للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الكاتب: مهاتما غاندي


الصحة
تأليف زعيم الهندوس الأكبر مهاتما غاندي
ترجمة الأستاذ الشيخ عبد الرزاق المليح آبادي

الباب الثامن
اللباس
للباس أيضًا علاقة بالصحة إلى حد خاص. إن الأوربيات لها أفكار غريبة
في الحسن وهي التي تسوقهن إلى جعل ملابسهن في شكل يضغط على الصدر
والأرجل، وذلك يحدث أمراضًا مختلفة. إن أقدام الصينيات يضغط عليها إلى أن
تكون أصغر من أقدام أطفالنا الصغار، وهذا ما جعل صحتهن غير جيدة. فهذان
المثالان يثبتان تأثير هيئة اللباس في الصحة، ولكن اختيار اللباس ليس دائمًا في
أيدينا لأننا مكرهون على تقليد أسلافنا، قد نسي الناس الغرض الأساسي من اللباس
فجعلوه كعنوان لدين صاحبه ووطنه وجنسه وصنعته. إذن يصعب البحث في مسألة
اللباس من الوجهة الصحية فقط مع أن هذا البحث كما لا يخفي ينفعنا قطعًا. نطلق
كلمة (اللباس) على الأحذية والحلي وما شاكلها أيضًا.
ما الغرض الأساسي من اللباس؟ إن الإنسان في حالته الأولى ما كان يلبس
لباسًا ما، كان يمشى عاريًا ويترك كل جسده مكشوفًا تقريبًا فكان جلده متينًا قويًّا
يقدر على تحمل حمارة [١] الصيف وصبارة الشتاء ووابل الأمطار، وكما قد
أسلفنا أننا لا نتنفس الهواء من المناخر فقط بل من مسام الجلد التي لا تعد ولا
تحصى أيضًا. فإذا غطينا الجلد بالأقمشة منعناه من أداء وظيفته الطبيعية، ولكن
شاعت عادة اللبس لما أخذ أهالي البلاد الباردة يكسلون يومًا فيومًا فأخذوا يحسون
بالضرورة لتغطية أجسادهم؛ لأنهم ما عادوا بعد ذلك يتحملون البرد (ثم أصبحت هذه
العادة للزينة لا بمجرد الضرورة) ثم أصبح اللباس عنوانًا على الوطن والجنس
وغيرهما.
إن الطبيعة نفسها قد أعدت كسوة جليلة لنا في جلدنا. وما يتخيل من أن
الجسم العاري يظهر غير جميل فوهم باطل. إن كنا نغطي حتى الأعضاء العامة
من جسدنا فمعناه أننا نشعر بالخجل أن يراها الناس في حالتها الطبيعية. أي أننا
نجد الخطأ في ترتيب الطبيعة فنصلحه. إننا كلما ازددنا غنى وثروة بالغنا في زيادة
الأغطية والملابس طلبًا للزينة حتى خرجنا في ذلك عن الحد وصرنا نطري جمالنا
وحسن منظرنا! مع أنها لو لم تعمنا حماقة التمسك بالعوائد الذميمة لرأينا بلا شك
أن الجسم العاري أجمل على الإطلاق من الجسم المكسو بالألبسة، وذلك لأنه يجد
صحته التامة في عراه. واللباس ينقص جماله الطبيعي. ثم إن الإنسان لم يكتف
باللباس بل أخذ يستعمل الحُليّ كذلك. إن هذا جنون محض. يصعب جدًا أن نفهم
كيف يزيد الحلي ذرة من الجمال الطبيعي للجسم. ولكن النساء قد تجاوزن جميع
حدود الإدراك والحياء والأدب في هذا الشأن. فلا يستحين من أن يتحلين بالخلاخل
الثقيلة التي تقيد أرجلهن وتمنعها من الحركة بسهولة. وأن يثقبن أنوفهن وآذانهن
بطريقة بشعة ليلبسن الخزم فيها والأقراط ويشوهن سواعدهن وأصابعهن بالأسورة
والخواتم من أنواع مختلفة. إن هذه الزينات لا خير فيها إلا أنها تزيد تراكم الدنس
على الجسم، ولا سيما في الأنف والأذن فلا تسأل عن وساختهما. نحن مخطئون
جدًّا في زعمنا أن هذه الأوساخ تجلب الجمال فنضيع المال في سبيلها بل لا نتردد
في جعل نفوسنا عرضة لتعديات اللصوص.
