للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الأخبار والآراء

(الجامعة الدينية والوطنية)
كتب إلينا صديقنا نسيم بك خلاط من وجهاء طرابُلس الشام ما يأتي (تأخر
وروده ثم نشره) .. مولاي الجهبذ الهمام:
أمسكت الكتابة عن سيدي أمدًا كاد يكون في نظري دهرًا وأنا - كما علمت -
يقيمني الشوق ويقعدني كل يوم إليه وذاك لأني كنت أُسَوِّف اللقاء، وأعلل النفس
بقرب الملتقى، في ربوع ظللها الصفا وتحت سماء خلت من أكدار العاذل والرقيب،
وكنت أقول للنفس المشتاقة: عنك ومشقة الكتابة ما دام لك في مغامزة الأرواح، ما
يغني عن مراسلة الأحباب، لكن وقد طال لهذا الآن الموعد خفت أن يحسب
السكوت لدى مولاي مللاً أو نكرانًا لجميله في تقريظ رحلتي في غربي أوربا جئت
الآن وأنا في أعالي لبنان بين رياض وغياض حيث الهواء بليل والماء نمير أبثه
أشواقي وأنفحه من خالص التحية ما ينفحني المكان من خالص النعيم وأبدي إليه
امتناني وأشهد القرطاس على شغفي به واشتياقي إليه ولي فيما عدا ذلك - باعث
يحملني لو سمح سيدي أن أشرح له إعجابي بما حواه مناره الأسنى من جلائل
المواعظ القمين بها والمحتاج إليها أهل العصر عمومًا والإسلام خصوصًا.
فإنك يا مولاي لم تألُ جهدًا في تقويم ما اعوجَّ من أفنان العبادة، ولم ترهب من
تقريع مَن شطّوا فيها عن سواء السبيل حتى استغابك مَن ألفوا التُّرَّهَات أو حادوا عن
محجَّة الدين القويم فلا سد فوك، ولا عاش من يشنوك، إنما لي عليك سؤال عساك
لا تستنكر صدوره من عاجز مثلي يشفع به علم الجميع بأني لم أبغِ عمري غير تمكين
الوئام وتوثيق الألفة وإعلاء منار الجامعة الوطنية؛ لأني منذ بلوغي الرشد (إذا
كنت للآن رشدت) رأيت وخبرت أن مصيبة الشرق وبلادنا على نوع أخص؛ إنما
كانت وتكون أبد الدهر في ظل المذاهب والأديان فلو أريد تسويد دين على آخر أو
تعميمه وجمع العالمين في كنفه ليتم هناء الناس كما زعم البعض لكان المطلب وعرًا
لأسباب جمّة أخصها ما جاء في نص: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ..} (هود: ١١٨) إلخ،
وما علم بالاختبار الطويل العريض من أن الإنسان حليف التخاذل وولوع بالخلف
وشتات الآراء، وأن من المستحيل اجتماعه على رأي واحد فيما سوى النظريات؛
فما معنى القول إذن بالجامعة الدينية وتخيل اعتبارها من الممكنات والإعراض عن
الجامعة الوطنية الميسورة والمشهود لها قديمًا وحديثًا بأنها داعية العمران ومصدر
القوة والحضارة.
فمَن لي بمثل منارك المضيء في ظلمات الأفهام أن يزين للقوم فضلها
ومنافعها أن يجهر بالقول: (إن ما رام في الوطنية؛ بقطع النظر عن اختلاف
الأديان ما يقوم بما أنزل الرحمن من وجوب الألفة والنصفة بين الناس، والتساوي
وأحكام القسط بينهم، وتكليفهم للذب يدًا واحدة عن أعراضهم ومرافقهم، وفيها
إعلاء شأن من يحسن صنعًا؛ ولو كان من أحطهم قومًا وأخسهم محتدًا تكن في
منارك يا مولاي فعلت ما أنت أهله من الإحسان وكسرت قيودًا طالما أن منها -
واأسفَى - الشرق، فإن شئت إدراج كتابي أو ملخصه في منارك الأغر، ولعلي
أظنك فاعلاً رجوت الاتِّئاد إذ لاح لك تعقيبه وكان لاتِّئادك بي من مكان) اهـ.

