للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


مقدمة كتاب الوحي المحمدي

بسم الله الرحمن الرحيم
{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُو العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ
العَزِيزُ الحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن
بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ * فَإِنْ
حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَءَأَسْلَمْتُمْ
فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (آل
عمران: ١٨-٢٠)
ارتقاء البشر المادي وهبوطهم الأدبي
وحاجتهم إلى الدين
إن من المعلوم اليقيني الثابت بالحواس أن علوم الكون المادية تَثِبُ في هذا
العصر وُثُوبًا يشبه الطفور، وتؤتي من الثمار اليانعة بتسخير الطبيعة للإنسان ما
صارت به الدنيا كلها كأنها مدينة واحدة، وكأن أقطارها بيوت لهذه المدينة، وكأن
شعوبها أسر (عائلات) لأمة واحدة في هذه البيوت (الأقطار) يمكنهم أن يعيشوا
فيها إخوانًا متعاونين، سعداء متحابين، لو اهتدوا بالدين.
وإن من المعلوم اليقيني أيضًا أن البشر يرجعون القهقرى في الآداب
والفضائل على نسبة عكسية مُطَّرِدَة لارتقائهم في العلوم المادية واستمتاعهم بثمراتها،
فهم يزدادون إسرافًا في الرذائل، وجرأة على اقتراف الجرائم، وافتنانًا في
الشهوات البهيمية، ونقض ميثاق الزوجية، وقطيعة وشائج الأرحام، ونبذ هداية
الأديان، حتى كادوا يفضلون الإباحة المطلقة على كل ما يقيد الشهوات من دين
وأدب وعرف وعقل، بل رجع بعضهم إلى عيشة العري في أرقى ممالك أوربة
علمًا وحضارة، كما يعيش بعض بقايا الهَمَج السُّذَّج في غابات أفريقية وبعض
جزائر البحار النائية عن العمران.
وإن من المعلوم اليقيني أيضًا أن الدول الكبرى لشعوب هذه الحضارة أشد
جناية عليهم وعلى الإنسانية - من جنايتهم على أنفسهم - بإغرائها أضغان التنافس
بينهم، وباستعمالها جميع ثمرات العلوم ومنافع الفنون في الاستعداد للحرب العامة
التي تدمر صروح العمران التي شيدتها العصور الكثيرة، في أَشْهُرٍ أو أيام معدودة،
وتفني الملايين فيها من غير المحاربين كالنساء والأطفال، وبصرفها معظم
ثروات شعوبها في هذه السبيل وفي سبيل ظلمها للشعوب الضعيفة التي ابتليت
بسلطانها، وسلبها لثروتهم وحريتهم في دينهم ودنياهم، فالعالم البشري كله في شقاء
من سياسة هذه الدولة الباغية الخبيثة الطوية، وكل ما عقد من المؤتمرات لدرء
أخطارها لم يزد نارها إلا استعارًا، ولو حسنت نياتها وأنفقت هذه الملايين التي
تسلبها من مكاسب شعوبها وغيرهم في سبيل الإصلاح الإنساني العام لبلغ البشر بها
أعلى درجات الثراء والرخاء.
كل ما ذكر معلوم باليقين، فهو حق واقع ما له من دافع، ومن المعلوم من
استقراء تاريخ هذه الحضارة المادية أن هذه الشرور كانت لازمة لها، ونمت بنمائها،
فكان هذا برهانًا على أن العلوم والفنون البشرية المحض غير كافية لجعل البشر
سعداء في حياتهم الدنيا، فضلا عن سعادتهم في الحياة الآخرة، وإنما تتم السعادتان
لهم بهداية الدين، فالإنسان مدني بالطبع، أو بالفطرة كما يقول الإسلام.
من أجل ذلك فكر بعض عقلاء أوربة وغيرهم في اللجوء إلى هداية الدين،
وأنه هو العلاج لأدواء هذه الحضارة المادية والترياق لسمومها، وتمنوا لو يبعث
في الغرب أو في الشرق نبي جديد بدين جديد يصلح الله بهدايته فسادها، ويقوِّمُ بها
منئادها؛ لأن الأديان المعروفة لهم لا تصلح لهذا العصر، وقد فسد حال جميع أهلها،
وكان ما يسمونه دين المحبة مِصْداقًا لآية: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ
إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} (المائدة: ١٤) .
