للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: أحمد زكي أبو شادي


جمعية آداب اللغة العربية
بلندن

سيدي الأستاذ محرر (المنار)
لا أرى بُدًّا- إذا سمحت مكارمكم- من نشر كتابي هذا في (المنار) ولي من
ظاهر عنايتكم بهذا المشروع شفيع بذلك، ومن تكرار تحريري في المجلات
الأخرى عذر في الركون إليكم، فإن من الضروريات في جميع الأعمال العامة
الكبيرة كسب تعضيد مجموع الصحافة لا بصفة وقتية بل بصورة دائمة. فلابد إذن
لقلمي العاثر من تكرار الإعلان عن هذا المشروع، ومن أمثال فضيلتكم ترجى
المؤازرة الأدبية الوجيهة فيما يذهب بضرر ويجلب فائدة للشعوب المستضعفة التي
تذودون عن كرامتها وتناضلون عن حقوقها.
أغراض المشروع واضحة جلية، وقد سبق لكم نشرها في (دعوة اللجنة
التحضيرية) ، وكلها تدور حول نقطة جوهرية، وهي خدمة اللغة العربية بجميع
الوسائل الميسورة، وتحت هذا تنطوي عدة مسائل أدبية اجتماعية وقومية حيوية لا
يخطئ في تقريرها المفكر البصير.
يتساءل بعض النقاد: لماذا أشركنا معنا- نحن العرب- المستشرقين في عمل
كهذا جدير بنا أن نستقل به؟ وهو سؤال غريب؛ إذ ما سمعت أن العلم مقيد بقيود
الجنسية، وما من مطلع إلا ويقر مؤلف (تاريخ آداب اللغة العربية) على قوله في
مميزات النهضة الأدبية الأخيرة منذ سنة ١٧٩٨ م إلى الآن: (من العوامل
الرئيسية في إحياء آداب اللغة العربية في هذه النهضة اشتراك الإفرنج في درسها
ونشر كتبها والتنقيب عن تلك الكتب في مظانها. وليس اهتمام الإفرنج بالآداب
العربية حديثًا فإنه يرجع إلى الأجيال الوسطى قبل نهضتهم الأخيرة لإنشاء تمدنهم
الحديث) فقوم هذا شأنهم وتلك آثارهم يجب أن تنزلهم منزلة الإكرام، إن لم يكن
لحرمة العلم والأدب عامة فلحرمة لغتنا التي هي ديوان أخلاقنا وحضارتنا وآدابنا.
فمن الاعتساف ونكران الجميل أن يُنعى علينا هذا التصرف وأن نعاب به. ومن
الفكاهة المرة أن يشترط على الطالب علم إفادته عن سيرة رئيس (اللجنة
التحضيرية) وسيرة كل عضو من أعضائها قبل أن يتبرع بمليم واحد لهذا العمل
(وإن راق لديه كثيرًا) ..! ! ألهذا الحد بلغ بنا التحفظ والتهيب وسوء ظن
بعضنا بالبعض الآخر؟
يكفي في الرد على مثل هذا السؤال أن يقال: ليس بين أعضاء اللجنة
التحضيرية إلا من يغار على نهضة اللغة، وكلنا طلبة علم نريد ترقية معلوماتنا
وتمرين أنفسنا على الترجمة ثم التأليف، وتعويد أقلامنا على لغة مهذبة نقية مع
تعيين الكلمات الاصطلاحية العلمية والفنية متحدين لغة الكتابة السليمة التي هي في
كل أمة غير لغة العامة. وبعبارة أوضح إننا من أوساط المتعلمين لا ميزة لنا غير
اجتهادنا وإقدامنا على أداء واجب تناساه من هم أقدر منا، فلسنا بالفلاسفة ولا
بالفحول، كما لا أعرف أننا وضعنا في درجة العوام والغوغاء. ولسنا ممن
يصطادون الأموال لنفع جيوبهم، ولا ممن صدرت عليهم أحكام المحاكم الجنائية ولا
غيرها، فعلام يتخوف من يروقه العمل من التبرع، وكل قرش وكل جنيه يرسل
باسم اللجنة يودع فورًا في (المصرف الأهلي المصري) بلندن؟
وأما الأستاذ مرجليوث فلعل شهادة سواي فيه أولى بالاعتبار. قال مؤسس
(الهلال) وقد أوجز كثيرًا كعادته: (ليس بين قراء العربية من لا يعرف الأستاذ
مرجليوث لما نذكره من آثار قلمه في خدمة اللغة العربية بالتأليف أو النشر. وقد
تلقى علومه في جامعة أوكسفورد وتولى تعليم اللغة العربية فيها من سنة ١٨٨٩ م،
وهو يمتاز على الخصوص بسعة معرفته في اللغة العربية وآدابها. يكاتب أصدقاءه
من العرب بأسلوب عربي خالص من شوائب العجمة. وقد نشر رسائل أبي العلاء
مع ترجمتها الإنكليزية، وهو عمل لا يستطيعه إلا القابض على ناصية اللغة
العربية؛ لأن هذه الرسائل لا يفهمها العربي إلا بمراجعة المعاجم، ونشر آثارًا
عربية تاريخية وشعرية، وقطعة بابيروس عربي كانت في مكتبة أوكسفورد.
وألف في مشاهد أورشليم ودمشق كتابًا حافلًا بالرسوم والشروح. وله كتاب في
سيرة النبي بالإنكليزية. وترجم الجزء الرابع من تاريخ التمدن الإسلامي إلى
الإنكليزي، وله مقالات عديدة في المجلة الأسيوية الإنكليزية وغيرها) اهـ.