ليس هناك حد للآلام التي تقاسيها في تسلية نفوسنا بالأفكار الجنونية من
الغرور والكبر الذي زرعناه في قلوبنا! إن النساء قد بلغ جنونهن وضلالهن إلى حد
أنهن لا يرضين بإخراج القرط من الأذن حتى وإن مرضت الأذن وكذلك لا ترضى
بخلع الأساور وإن انتفخت اليد وأصيبت بألم شديد. بل إنهن لا يرضين بنقل خاتم
واحد من الإصبع المتقيحة لأنهن يزعمن بأن الحسن يصاب بنقص وسوء إن فعلن
ذلك! [٢] الإصلاح التام في اللباس ليس بسهل. ولكن يمكن بكل سهولة أن نترك
استعمال الحلي والملابس الزائدة عن الحاجة بتاتًا. يصح أن نبقي بضعة أشياء
للمحافظة على التقاليد ونخلع الباقي خلعًا. إن أولئك الذين لم يبتلوا بالوهم الباطل
وهو جعل اللباس زينة، يمكنهم أن يدخلوا التغييرات الكثيرة في ملابسهم وينالوا
بذلك صحة جيدة.
لقد راجت في الأيام الأخيرة فكرة توهم الناس أن اللباس الإفرنجي ضروري
للمحافظة على الحشمة والهيبة. ليس هذا مكان البحث في تفاصيل هذا الأمر بل
تكفي الإشارة إلى أن اللباس الإفرنجي قد يكون صالحًا جدًّا للبلاد الباردة الأوربية
ولكنه غير موافق للهند. إن اللباس الهندي وحده يمكن أن يكون صالحًا للهنود سواء
الهندوس والمسلمين. إن لباسنا لكونه واسعًا ومفتوحًا، لا يحول دون وصول الهواء
إلى أبداننا ثم إنه لبياضه لا يجذب أشعة الشمس خلافًا للباس الأسود الذي يكون أدفأ
وأحر منه لأن أشعة الشمس تجتمع فيه، وتنتقل منه إلى الجسم.
قد راجت العمامة فينا كثيرًا، ولكن مع ذلك ينبغي أن نجتهد في أن تبقى
الرأس مكشوفًا أكثر ما يمكن من الزمن. وأما تربية الشعر وتمشيطه وتسريحه
وتفريقه من وسطه وغير ذلك مما يفعله الناس فهمجية بعينها [٣] إن التراب والغبار
وكذلك الصئبان تكثر في الشعر وإن ظهرت البثور في الرأس فلا يمكن معالجته كما
ينبغي إذا كان الشعر كثيرًا، فتربية الذين يستعملون العمائم للشعر ليست إلا حماقة
صريحة.
إن الأرجل سماسرة الأمراض، فأقدام الذين يلبسون الأحذية الإفرنجية تتوسخ
وتعرق عرقاً متعفنًا، وقد تكون العفونة شديدة على أصحاب حاسة الشم الصحيحة
حتى إنهم ليصعب عليهم أن يقفوا بجنب رجل من هؤلاء عند خلع نعله أو جواربه!
إن الأسماء العامة للحذاء في لساننا مثل (محافظ القدم) و (عدو الشوك) تدل
على أن النعل ينبغي في استعماله عند المشي على أرض ذات أشواك أو على أرض
باردة أو حارة جدًّا. وإن التغطية يجب أن تكون لبواطن الأقدام دون ظهورها،
وهذا الغرض يتحقق تماماً بالقبقاب [٤] إن بعض الذين تعودوا لبس الأحذية الإفرنجية
يشكون أحيانًا الصداع أو الوجع في الرجل أو الضعف في الجسم، ليجربوا المشي
حفاة فإنهم يدركون حالاً فائدة ترك الأقدام حرة وبعيدة عن العرق بتعرضها للهواء.
***
الباب التاسع
الزواج [*]
إني أرجو القراء ولا سيما الذين قرءوا هذا الكتاب بتأمل أن يخصوا هذا
الفصل بتأمل أكثر، ويتفكروا في الأصول التي احتوى عليها بتروٍ وإمعان.