الحجب بين الإفرنج وحقيقة الإسلام:
بيد أن هؤلاء لا يعرفون حقيقة دين القرآن، وهو الدين الإلهي العام، والمانع
لهم من معرفته ثلاثة حُجُب تحول دون النظر الصحيح فيه، وعدم فهمهم للقرآن كما
يجب أن يُفْهَم، فأما الحجب دونه فهذا بيانها بالإيجاز:
(الحجاب الأول) الكنيسة أو الكنائس التي عادته منذ بلغتها دعوته،
وطفقت تصوره بصور مشوهة باطلة بدعاية عامة فيها من افتراء الكذب وأقوال
الزور والبهتان، ما لم يعهد مثله في أهل ملة من البشر في زمن من الأزمان،
وألَّفَت في ذلك من الكتب والرسائل والأغاني والأناشيد والقصائد، ما يعرف بطلانه
كل مؤرخ مطلع على الحقائق، ثم إنها جعلت تشويهه ووجوب معاداته من أركان
التربية والتعليم في جميع المدارس التي يتولى أتباعها تعليم الناس فيها، فما من أحد
يتعلم فيها من أتباعها إلا وهو يعتقد أن جميع المسلمين أعداء للمسيح وللمسيحيين
كافة فيجب عليه عدواتهم ما استطاع، والحق الواقع أن الإسلام هو صديق
المسيحية المتمم لهدايتها، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو الفارقليط روح الحق
الذي بشَّر به المسيح عليه السلام
(الحجاب الثاني) رجال السياسة الأوربية، فإنهم ورثوا عداوة الإسلام من
الكنيسة، وتلقوا مفترياتها في الطعن عليه بالقبول، وضاعف هذه العداوة له
والضراوة بحربه، طمعهم في استعباد شعوبه واستعمار ممالكهم.
وإذا كان رجال الدين قد ملئوا الدنيا كذبًا وافتراء على الإسلام - ومن أسس
الدين الصدق وقول الحق والحب والرحمة والعدل والإيثار - فأي شيء يكثر فعله
على رجال السياسة، وأساس بنائها الكذب وأقوى أركانها الجور والظلم والعدوان
والقسوة والأثرة والخداع، وهو ما نراه بأعيننا ونسمع أخباره بآذاننا كل يوم في
المستعمرات الأوربية؟ بل نحن نعلم أن سبب افتراء رجال الدين على الإسلام هو
السياسة لا الدين نفسه، وإن قاعدتهم المشهورة (الغاية تبرر الواسطة) سياسية لا
إنجيلية، فما كان لدين أن يبيح الجرائم والرذائل باتخاذها وسيلة لمنفعة أهله، وإن
دينية.
(الحجاب الثالث) سوء حال المسلمين في هذه القرون الأخيرة، فقد فسدت
حكوماتهم وشعوبهم، واستحوذ عليهم الجهل بحقيقة دينهم ومصالح دنياهم، حتى
صاروا حجة لأعدائهم فيهما على أنه لا خير فيهم ولا في دينهم، وأمكن لهؤلاء
الأعداء أن يقنعوا بهذه الحجة الداحضة أكثر من يتخرج في مدارسهم السياسية
والتبشيرية من ملتهم، حتى نابتة المسلمين أنفسهم، وهم يختارون من هذه النابتة
الأفراد التي تتولى أعمال الحكومة والتعليم في مدارسها في كل قطر خاضع لنفوذ
دولهم الفعلي، بأي اسم من أسمائه من فتح وامتلاك وحماية واحتلال وانتداب، أو
لنفوذهم السياسي والتعليمي كما فعلوا في بلاد الترك وإيران، لتساعدهم على هدم
كل شيء إسلامي فيها من اعتقاد وأدب وتشريع، وقد كان السيد جمال الدين
الأفغاني حكيم الإٍسلام موقظ الشرق يرى أن هذا الحجاب أكثف الحُجُب الحائلة بين
شعوب أوربة والإسلام، ونقل لي الثقة عنه أنه قال: إذا أردنا أن ندعو أوربة إلى
ديننا فيجب علينا أن نقنعهم أولا أننا لسنا مسلمين، فإنهم ينظرون إلينا من خلال
القرآن هكذا: - ورفع كفيه وفرَّج بين أصابعهما - فيرون وراءه أقوامًا فشا فيهم
الجهل والتخاذل والتواكل فيقولون: لو كان هذا الكتاب حقًّا مصلحًا لما كان أتباعه
كما نرى.
