للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد عاكف أفندي


الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده [*]

كنت كتبتُ رسالةً بيّنت فيها فساد زعم الذين يتَّهمون الشيخ جمال الدين
الأفغاني بالمروق، وأوضحت بطلان هذا البهتان بأجلى بيان، وطبعت تلك الرسالة
ونشرتها فتداولتها الأيدي، واشتهرت بين الناس، وبعد ذلك سمعنا ببهتان جديد؛
وهو أن الأستاذ لم يكن مارقًا ولكنه كان وهّابيًّا.
عجبًا هل يعرف هؤلاء الذين يَهْرفون بما لا يعرفون معنى رَمْيهم الناس
بالمروق تارة وبالوهّابية تارة أخرى؟ أم هل درى أولئك الخرّاصون الأفّاكون
ناشرو الإفك والبهتان أنهم بعملهم هذا يدخلون تحت طائلة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ
يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} (النور: ١٩) إلخ؟
وأما الوهّابية فهي بالحقيقة اسم للذين اعتنقوا هذا المذهب وهم معظم سكان
بلاد العرب، ومذهبهم ليس بينه وبين مذهب الحنبلية فرق كبير.
عجبًا أَصَار من الدين عندنا أن نثق بكل كلام يراد به إيذاء أي شخص
والطعن عليه؟ وكيف يجوز أن نعمد إلى رجل صحيح العقيدة صالح الأعمال،
ونقول: إنه رجل صالح لكنه مارِق من الدين، ثم يتلقّى الناس هذا القول وينتشر
من دون تروّ ولا نظر في أعمال وأحوال مَنْ نسب ذلك إليه، فلا يمضي قليل زمن
حتى يشيع بين الناس بأن فلانًا مارق وأن فلانًا زنديق.
ثم كيف يجوز لنا الحكم بمجرد نقل قوم لا يعرفون من أحوال من يحكمون
عليه بهذه الافتراءات، ولا من كلامه شيئًا يصحح حكمهم؟
إننا نعلم أن أكبر جُرْم في الإسلام هو أن يحكم الإنسان على عقيدة إنسان آخر
ويتحكّم فيها، وينسبه إلى الزندقة تارةً وإلى الوهّابيّة تارةً أخرى؛ بمجرد
اختلاف في المشرب أو لأقل سبب، مع أن الواجب الإسلامي يأمرنا باحترام عقيدة
مطلق إنسان، ما دام يوجد دليل واحد على إسلاميته ضد تسعة وتسعين دليلاً على
الكفر، وأنه لا يجوز الحكم بالكفر مع وجود ذلك الدليل.
إن اتهام كبار المصْلِحين بالوهَّابية في بلاد العرب، وبالفرماسونية في بلاد
الترك، وبالبابية في بلاد العجم، وبالدهرية والمروق في بلاد الروسيا، صار أمرًا
معروفًا ومشهورًا جدًّا. وإن تَعْجَبْ فعَجَب نعت خيرة رجال الإسلام بتلك النعوت
مثل جمال الدين الأفغاني، مع أنهم هم وحدهم المعروفون بالمدافعة عن الدين
الإسلامي، وهم أنفسهم المجتهدون في ترقية بنيه بتربيتهم تربية صحيحة، وهم
الذين أفْنَوْا عمرهم الثمين بإنشاء المدارس؛ ليجعلوا لأبناء أُمتهم حظًّا من العلوم التي
تنهض بهم من حضيض الذلّ إلى أَوْج العزّ، وتؤهلهم للجهاد في معترك هذه الحياة
ليخرجوا من أسر المغلوبية.
إذا اعترض علينا معترض من أهل الملل الأخرى قائلاً: إنكم تتهمون أفضل
رجالكم وأَعْلمهم وأَعْقلهم وأَعْلاهم قدْرًا وأشدهم غيرة على ملتكم بالمروق والدهرية
والفرماسونية والوهابية، مع أنهم لا يريدون لكم إلا الخير والرقي والسعادة فلماذا؟
ألأن دينكم لا يجتمع مع العقل والعلم والفضل والأدب والحمية وحسن الخلق؟ فماذا
يكون جوابنا ترى؟ .
إذا بحثنا في تاريخ الرجال الغيورين في القطر المصري الذين يدأبون على
منفعة الإسلام، ويخدمون المسلمين خدمة صادقة، نجد أنهم تلامذة جمال الدين
الأفغاني، وأنهم إنما نبغوا بفضل تربيته القويمة.
ولو كان الرجل مارقًا من الدين كما يقولون؛ لَمَا قدر أن يُوجِد رجالاً ممتلئين
غيرة على الدين وأهله، يخدمونه أجلّ الخِدَم (لأن فاقد الشيء لا يعطيه) ولا هَمَّ
لهم سوى ترقي الإنسانية بكل همة ونشاط.