وكتب إلي أحد الفضلاء يسألني عن مزية العمل من الوجهة السياسية (حيث
إن مركزنا السياسي الحاضر هو في نظره أهم المسائل) .. مع أننا أبَنَّا مرارًا أنه
ليس لهذا المشروع أي صبغة سياسية، وما تطرقت السياسة إلى عمل كهذا إلا
أفسدته. ولن يبدل حالتنا السياسية جمعية ولا جمعيتان، فإن العليل لا يبرأ بالإعلان
زورًا عن عافيته، بل باستئصال دائه وعلته. ولكن إذا كنا ومعظم الإفريقيين
والشرقيين والعرب عامة معدودين في نظر الأوروبيين بمرتبة البهائم، ألا يعد من
الحكمة إذن تخفيف هذه الوطأة بإظهار فضائلنا في أدوار نهضتنا العلمية والأدبية
وتصحيح الغلط الفاحش الشائع عنا، فكل هذا يمكن تحقيقه بهذا العمل الجامع أيضًا
لمزاياه الأدبية البحتة.
لو كانت لنا في هذه الديار منزلة من الاحترام لما راجت على حسابنا رواية
(قسمة) التي كانت ظلمًا وفضيحة اجتماعية وتاريخية كبرى لنا. ولئن انتقد بشدة
تمثيلها مثل القائد الإنجليزي السير سمث دروين رحمة بالآداب العامة، فلعله ولعل
كثيرين سواه من علية القوم يعتقدون صحة ما تمثله القصة الخيالية من الكبائر
آسفين على حالنا الشائنة.. فيا لَلمصائب! ! وإذا كانت كل من روسيا واليابان
رغمًا عن تحالفهما مع إنكلترا يقدرون أن أصدق التحالف ما كان بين الشعوب
بعضها مع البعض لا ما بين الحكومات فقط، فأصبحت جريدة (التيمس) تصدر
من حين إلى آخر بفضل المساعدة المالية التي تهبها كل من تينك الحكومتين ملحقات
ضافية شارحة الحياة الروسية واليابانية بكل أسلوب ووسيلة جذابة للرأي العام
الإنكليزي، أيُنعى علينا نحن المرموقين بالازدراء والسخرية الذين لا تربطنا
مخالفة ولا جامعة حرة راقية بأوروبا- أيُنعى علينا إقدامنا على عمل كهذا يشمل ما
بين أغراضه إزالة سوء التفاهم بين الغرب والشرق أو بالأحرى بين الفرنجة
والعرب؟
يقول كولردج: (اللغة عُدة العقل الإنساني الجامعة لغنائم فتوحاته السابقة
وأسلحة انتصاراته المستقبلة) ويقول وليم سميث: (اللغة هي ذكرى النوع
الإنساني هي عصب حياة ممتد بين جميع العصور يربطها بالوجود المشترك
الطويل المترقي) . ويقول هير: (اللغة مقياس الفكر والخلق القومي) ويقول
السير هدافي: (ليست اللغة ناقلة الفكر فقط بل هي أيضًا عدة عظيمة صالحة في
التفكير) . وفي كل هذه الحكم الغالية الصائبة أحسن جواب لمن تبلغ بهم المغالاة
في الانتقاد إلى (الجزع) من غيرة الشبان على لغتهم، قائلين: إن اللغة وسيلة لا
غاية (وحرام) أن نُعنى بها هذه العناية..! لا أنكر أني أعتبر اللغة وسيلة لا غاية
وإن صلحت أيضًا لأن تكون غاية مطلقة كفن جميل، وما أنا من يدعو إلى الكلام
المتوعر المعقد الذي يكلف الذهن المشقة في فهمه ويختم العقل به، ولكن من
الواجب علينا أن نصون لغتنا عن الابتذال الذي تدلى إليه معظم المعربين، ومن
المفروض علينا أن نتمشى مع الزمن في ترقية الوسيلة التي نتلقى بها العلم دائمًا
غريبًا عنا، ومن الحكمة أن نُظهر لغتنا في مظهر عزيز لائق بها (لأنها مقياس
الفكر والخلق القومي) على حد قول هير. وفي إغراء الشبان العرب في أوروبا
بالعناية بعمل أدبي علمي اجتماعي كهذا ما يصرفهم عن مضيعات الوقت والصحة
والمال، وما يساعدهم في دراستهم وفي تهيئة أنفسهم لخدمة أممهم في الحاضر
والمستقبل.
لا يكابر أحد في أن الأمة إذا ترقت نهضت معها لغتها ونالت احترام الأجنبي
لها، لكن اللغة كذلك من أقوى دعائم الرقي، ونهوضها من نتائجه كما أنه من
وسائل النهوض العام للأمة، فنهوض الأمة ونهوض اللغة على ذلك حالتان لا
تفترقان، وأمران متساندان ونهضتان مرتبطتان.
... ... ... ... ... ... نادي مستشفى سانت جورج بلندن
... ... ... ... ... ... ... أحمد زكي أبو شادي
... ... ... ... ... ... ... ... (طبيب)
(المنار)
إن هذا المشروع جليل ونفعه للعرب ظاهر لا يماري فيه إلا أصحاب
الوساوس السياسية ولا يصعب إقناع المستقل منهم بالرأي والفهم بفائدته، وإنما
يستحيل إقناع أصحاب الأهواء بما يخالف أهواءهم.