(المنار)
نشكر للصديق الفاضل وفاءه، ونحمل عليه حمده وثناءه، ثم نشكر له هذا
النصح الذي تجلى بلسان السائل، وقلب المحب المخلص، ولو كان الصديق قرأ
جميع أجزاء المنار واستقرأ ما كتبته في الجامعتين الدينية والوطنية لوجد فيه جواب
سؤاله، أو العمل بنصحه وإرشاده. ولا بد لي من كلمة وجيزة أقولها الآن:
الجامعة الدينية لا تنافي عندنا الجامعة الوطنية بل تستلزمها كما أوضحنا ذلك
في مقالة عنوانها (الجنسية والدين الإسلامي) ولا يقصد الداعون إلى الجامعة
الإسلامية أن يجعلوا جميع الناس مسلمين، فيقال إنهم مخطئون في نظر العقل
ونص قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (هود: ١١٨) وإنما هم يدعون المسلمين إلى العلم والمدنية الفاضلة التي لا فحش
فيها ولا فسوق ومجاراة غيرهم من أهل الملل في فنون العلم والعمل، فإنهم على
كونهم العنصر الأقوى في الشرق الأدنى قد أصبحوا وراء جميع العناصر في هذه
الفنون، ويحتج الأكثرون منهم على عداوة العلم بالدين فوجب أن يحاجوا من طريق
الدين. وأن يدعوا باسم الدين. فإنه صاحب السلطان الأعلى على نفوس هؤلاء
المتخلفين، ولكنهم لبسوه كما يلبس الفرو مقلوبًا (الكلمة لأمير المؤمنين علي كرم
الله وجهه) فنكروا معروفه وجعلوه سبب الجهل وداعية التفريق وآلة الاستعلاء
والإيذاء بعد أن كان في أول نشأته سبب العلم وداعية الوفاق وآلة العدل والمساواة
بين جميع الناس.
وللأهرام كلمة حق تقولها دائمًا وهي: إن الشرق لا يرتقي إلا بارتقاء
المسلمين، وللمقتطف كلمة حق قالها وهي: إن المسلمين لا يرتقون إلا بعد
الإصلاح الديني، وذكر هناك أن المنار داعية لهذا الإصلاح وأن صاحبه من
زعمائه، فالمنار مشتغل بدعوة المسلمين إلى الإسلام لا بدعوة النصارى وغيرهم
إليه؛ وإنما يرد شبهات دعاة النصرانية التي ينشرونها في كتبهم وجرائدهم المنشرة؛
لأنه اعتداء يجب في اعتقاده رده؛ ولأنه معارض له في دعوته، ويبين في
محاسن الإسلام ويُرَغِّب فيها من غير إيذاء لأحد.
فإذا قال الصديق: إذا كانت الجامعة الوطنية من لوازم الجامعة الإسلامية
فلماذا لا يدعو المنار إليها بالتصريح؟ فإني أذكره أو أذكر له أنني لم أقصر في
ذلك؛ ولكنني أكثرت منه في السنة الأولى أيام كان المنار منتشرًا بين أهل الوطن
الذين هم في أشد الحاجة إلى الوفاق والتعاون؛ حتى لامني بعض المسلمين
المتحمسين ولم يعضدني أحد من غيرهم. وأقللت من ذلك بعد منع المنار من تلك
البلاد وانتشاره في بلاد أفرط فيها أحداث دعاة الوطنية حتى خرجوا عن الوطنية.
