم من لدن البعثة، ولازموا الرسول ملازمة الظل،
فاكتنهوا سرّ، شريعته وأدركوا مرامي غرضه، وقلدوه في أعماله وأقواله، وانتهجوا
منهجه واهتدوا بسيرته، فتفوقوا على غيرهم في العلم بالدين وعرفوا حقيقة التوحيد.
ومن هؤلاء من هم في المرتبة الأولى في فهم مقاصد الإسلام، ومنهم عمر
ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه، ومن تتبع سيرته وأمعن النظر في أقواله وأفعاله
وانطباقها على الكتاب الكريم ونهج السنة القويم، علم ما هو التوحيد الذي أرشد إليه
الإسلام وعرفه أولئك الصحابة الكرام، فأرادوا أن يمحوا به كل أثر من آثار الوثنية
عن صفحات الضمائر والقلوب. وحسب العاقل دليلاً على هذا قول عمر ابن
الخطاب رضي الله عنه لكعب الأحبار لما أشار عليه بجعل المصلَّى إلى الصخرة:
(لقد ضاهيت اليهودية يا كعب. إلى قوله: اذهب إليك [٢] فإنا لم نؤمر بالصخرة
ولكنَّا أُمرنا بالكعبة) وقد مرّ الخبر في الفصل السابق نقلاً عن الطبري، ولأجله
عقدنا هذا الفصل ليكون به عبرة وذكرى لقوم يعقلون.
تقدم معنا كيف تدرّج العرب إلى الوثنية حتى أنسوا بلمس الأحجار، وعكفوا
على عبادة الأصنام، وأن أصول التوحيد عند أرباب الأديان كلها أفسدت تدريجًا كما
حصل في دين العرب. وإنما كان مبدأ هذا التدريج الاستسلام للشعور بوجوب تعظيم
مظهر من مظاهر المادة يظن أن له صلة بما فوق المادة كالعابد مثلاً، ثم يأخذ هذا
الشعور ينمو ويتعدى المظهر الأول إلى غيره، ويتدرج في أطوار التعبد له حتى
تنقلب صورة التوحيد المرتسمة على صفحات الضمائر إلى صورة من صور المادة
مجسمة للحس، ويستحيل الإيمان بإله واحد فوق المادة إلى آلهة شتى كلها من المادة
أو لها صلة بها.
وهذا هو الشرك التام الجلي، ومبدؤه ذلك الشرك الخفي، ولم تكن دعوة
الإسلام قاصرة على استئصال الوثيقة فقط , بل كان من مقاصدها الأولى والغايات
التي ترمي إليها - بل من أولاها بالاهتمام وأجدرها بالعناية - تطهير النفوس من كل
أثر من آثار ذلك الشعور الفاسد، ولو أشبه بدقته دقة الجرثومة الحية التي لا ترى إلا
بالنظارة المكبرة، إلا أنها إذا وجدت منبتًا صالحًا لها تولد عنها ما لا يحصى من
الجراثيم في بضع ثوان.
فمن قال بخلاف ذلك، أو ظن أن الإسلام يتسامح في تلك الجزئيات أو يبيح
تعظيم أي مظهر من مظاهر المادة تعظيمًا دينيًّا؛ فقد أخطأ ونسب العبث إلى دين الله
لهذا. ولما أشرب قلب عمر (رضي الله عنه) من التوحيد الحق الصادق لم
يتسامح مع كعب الأحبار حتى في خلعه عند دخوله المسجد الأقصى، وأخذه على
عمله ذلك كما أخذه على رأيه في جعل المصلى إلى الصخرة كما رأيت وسترى من
أخباره بهذا الصدد إن شاء الله.
هكذا كان فهم كبار الصحابة للدين , ومن أمعن النظر في قول أبي بكر
الصديق رضي الله عنه في إحدى خطبه التي مر إيرادها في هذا الكتاب وهو (إن
الله لا شريك له، وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيرًا، ولا يصرف
عنه سوءًا إلا بطاعته واتباع أمره) يعلم كيف كان أولئك الصحابة الكرام يعلّمون
الناس التوحيد، ويقتلعون من أعماق نفوسهم أصول الشرك. ورحم الله امرأً حاسب
نفسه وعرف دينه وتأدب بأدب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه , ونبذ بدع
النفوس وأهواءها، وتنكب مواضع الزلل ومواقع الخطأ وسوء الفهم، والله ولي الرحمة وهو القاهر فوق عباده) . اهـ