بقيت عدة أبواب من الكتاب ستأتي، وهي وإنْ كانت كذلك نافعة إلا أنه ليس
منها باب يبلغ أهمية هذا الباب، وإني كما أسلفت لم أدع شيئاً من محتويات هذا
الكتاب لم أجربه بنفسي ولم أره حقًّا وحقيقة ولا سيما هذا الباب.
إن للصحة مفاتيح كثيرة وكل منها ضروري جدًّا في مكانه. ولكن هنالك
مفتاحًا هو أعظم المفاتيح وسيدها على الإطلاق وهو (التجرد) . لا ريب أن الهواء
النقي والماء النقي والطعام الجيد - كل ذلك - يساعد في الصحة، ولكن كيف يمكن
أن نكون أصحاء إن كنا نضيع كل الصحة التي حصلناها؟ كيف نحفظ أنفسنا من
الإفلاس إنْ كنا نضيع جميع المال الذي ادخرناه؟ إن مما لا ريب فيه هو أن
الرجال والنساء لا يمكن أن يكونوا أصحاء أقوياء إلا إذا راعوا (التجرد) الحقيقي.
ماذا نقصد (بالتجرد) ؟ نقصد به أنه يجب أن يجتنب الرجال والنساء التمتع
أي لا يتلامسوا لفكرة حيوانية، بل لا يتخيلوا ذلك حتى في أحلامهم. يجب أن
تكون نظراتهم بينهم خالية من جميع الأميال الشهوانية الحيوانية، يجب أن نحافظ
على القوة التي وهبنا الله إياها بضبط قوى النفس جيدًا وأن نحولها إلى الجد والعمل
والقوة، لا إلى الجسم فقط، بل إلى المخ والروح كذلك.
ولكن ما الحالة التي نشاهدها واقعة حولنا؟ نرى الرجال والنساء، الشيوخ
والشباب بدون استثناء، قد وقعوا في شبكة الشهوة فعموا بها وصموا وفقدوا كل
تمييز بين الخير والشر! لقد رأيت بنفسي حتى الصبيان والبنات يتعاملون بينهم
كالرجال المجانين بجنون الشهوة المهلكة.
ولست أزكي نفسي فقد فعلت ذلك مسوقًا بهذا المؤثر نفسه الذي لا يمكن أن
يؤدي إلى غير هذه النتيجة السيئة. نحن نضيّع في دقيقة واحدة طلبًا للذة وقتية
جميع ما خزَّنَّاه من القوة الحيوية. فإذا أفقنا من الجنون والحمق وجدنا أنفسنا في
شقاء وتعاسة! وأحسسنا بكل أسف وخزي في الصباح التالي بالتعب والضعف
ووجدنا المخ يرفض أداء وظيفته! فعند ذلك نجري وراء معالجة الشر الذي جلبناه
على أنفسنا بأيدينا بتعاطي جميع أنواع (الأدوية المقوية للأعصاب) ونسلم أنفسنا
إلى رحمة الأطباء ليرتُقوا ما فُتق من صحتنا، ويعيدوا لنا القدرة على التمتع ثانية!
هكذا تمضي الأيام والشهور والسنون حتى تقبل علينا الشيخوخة بآلامها وأوصابها،
فنجد أنفسنا قد ضيعنا رأس مالنا كله، ضيعنا الرجولية والعقل على سواء وأصبحنا
صفر الكف بائسين تعسين! .
على أن قانون الطبيعة يقضي عكس ذلك تمامًا. فكلما ازداد عمرنا ينبغي أن
نزداد في قوتنا الذهنية. نزداد قدرة على نقل ثمار علمنا وتجاربنا المجتمعة إلى بني
جلدتنا من البشر. هكذا تكون بالحقيقة حالة الذين يتمسكون بالتجرد الحقيقي، فهم
لا يبالون الموت ولا ينسون الله تعالى حتى في موتهم ولا يدخلون في شكاوى باطلة،
هم يموتون والتبسم فوق شفاههم! ويقابلون يوم الجزاء بكل جرأة! هم الرجال
والنساء حقًّا! وفيهم وحدهم يصح أن يقال: إنهم قد حافظوا على صحتهم.
