للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


منشور شريف مكة وأميرها

نشرت الجرائد المصرية اليومية في آخر الشهر الماضي منشور شريف مكة وأميرها الذي وجهه إلى العالم الإسلامي، وإنه لَمنشور كُتب بمِداد الحكمة
وأصالة الرأي وشرف الغاية، وملخصه أن الشرفاء (أمراء مكة المكرمة) كانوا
أول من اعترف بسلطة سلاطين آل عثمان الكرام، لما كانت أحكام دولتهم قائمة
على أساس الشرع الإسلامي، حبًّا في الوحدة الإسلامية وكراهة للشقاق وتفرق
الكلمة، وأن صاحب المنشور نفسه قد بالغ في الاستمساك بعُروة الدولة حتى إنه
حمل بجُنده من العرب على العرب وقاتلهم لأجل الدولة.
ثم انتقل من ذلك إلى سيرة فئة الاتحاديين الباغية، فبين أنها قد جنت على
الدين والدولة والأمة فانحرفت عن صراط الشريعة، وأبطلت بعض أركان الإسلام
وغيرت أحكام القرآن، وحجرت على السلطان حتى منعته من التصرف بشئون
خاصته وقصره. ونكلت بالأمة، فلم ترعَ حقوق الإسلام ولا عهود الذمة، وخصت
العرب بالاضطهاد، فصلبت في الشام كثيرًا من أهل العلم والرأي والفضل،
واستحلت مصادرة الأموال وإخراج النساء المخدَّرات والأطفال من ديارهم وأموالهم
ونفتهم إلى بلاد الأناضول من غير ذنب وبغير قيم شرعي. ثم ذكر تقحمهم بالدولة
في هذه الحرب وتعريضهم إياها للخطر، وما جنوه على البلاد بذلك، وذكر ما حل
بالحجاز من جراء ذلك، وأن الضيق قد بلغ بأهل الدرجة الوسطى إلى بيع أثاثهم ثم
بيع خشب بيوتهم حتى الأبواب والسقف.
ثم بيَّن أن بلاد الحجاز اضطرت بسبب تلك الجرائم والمفاسد العامة التي
اخترعها الاتحاديون إلى إعلان استقلالها بنفسها دونهم حرصًا على دينها وعلى
جنسيتها العربية؛ لأن الاتحاديين يتعمدون فساد هذا الدين ومحو هذه الأمة العربية
من لوح الوجود.
وذكر أن الخاصة التي وضعها الاتحاديون بمكة أرادت ألا تتقدم من أهل البلاد
فألقت قذائف مدافعها من حصن جياد على الحرم الشريف فأصابت بيت الله - عز
وجل - وقتلت كثيرًا من الطائفين والمصلين فيه.
قال (وحسبنا برهانًا على ما تكنه صدورهم نحو الدين والعرب رميهم للبيت
العتيق الذي أضافته العزة الأحدية لذاتها السبحانية في قوله تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ
لِلطَّائِفِينَ} (الحج: ٢٦) وهي قبلة المسلمين وكعبة الموحدين بقنبلتين من قنابل
مدافعهم التي بحصن جياد أثناء قيام البلاد بالمطالبة باستقلالها، وقعت إحداهما تحت
الحجر الأسود بنحو ذراع ونصف، والثانية تبعد عنه بمقدار ثلاثة أذرع التهبت
بنارهما أستار البيت حتى هرع الألوف من المسلمين لإطفاء لهيبه بالضجيج
والنحيب، واضطرهم الحال إلى فتح باب البيت والصعود إلى سطحه للتمكن من
إطفاء اللهيب، وما انتهى أمرهم بهذا حتى عززوا الاثنين بثالثة في مقام إبراهيم،
وهذا عدا ما وقع منها في بقية المسجد الذي اتخذوه هدفهم الوحيد في غالب
مقذوفاتهم بالقنابل والرصاص، وما زالوا يقتلون الثلاثة والأربعة في نفس المسجد
كل يوم حتى تعذَّر على العباد القرب من البيت، وفي هذا من الاستخفاف والازدراء
بالبيت وتعظيمه وحرمته ما نترك القول والحكم فيه أيضًا لعموم المسلمين في مشارق
الأرض ومغاربها) .
وهذا المنشور يؤيد ما شرحناه مرارًا في المنار من سيرة هذه الجمعية الباغية
في الدولة والأمة، ومن اطلع عليه من قراء المنار يعجب؛ إذ يرى أكثر مسائله في
المحاورة التي نشرناها في الجزء الماضي، وسبب ذلك أنها حقائق يعرفها جميع
خواص العثمانيين وكثير من عوامهم، فكيف تخفى على أمير مكة المكرمة على
مكانته في الذروة العليا من الأمة والدولة، وأهل بيته منهم الأعضاء في مجلس
المبعوثين كنجله الشريف عبد الله وفي مجلس الأعيان كأخيه الشريف ناصر.
وقد أعجب أهل الفضل بنزاهة المنشور ومحافظته على كرامة الدولة العثمانية
وسلاطينها العِظام، وكرامة الشعب التركي أيضًا وحصره السيئات التي يشكو منها
جميع العثمانيين وكل غيور على الدولة في سيرة الاتحاديين فيها.