إن جمال الدين الأفغاني رحمه الله تعالى، ضاقت عليه الأرض بما رحُبت،
سواء كان في الأفغان أو العجم أو تركيا أو أوربا، ولم يُسْمح له أن يقيم في إحدى
هذه البلاد ناعم البال منشرح الصدر، ولو كان من محبي المال والجاه والمناصب
العالية لترك ما اضطهد لأجله، وهو خدمة الإسلام الجلية وإلقاء الدروس النافعة
للعالم الإسلامي، ولمّا حاول إيقاظ المسلمين من نومهم العميق المؤدي إلى النوم
الأبدي؛ إن لم يُسْعف بالمنبِّهات من مثل إرشاد جمال الدين.
نعم.. لو أن جمال الدين ترك خدمة الإسلام، واشتغل ببث أفكاره في العالم،
ولم يعمد إلى إيقاظهم، لانهالت عليه سُحُب الدنانير، ولكان موضع الاحترام،
وصاحب المقام الذى لا يرام في جميع البلاد.
ولكن تلك الروح العالية والإرادة القوية والنفس السامية، لم تنزل به في هذا
الحضيض حضيض المجد الزائل، فما زال مشمِّرًا عن ساعد الجِدّ، مجتهدًا بترويج
مقاصده الخيرية، يصارع الأيام ويكافح النوائب غير هيّاب، ولا وجل وثَبَتَ في
موقف يتعذر على غيره الوقوف فيه، حتى صح أن يقال عنه: إنه كان شهيدًا في
حياته، وصدقت عليه عبارة كمال بك التركي (أحسن شيء وأفضله في هذه
الدنيا أن يكون الإنسان شهيدًا في حياته) .
هذا وإن الذين يفترون على جمال الدين الأفغاني بالمروق والوهابية، تراهم لا
يألون جهدًا برمي الشيخ محمد عبده بأكثر مما رَمَوْه به (كان الكفر والمروق على
نسبة النفع للأمة) ، نعم.. إن لهؤلاء الأّفاكين مصنع كفر، لا يفتأ يصوغ من حُلي
الكفر أجودها لهؤلاء الرجال العظام، فأنا أرجو منهم بعد النظر في مؤلفات الشيخ
محمد عبده أن يثبتوا لي علامات الوهابية التي ينكرونها عليه، ولو بأي صفة كانت
ويظهروها للملأ.
إن بعض الناس يقول: (إنه لا موازنة بين زهد الشيخ محمد عبده وبين
علمه) [١] ، وربما كان كذلك، وهل إذا مضى الشيخ محمد عبده عمره معتكفًا
بالمساجد، مواظبًا على صلاة النافلة، أكان يفيد الإسلام أكثر مما أفاده؟ إننا لا نظن
ذلك، بل إن رَدّه على عالم إفرنجي مثل هانوتو ومُدافَعته عن حقوق الملايين من
المسلمين؛ هي في نظرنا أحسن عملاً، وأكثر ثوابًا من الاعتكاف وصلاة النافلة.
انظروا إلى قول عمر رضي الله عنه لأبي قلابة التابعي (إن اكتسابك الرزق
لعيالك أحسن عندنا من إقامتك في المسجد) وهل يعجز أبو قلابة عن تربية عياله
وأولاده في زمن يعيش فيه الناس بقليل من النفقة عيشة الرفاهية من غير تجشم
مشاق الكسب؟ ومع ذلك فقد أمره عمر رضي الله عنه بالكسب ونهاه عن الإقامة
في المسجد.
أما محمد عبده فإنه لم يكن مثل أبي قلابة، ولا هو في زمن مثل زمنه، بل
هو في زمن يُحتاج فيه أن يشمر عن ساعد الجدّ؛ لأجل تربية عائلة تبلغ الملايين
من الأشخاص.
ها نحن اليوم معشر المسلمين ليس لنا مثل جمال الدين ومحمد عبده، وقد
مَضَيا إلى خالقهما، وتركانا كالماشية بلا راع، بل إننا أصبحنا واقفين موقف
الحَيْرى، لا ندري ماذا نعمل، ولا نهتدي طريق النجاة.
فالواجب عليها أن نذكر مثل هذين الأستاذين بالخير؛ لأنهما خدما الدين،
وكانا من حُماته، وأن نسأل لهما من الله الرحمة والغفران؛ لكي ينالا جزاء عملهما
الصالح.
نعم.. ويجب أن نعترف بفضلهما وإرشادهما؛ لئلا تجهلنا الأجيال المقبلة
وتعيينا، حيث إننا لا نعرف لأهل الفضل فضلهم ولأجل أن يعلم القوم الآخرون أننا
أناس نعرف فضل المصلحين وأننا لسنا ممن يَكْفرون بالنعم، ويحسن أن أورد هنا
حكاية صغيرة، وأجعلها ختامًا لهذا الموضوع، وهو أنه قابلني قبل خمس سنوات
رجل إفرنجي، وقال لي: (إنكم قوم محرومون من معرفة الصناعة، وأنتم
معذورون في هذا، أما في عدم تفكّركم في معرفة قدر الرجال فلستم بمعذورين، بل
إن هذا ذنب لكم لا يغتفر وهو من أشنع الذنوب {فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ} (الحشر: ٢) .