يصعب علينا أن نفهم أن ترك التجرد هو الأساس الحقيقي لجميع المعايب
كالكبر والغضب، والخوف والحسد إن كان مُخنا ليس في قبضتنا وإن كنا ننتهك
قوانين الصحة مرة أو مرتين كل يوم، فنحن أكثر حمقًا حتى من الأطفال الصغار،
فأي إثم عسانا لا نرتكبه قصدًا منا أو بغير قصد؟ وكيف يمكن لنا أن نقف وقفة
لنتأمل في نتائج أعمالنا مهما كانت دنيئة آثمة؟
لك أن تسأل: من الذي وجد متجردًا تجردًا حقيقيًّا؟ إن كان يجب أن يصير
جميع الناس متجردين فهلا تهلك الإنسانية وتفنى الدنيا كلها؟ نحن لا نتعرض
للوجهة الدينية في المسألة، بل نقتصر في البحث على وجهتها الدنيوية فقط. إن
هذه الأسئلة في رأيي ليست إلا دلائل على ضعفنا وخورنا لأننا لا نملك القوة
الإرادية لمراعاة التجرد، ولذلك نتعلل بأعذار باطلة للتملص من وظيفتنا، إن نوع
المتجردين الحقيقيين لا ينعدم بحال من الأحوال، بل هم موجودون في كل زمان
وإن كنا لا نعرف أشخاصهم، يشتغل ألوف من العمال أشغالاً شاقة ويحفرون أعمال
الأرض باحثين عن معدن الماس، وفي الآخر ربما يجدون قبضة كف منه تحت
الصخور المتراكمة بعضها فوق بعض. فإذا كان البحث عن حجر من الأحجار
الكريمة يتطلب هذا التعب الكبير فكم تكون المشقة عظيمة في اكتشاف ماس
(التجرد) الذي هو أثمن بكثير من كل ماس؟ وإن كان يلزم من مراقبة التجرد هلاك
الدنيا، فلماذا نحزن نحن؟ هل نحن الذين خلقنا الخلق فنهتم بمستقبل الدنيا هذا
الاهتمام الكبير؟ إن الذي خلقها لهو الذي يدبر دوامها وبقاءها، وليس مما يعنينا أن
نبحث عن الناس الآخرين، هل هم متمسكون بالتجرد أم لا؟ أفنحن إذا اتخذنا مهنة
التجارة أو المحاماة أو الطب نفكر يوماً في مستقبل الدنيا إن أصبح جميع الناس
مثلنا تجارًا أو محامين أو أطباء؟ إن المتجرد الحقيقي يجد بنفسه جوابًا لهذه الأسئلة
إذا طال عهده بالتجرد.
ولكن كيف يفعل الذين أحاطت بهم الأمور الدنيوية من كل جهة؟ وماذا يفعل
الذين لهم أولاد؟ قد بيّنا أحسن حل لجميع هذه المشاكل آنفًا. يجب أن نضع نصب
أعيننا هذا المثل الأعلى (التجرد) ونجتهد في التقرب منه أكثر ما نستطيع. لما
نمرن الأطفال على الخط نقدم إليهم أحسن نماذج الخط ليجتهدوا في تقليدها بأكثر مما
يستطيعون. هكذا تمامًا يجب أن نجتهد لهذا المثل الأعلى حتى نفوز في آخر الأمر
بفهمه والوصول إليه، إذاً ماذا نفعل إن كنا متزوجين؟ إن قانون الطبيعة يقضي
بأن لا يخرج الزوجان من حدود التجرد إلا إذا شعرا شعورًا قويًّا بالحاجة إلى الولد.
إن الذين يراعون هذا القانون فيخرجون من التجرد مرة كل أربع أو خمس
سنوات لا يعدون من عباد الشهوة، ولا هم يضيعون كل ما خزنوه من القوة الحيوية
ولكن واأسفاه! ما أقل الرجال والنساء الذين يخضعون للشهوة الزوجية طلبًا للنسل
فقط؟
إن الأكثرية الساحقة من البشر لا تباشر الشهوة الحيوانية إلا لإرضاء أميالهم
الشهوانية، أما الأولاد فيولدون كنتيجة غير مقصودة لهم، نحن إذا جُننا بالشهوة فلا
نتفكر مطلقًا في نتائج عملنا. والرجال يلامون أكثر من النساء في هذا الأمر؛ لأنهم
هم الذين يعمون بالشهوة إلى درجة لا يبالون بحالة أزواجهم فيكرهونهن على امتثال
أمرهم، وإن كن ضعيفات البنية أو غير قادرات على الحمل.