ومن حكَّم الروية والإنصاف في سيرة الاتحاديين، يستدل من موافقة هذا
المنشور لكثير من المطاعن التي قيلت على أن أخبارها قد بلغت حد التواتر بكثرة
مصادرها، فالشريف الأكبر لم يستمد ما ذكره في منشوره من الجرائد المصرية ولا
الأوربية، ولعله لم يطلع على شيء منها قبل كتابته، بل يستمد بيِّناته من الأقوال
والأعمال الرسمية. مثل ذلك ما ذكره من الشواهد على جنايتهم على الدين
وجرأتهما على هدم أركانه والعبث بأحكامه. فإنه ذكر منه أمر سلطتهم العسكرية
بإلزام جنودهم المقيمة في الحجاز وغيره من الأمصار الفطر في رمضان، وأمرهم
لقاضي مكة بعدم الاعتداد بشهادة المسلمين، بعضهم على بعض إلا ما كتب منها في
محكمته، وأما أخبار فَتْكهم بأهل الفضل والنيل من مسلمي سورية تقتيلاً وتصليبًا
ومصادرة الأموال، ونفي النساء والأطفال، فلا شك في أخذه إياه من الجرائد
السورية الرسمية وغير الرسمية، وإن لم يصرح بذلك. ودليلي على ذلك أن أول
كتاب جاءني من وكيل المنار في الحجاز قد نقل فيه عن تلك الجرائد أسماء من
قُتِلوا وصُلبوا في الشام من كبراء العرب، ومنهم السيد الزهراوي وشفيق بك
المؤيد وغيرهما.
وقد تذكرت بهذا أنه لما ذكرت الجرائد المصرية أول نبأ عن صلب فضلاء
العرب ببيروت وهم الأحد عشر الذين منهم النابغة محمد الحمصاني وعبد الكريم
قاسم الخليل أرسل لي فؤاد برقية من الخرطوم ذكر فها ارتياعه واستفظاعه للخبر،
وشكه في صحته والرغبة إلي في إرسال برقية إليه ببيان رأي فيه، وقال: إنه لا
يثق به إلا إذا كنت مصدقًا له. فأرسلت إليه برقية قلت فيها: إنني لا أثق بشيء
من ذلك. ثم جاءت جرائد أوروبا فجرائد أمريكة تثبت الخبر، وفي جرائد أمريكة
العربية السورية نقل له عن جرائد سورية. ثم إنني كنت مارًّا مرة بنظارة
الحربية، فرأيت فيها رجلاً قد أسره الإنكليز من سيناء، فسألته عن بلده وعن
أخبار سورية فقال: إنه من القدس، وأخبرني بخبر الذين صلبوا في بيروت،
فقلت هل تعرفهم؟ قال: لا بل أعرف بعضهم بالاسم، قلت: ممن علمت بخبر
شنقهم؟ قال من جريدة القدس الرسمية. لأجل هذا قلت في المحاورة التي نشرت
في الجزء الثالث: إن خبر صَلب من صُلب في سورية، قد ثبت عندي بالتواتر.
لقيت أول من أمس صديقًا لي من رجال القانون، أعرف منه استقلال الرأي
فتكلمنا في هذا الموضع، فقال: إنه يجب أن يجعل نفسه كالقاضي في هذه القضية
فلا يحكم فيها. قلت: بل يجب أن تجعل نفسك بمكان المؤرخ المنصف الذي
يمحص الأخبار، ثم يجزم بالنفي أو الإثبات، فأنا لم أكن خصمًا للاتحاديين بل
كنت صديقًا لهم قبل الدستور وبعده، وكنت أول من دافع عنهم لما حملت عليهم
جرائد الهند الإسلامية ورمتهم بالكفر والإلحاد، وإسقاط خليفة المسلمين السلطان عبد
الحميد لأجل إبطال الحكم الإسلامي، ولما شاع أمر عَبَثهم بالدين وتعصبهم على
العرب وغيرهم تثبت في الحكم عليهم، وذهبت إلى الأستانة فأقمت فيها سنة كاملة
معهم ساعيًا في خدمة الإسلام عامة، وفي التأليف بيت الترك والعرب، وعلمت
بالاختبار الطويل أن كل ما قيل فيهم، دون الواقع كما بينته في المنار.
وجملة القول أن منشور الشريف الذي كان قبل استقلاله في الحجاز أعظم
الأمراء العثمانيين هو أعظم الحُجج على ملاحدة الاتحاديين، كما أنه تأييد من سيد
العرب لطلاب الإصلاح من العرب، لأنهم بنوا سعيهم على أساس المحافظة على
الدولة العثمانية، ومن قواعدهم أن لا يكونوا سببًا من أسباب ضعف الدولة ولا
تمزيق وحدتها. وقد انسلخ من الدولة عدة ممالك وولايات بسوء سياسة الاتحاديين:
البوسنة وهرسك وطرابلس الغرب ألبانية ومكدونية وكريت وجزائر الأرخبيل
الرومي، - دع ولاية البصرة. والولايات الأرمينية والأناضولية التي ذهبت في
هذه الحرب - ولم يكن العرب سببًا في زوال شيء منها. فهذه أكبر حججنا على
هؤلاء المخربين.
((يتبع بمقال تالٍ))