لا ننكر أن بعض أحرار الإفرنج قد عرفوا من تاريخ الإسلام ما لم يعرفه أكثر
المسلمين فأنصفوه فيما كتبوا عنه من تواريخ خاصة، ومن مباحث عامة في العلم
والدين، وأن منهم من اهتدى به عن بصيرة وبينة، ولكن ما كتبه هؤلاء كلهم لم
يكن مُبَيِّنًا لحقيقته كلها، ولم يطلع عليه إلا القليل من شعوبهم، وكان جُلُّ تأثيره في
أنفس من اطلعوا عليه أن بعض الناس أخطئوا في بيان تاريخ المسلمين فانتقد عليهم
آخرون، فهي لم تهتك الحجب الثلاثة المضروبة بينهم وبين حقيقة الإسلام.
وأما عدم فهمهم للقرآن كما يجب، وأعني به الفهم الذي تعرف به حقيقة
إعجازه وتشريعه، وكونه هو دين الله الأخير الكامل الذي لا يحتاج البشر معه إلى
كتاب آخر ولا إلى نبي آخر - فله أسباب.
الأسباب العائقة عن فهم الأجانب للقرآن:
(أولهما) جهل بلاغة اللغة العربية التي بلغ القرآن فيها ذروة الإعجاز في
أسلوبه ونظمه وتأثيره في أنفس المؤمنين والكافرين به جميعًا، فأحدث بذلك ما
أحدث من الثورة الفكرية والاجتماعية في العرب والانقلاب العام في البشر، كما
شرحناه في هذا الكتاب، وقد كان من إكبار الناس لهذه البلاغة أن جعلها علماء
المسلمين موضوع تحدي البشر بالقرآن دون غيرها من وجوه إعجازه، وجعلوا
عجز العرب الخُلَّص عن معارضته بها، ثم عجز المولَّدين الذين جمعوا بين ملكة
العربية العلمية وملكة فلسفتها من فنون النحو والبيان، هو الحجة الكبرى على نبوة
محمد صلى الله عليه وسلم، وقد فقد العرب الملكتين منذ قرون كثيرة إلا أفرادًا
متفرقين منهم - فما القول في غيرهم؟ فعلماء المسلمين في هذه القرون يحتجون بعجز
أولئك ولا يدعون أنهم يدركون سر هذا الإعجاز أو يذوقون طعمه، بل قال بعض
علماء النظر المتقدمين منهم: إن الإعجاز واقع غير معقول السبب، فما هو إلا أن
الله تعالى صرف الناس عن معارضته بقدرته والصواب أن منهم من حاول المعارضة
فعجزوا؛ إذ ظنوا أن إعجازه بفواصل الآيات التي تشبه السجع فقلدوها فافتضحوا،
ومن متأخري هؤلاء من ادعى النبوة كمسيح الهند القادياني الدجال، ومن ادعى
الألوهية (كالبهاء) وقد أخفى أتباع هذا كتابه الملقب بالأقدس؛ لئلا يفتضحوا به بين
الناس.
(ثانيها) أن ترجمات القرآن التي يعتمد عليها علماء الإفرنج في فهم القرآن
كلها قاصرة عن أداء معانيه التي تؤديها عباراته العليا وأسلوبه المعجز للبشر،
وإنما تؤدي بعض ما يفهمه المترجم له منهم، وقلما يكون فهمه تامًّا صحيحًا،
ويكثر هذا فيمن لم يكن به مؤمنًا، بل يجتمع لكل منهم القصوران كلاهما: قصور
فهمه وقصور لغته، وقد اعترف لي ولغيري بهذا مستر (محمد) مارما ديوك بكتل
الذي ترجمه بالإنكليزية وجاء مصر منذ ٣ سنوات فعرض على بعض علماء
العربية المتقنين للغة الإنكليزية ما رأى أنه عجز عن أداء معناه منه، وصحح
بمساعدتهم ما ذاكرهم فيه.
واعترف بذلك الدكتور ماردريس المستشرق الفرنسي الذي كلفته وزارتا
الخارجية والمعارف الفرنسية لدولته بترجمة ٦٢ سورة من السور الطول والمئين
والمفصل التي لا تكرار فيها ففعل. وقد قال في مقدمة ترجمته التي صدرت سنة
١٩٢٦ ما معناه:
(أما أسلوب القرآن فإنه أسلوب الخالق جل وعلا، فإن الأسلوب الذي
ينطوي على كُنْه الكائن الذي صدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهيًّا. والحق
الواقع أن أكثر الكُتاب ارتيابًا وشكًّا قد خضعوا لسلطان تأثيره (في الأصل: لتأثير
سحره، يعني تأثيره الذي يشبه السحر في كونه لا يعرف له سبب عادي) وإن
سلطانه على الثلاثمائة الملايين من المسلمين المنتشرين على سطح المعمور لبالغ
الحد الذي جعل أجانب المبشرين يعترفون بالإجماع بعدم إمكان إثبات حادثة واحدة
محققة ارتد فيها أحد المسلمين عن دينه إلى الآن.