إن الغربيين قد تعدوا حتى على حقوق الأدب أيضًا. فهم يتمتعون بشهواتهم
ويخترعون طرقًا للتخلص من مسئولية الأبوة والأمومة. قد ألف كثير من الكتب في
هذا الموضوع ونفقت سوق التجارة القانونية لإيجاد الطرق المانعة للحمل، وأما
نحن معشر الهنود فإن كنا بعيدين إلى الآن من هذا الإثم غير أننا لا نتردد في أن
نحمل نسائنا حمل الأمومة الثقيل ولا نبالي بأن يولد أولادنا نحاف البنية فاقدي
الرجولية ضعاف العقل. بل كلما يولد لنا ولد نكاد أن نطير فرحًا ونشكر الخالق
على ذلك. وهكذا نسعى في أن نغش أنفسنا ونخفي حمق أعمالنا عن أعيننا، ألا
يجب علينا عوضًا من أن نعد ذلك دليلاً على رضاء الله ولطفه بنا دليلاً على غضبه
وسخطه علينا بجعله إيانا نلد أولادًا فجارًا، عجزة، سفلة، نحاف البنية، ضعاف
العقل، هل من الكياسة أن نفرح بولادة الأولاد للبنات والصبيان [٥] أليس
ذلك لعنة من الله عوضًا من أن يكون رحمة؟
نحن كلنا نعلم بأن ظهور الثمر قبل أوانه يضعف الشجرة ولذلك نسعى بجميع
الوسائل في تأخير موعده، ولكنا ننشد أناشيد الحمد (لإله الزواج) ونحمد الخالق
سبحانه إذا ولد الولد من صبي وبنت صغيرين؟ هل يوجد شيء أبشع من هذا
الأمر؟ هل نظن أن الدنيا تبتهج بازدحام هذا الجم الغفير من هؤلاء الأطفال
الضعاف البنية والقوى، الذين يكثرون كثرة زائدة في الهند وغيرها من البلدان؟ لا
ريب أننا في هذا الأمر لأحط حتى من البهائم فالثور والبقرة لا يقتربان إلا لتوليد
العجل فقط. يجب على الزوجين أن يبقيا متباعدين من وقت الحمل إلى أن يترك
الطفل ثدي أمه ويريا ذلك واجبًا عليهما. ولكننا لا نراعى هذا الواجب المقدس بل
نبقى متمتعين مسرورين ناسين حتى محبة ولدنا وزوجنا. إن هذا الداء العضال
يضعف عقولنا ويقودنا إلى القبر قبل أوانه بعد أن يجعل وجودنا في الدنيا تعاسة
وشقاء. يجب على المتزوجين أن يعلموا الوظيفة الصحية للزواج فلا يخرقوا
التجرد إلا بقصد أن يلدوا ولدًا لدوام النوع.
ولكن مراعاة هذا القانون صعبة جدًّا في حالتنا الحاضرة. فغذاؤنا وطرق
معيشتنا وحديثنا العام ومحيطنا، كل هذه الأمور تنبه وتساعد على إثارة الشهوة فينا،
فالشهوة تجري في عروقنا وأعضائنا الرئيسية كالسم فتنخرها. قد يشك بعض
الناس في إمكان تحرير نفوسنا من هذا الحمل الثقيل. إن هذا الكتاب لم يؤلف
لأمثال هؤلاء المرتابين ضعيفي الإرادة، بل إنما ألف لأولئك الذين يريدون أن
يتأملوا في الأمر بجد، ويملكون جراءة الإقدام على إصلاح أنفسهم. قد يتأذى الذين
هم مطمئنون بحالتهم الحاضرة المهينة من قراءة هذا الكتاب، ولكني أرجو أن يؤدي
بعض الخدمة لأولئك الذين يتذمرون من حالتهم التعسة. فينتج من كل هذا أن الذين
لم يتزوجوا بعد، يجب أن يجتهدوا في البقاء غير متزوجين وإن كانوا لا
يستطيعون البقاء فليؤخروا الزواج ما استطاعوا.
ليعاهد الشباب أنفسهم بأن لا يتزوجوا إلا في سن ٢٥ أو ٣٠ من العمر. ليس
من موضوعنا الآن أن نبين جميع الفوائد المتنوعة الكثيرة التي تنال من التجرد فوق
الفوائد الصحية، بيد أن الذين يريدون أن ينتفعوا بها ينالونها حتمًا من هذا الطريق.