لا خلاف ولا نزاع في هذه البلاد بين المسلمين والقبط باسم الدين؛ ولكن بعض
الأحداث يحرضون المصريين عامة على عداوة السوريين خاصة، وهم من أبناء
لغتهم وأتباع دولتهم والمساوين لهم في قوانين حكومتهم، وذلك بعد أن استوطنوا
بلادهم وخدموها خدمة علمية أدبية لم يخدموا أنفسهم بمثلها، ولا حجة لهؤلاء
الأحداث إلا أن السوريين ليسوا بوطنيين وإنما هم (دخلاء) فإن كان الوطني في
عرفهم هو مَن ثبت اتصال نسبه بالفراعنة؛ فالواجب عليهم أن يُخرجوا منها
أمراءها وأكثر أهلها. وإلا فليفقهوا أن الدخيل هو الأجنبي عن لغتك وحكومتك الذي
لا يخضع لقانونك ولا لشريعتك، والذي يمتص ثروة بلادك فيحولها إلى بلاده ليُغنى
من حيث تفتقر ويُعز من حيث تذل.
المنار يدافع عن الإسلام، ولا ينسى الوصية بالوفاق والوئام، وأنه يرى
المسلمين أقرب إلى معنى الوطنية الصحيحة من غيرهم، فهذه جرائد المسيحيين
حتى الدينية البحتة منها يشترك فيها المسلمون بالمئات والألوف، وقد وجد للإسلام
جريدة واحدة أو مجلة (وهي المنار) فلم تجد في المسيحيين عشرة نفر يشتركون
فيها مع اعتراف فضلائهم بأنها نافعة ومفيدة، وهناك شواهد أخرى.
المنار يدعو المسلمين إلى العلم، والعلم هو الذي يعرِّف الناس بمكانة اتفاق
عناصر الوطن على ترقيته وإعلاء شأنه. أما الذين ليس لهم من علوم العمران ما
يقرب بعضهم من بعض فإقناعهم بالوفاق والوئام باسم الوطنية غير متيسر ولكن
المتيسر هو إقناعهم بذلك من طريق الدين وهو ما نحاوله.
فالمنار يخدم الوطن الخدمة النافعة ولكنه لا يلغو باسم الوطن والوطنية؛ لأن
هذا اللغو من شِنْشِنَة الذين يقولون ما لا يفعلون.
***
(مكتبة إسلامية عمومية في روسيا)
تتضافر الأنباء على حسن حال إخواننا المسلمين في بلاد روسيا وعنايتهم
بالعلم والتربية الإسلامية، حتى إن العارفين يفضلونهم على جميع المسلمين في
مكارم الأخلاق، وفي الاتحاد والاتفاق. وقد كتب إلينا من مدينة خاركوف أن
مسلميها على قلة عددهم يشتغلون الآن بإنشاء مكتبة عمومية لا نظير لها في بلاد
روسيا، وقد انبرى لهذا الأمر وتبرع له بالمال الكثير محمد غني أفندي بن سعد
الدين أحد قراء المنار الأخيار، فجلب الكتب الكثيرة من البلاد، فنسأل الله تعالى أن
يكثر من أمثال هذا الشاب الغيور في المسلمين. ومن هنا نستدل على حسن معاملة
حكومة القيصر للمسلمين، وعلى حرية العلم فيهم، لولا أن مراقبي المطبوعات في
موسكو وغيرها يمنعون عنهم بعض أجزاء المنار بسوء فهم مترجميه لهم، لا
بشيء فيه يقتضي ذلك فإنه لم يعب السياسة الروسية لهم فقط.
***
(مسألة مراكش رأي المنار ومكاتب التيمس)
كتبنا في الجزء العاشر مقالة في الخطر المحدق ببلاد مراكش قلنا فيها: إن
الفتنة أقوى من سلطان تلك البلاد، ويوشك أن تذهب بملكه وأن ما ارتآه بعض
الناس من وجوب استيلاء فرنسا على بلاد الغرب الأقصى لا يوافق مصلحتها؛ فإن
المسلمين أشداء لا يتيسر تذليلهم إلا بأمرائهم وحكامهم.. إلخ، ثم بعد عشرين يومًا
من انتشار المنار نشرت جريدة الأهرام مثل هذا الرأي للمستر هاريس مراسل
التيمس في مراكش (صاحب العلامة الكبرى والزلفى العظمى لدى مولاي عبد
العزيز) ، فأشار باستيلاء فرنسا على الإدارة، واستخدام سلطة السلطان الدينية
لذلك، ويفهم من كلامه أن السلطان مستعد لذلك والدول موافقة ...