إن رجائي من الآباء والأمهات الذين يقرأون هذه الصفحات أن لا يعلقوا في
أعناق أولادهم حجرًا ثقيلاً بتزويجهم في عهد صباهم. بل عليهم أن يراعوا مصلحة
أبنائهم أيضًا لا مصلحتهم فقط. ليرموا جانبًا جميع أفكار الحمق التي جلبها لهم حب
الفخار الكاذب، فيتركوا التشبث بجميع هذه الأعمال الباطلة المضرة. وإن كانوا
مخلصين حقًا لأطفالهم فليسعوا جهدهم في تحسين صحتهم البدنية والعقلية والأخلاقية.
وأي عداء منهم أكبر وأفظع من أن يكرهوهم على الولوج في الحياة الزوجية مع
جميع مسئولياتها المريعة، والهموم الكثيرة في سن هم لا يزالون فيه صبيانًا بكل
معنى الكلمة؟
ثم إن القانون الصحي الصحيح يطالب كل رجل يفقد زوجته وكل امرأة تفقد
زوجها أن يبقيا عزابًا طوال العمر. إن هناك اختلافًا بين الأطباء في: هل يحتاج
الشباب من الرجال والنساء أن يفسحوا المجال لخروج مادتهم المنوية، فبعضهم
يوجب ذلك وبعضهم يمنع منه. ولكن هذا لا يجوز لنا الاستمتاع بشهوتنا. إني
أستطيع أن أؤكد بدون أدنى تردد بحسب تجربتي الشخصية وتجارب الآخرين بأن
الاستمتاع بالشهوة غير ضروري للمحافظة على الصحة فحسب بل إنه مُضر بنا
جدًا، إن القوة البدنية والعقلية التي خزنت في مدة طويلة تذهب كلها بمجرد خروج
المادة المنوية ويحتاج لاسترجاع هذه القوة الضائعة إلى مدة طويلة ثم ليس هناك أي
ضمان يضمن لنا رجوعها كاملة، إن المرآة المكسّرة مهما رممتها وجعلتها تؤدي
وظيفتها فهي لا تزال مرآة مكسرة.
وكما قد بيَّنا قبل أن حياتنا لا بقاء لها بدون الهواء النقي والماء النقي والطعام
النقي الجيد والأفكار النظيفة، كذلك العلاقة بين أسلوب معيشتنا وصحتنا قوية جدًّا.
فلا نكون أصحاء تمامًا إلا إذا جعلنا معيشتنا طاهرة بريئة، فالرجل المجد الذي
يتوب من ذنوبه الماضية ويعيش عيشة رضية يقتطف فيها ثمار سيرته الحسنة. إن
الذين يقومون (بالتجرد) ولو لزمن محدد يرون بأعينهم كيف يترقى جسمهم وعقلهم
في النشاط والقوة بسرعة. ثم هم لا يرضون بعد ذلك أن يتنازلوا عن هذه الخزينة
الثمينة مهما دفع فيها من الثمن الغالي. لقد كنت أرتكب بنفسي هذه الجناية حتى بعد
علمي التام بقيمة التجرد. ولا شك أني قد دفعت لإفراطي وتفريطي ثمنًا غاليًا، أنا
أخجل وآسف جدًّا كلما قارنت بين حالتي أثناء ارتكابي تلك الجناية وحالتي بعدها.
غير أني بحمد الله قد تعلمت بعد جنايات الماضي المحافظة على هذه الخزينة
الكبيرة.
وأنا ممتلئ رجاء وثقة بالتوفيق الإلهي بأني لا أزال أحافظ عليها في المستقبل
أيضًا، ولن أتنازل عنها في حال من الأحوال حتى يأتيني اليقين! وذلك بأني قد
جربت بنفسي فوائد التجرد التي تفوق الحصر. لقد زُوجت في أيام الصبا،
وأصبحت والدًا لأولاد بينما أنا لم أتجاوز المرحلة الأولى من الشباب. ولما تنبهت
لحقيقة حالي وجدت نفسي قد سقطت في هوة عميقة من الانحطاط. وإني لأعدني
قد جوزيت جزاءً كبيرًا على كتابة هذه الصفحات أن وجد ولو واحد من القراء
يعتبر بخطيئاتي وتجاربي ويستفيد منها. يقول كثير من الناس وأنا أعتقد بأني
ممتلئ الآن قوة وهمة ونشاطًا، وأن دماغي ليس بضعيف في حال من الأحوال، نعم
لا أنكر أن جسمي وكذلك دماغي لا يزال مصابًا ببعض الأمراض ولكني مع ذلك إن
قورنت بأصحابي فأنا أُعِد نفسي صحيحًا تمامًا وقويًا، وما دمت قد وصلت إلى هذه
الدرجة حتى بعد التمتع بالشهوة عشرين سنة كاملة، فكيف تكون صحتي ولو لم
أخرق قوانين الصحة وأبقيت نفسي طاهرة نظيفة في تلك السنين الماضية الطويلة
السوداء؟ أنا أعتقد كل الاعتقاد بأني لو عشت عيشة (التجرد) من أول
عمري لكنت أقوى وأنشط بألف مرة مما أنا الآن ولأمكنني أن أنفق كل قوتي
ونشاطي في خدمة وطني ونفسي أكثر من الآن فإذا كان الرجل الاعتيادي مثلي
يتأكد ذلك فما أعظم وأعجب تلك القوة - الجسمانية والعقلية والأخلاقية - التي يجود
بها علينا (التجرد) الحقيقي.
ما دام قانون التجرد دقيقًا إلى هذه الدرجة، فماذا ينبغي أن نقول في أولئك الذين
يرتكبون إثم التمتع بالشهوة على طرق غير مشروعة؟ إن الشر الذي يتبع العهارة
والبغاء لعظيم جدًّا ومسألة حيوية في الدين والأخلاق. ولا يمكن إلغاؤها حقًّا من
البحث في رسالة صغيرة مثل هذه. ولذلك نقتصر هنا على الإشارة إلى أن تلك
الألوف المؤلفة الذين يرتكبون هذه الآثام يصابون بالزهري وغيره من الأمراض
التي لا يليق ذكرها. إن القانون الإلهي الصارم يعاقب بكل عدل وسرور هؤلاء
الإباحيين التعساء بحياة مملوءة بأنواع من العذاب والأتعاب التي ليس لها حد.
فأمدهم القصير من الحياة يضيع في عبودية لشهوة مخزية وبحث خاسر عن دواء
ينجيهم من عذابهم الأليم! لو بطلت الدعارة لبطل على الأقل نصف شغل الأطباء.
إن الأمراض التناسلية تكاد أن تُقوض أركان الإنسانية وتوقع النوع الإنساني في
شدة وارتباك عظيم، حتى اضطر أحسن الأطباء إلى الاعتراف بأنه ما دام الفسق
والتهتك موجودًا فلا يرجى أي أمل للنوع الإنساني في السعادة والهناء. إن أدوية
هذه الأمراض سامة جدًّا حتى إنها وإن نفعت بادي الرأي نفعًا وقتيًّا فإنها تسبب
أمراضًا أخرى كثيرة أشد إيذاءً وعذابًا وتتسلسل بالوراثة في الأحفاد والأعقاب.
نحن نشير الآن بالاختصار إلى الطريقة التي ينبغي اتباعها للمتزوجين
لمراعاة التجرد. لا تكفي مراعاة قوانين الصحة المتعلقة بالهواء النقي والماء
والغذاء، بل يجب كذلك على الرجل أن يجتنب النوم مع زوجته في فراش واحد.
إن قليلاً من التدبر يدلنا على أن فكرة التخلي بين الرجل والمرأة إنما هي فكرة
للتمتع الشهواني. فيجب عليهما أن يناما متباعدين في الليل، وينهمكا في الأعمال
الحسنة طول النهار، ويزاولا قراءة الكتب التي تملأ دماغيهما بأفكار عالية،
ويتفكرا في حياة الناس الكبار، ويعيشا متيقنين بأن التمتع الشهواني أساس لجميع
الأمراض. وإن تولدت فيهما رغبة التمتع فليغتسلا بالماء البارد الذي يبرد حرارة
الشهوة ويزيلها، فتنتقل الشهوة إلى نشاط قوي حقيقي. أجل، إن هذا صعب عمله
ولكننا ما خلقنا في هذه الدنيا إلا لنصارع المصارع والمشكلات والشهوات ونغلبها.
والذي لا يريد أن يفعل ذلك فإنه لن يفوز بالبركات العالية في الصحة الحقيقية.
((يتبع بمقال تالٍ))