(ذلك أن هذا الأسلوب الذي طرق في أول عهده آذان البدو [١] كان نثرًا جد
طريف، يفيض جزالة في اتساق نسق، متجانسًا مسجعًا، لفعله أثر عميق في نفس
كل سامع يفقه العربية (لذلك كان من الجهد الضائع غير المثمر أن يحاول الإنسان
أداء تأثير هذا النثر البديع (الذي لم يسمع بمثله) بلغة أخرى، وخاصة اللغة
الفرنسية الضيقة (التي لا سعة فيها للتعبير عن الشعور) المرنة (التي لا تتنازل
عن حقوقها) والقاسية، وزد على ذلك أن اللغة الفرنسية ومثلها جميع اللغات
العصرية ليست لغة دينية وما استعملت قط للتعبير عن الألوهية) اهـ.
ثم تكلم عن عنايته هو مدة تسع سنوات متواليات بمحاولة نقل شيء من
القرآن إلى اللغة الفرنسية على شرط المحافظة على بلاغة الأصل (وتساءل هل
أمكنه التغلب على هذه الصعوبة أم لا؟ يعني أنه يشك في ذلك) .
(ثالثها) أن أسلوب القرآن الغريب المخالف لجميع أساليب الكلام العربي،
وطريقته في مزج العقائد والمواعظ والحكم والأحكام والآداب بعضها ببعض في
الآيات المتفرقة في السور - وهو ما بينا سببه وحكمته في هذا الكتاب - قد كان
حائلاً دون جمع كبار علماء المسلمين من المفسرين وغيرهم لكل نوع من أنواع
علومه ومقاصده في باب خاص به، كما فعلوا في آيات الأحكام العملية من العبادات
والمعاملات، دون القواعد والأصول الاجتماعية والسياسية والمالية التي يرى
القارئ نموذجها في هذا الكتاب؛ إذ لم يكونوا يشعرون بالحاجة إليها كما نشعر في
هذا العصر.
وقد عني بعض الإفرنج بوضع كتاب باللغة الفرنسية جمع فيه آيات القرآن
بحسب معانيها، ووَضْع كل منها في باب أو أبواب خاصة بقدر فهمه، ولكنه أخطأ
في كثير من هذه المعاني وقصَّر في بعض، على أن أخذ القواعد والأصول العامة
من هذه الآيات يتوقف على العلم بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسنته في بيان
القرآن وتنفيذه لشرعه، وآثار خلفائه وعلماء أصحابه من بعده، كما يعلم من يراجع
في ذلك الكتاب الآيات الدالة على ما بيناه في كتابنا هذا من مقاصد القرآن
بالاختصار، وما فصلناه منها في تفسير المنار.
(رابعها) أن الإسلام ليس له دولة تقيم القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه
وسلم بالحكم وتتولى نشره بالعلم، ولا جمعيات دينية تتولى بحمايتها الدعوة إليه
بالحجة، وليس لأهله مجمع ديني علمي يُرْجَعُ إليه في بيان معاني القرآن وهدايته
في سياسة البشر ومصالحهم العامة التي تتجدد لهم بتجدد الحوادث ومخترعات
العلوم والفنون، وفيما يتعارض من العلوم ونصوص الدين فيرجع إليها علماء
الإفرنج في استبانة ما خفي عليهم من نصوصها.
وأعجب من هذا وأغرب أن المسلمين أنفسهم قد تركوا من بعد خير القرون
الأولى أخذ دينهم من القرآن المنزل ومن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم له كما
أمره الله تعالى فيه بقوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: ٤٤) وما زالوا يهجرون الاهتداء بهما حتى استغنوا عنها
استغناء تامًّا بأخذ عقائدهم عن كتب المتكلمين، وأخذ أحكام عباداتهم ومعاملاتهم عن
كتب علماء المذاهب غير المجتهدين، وهذه الكتب لا تقوم بها حجة الله تعالى على
البشر، ولا سيما أهل هذا العصر الذي ارتقت فيه جميع العلوم العقلية والتشريعية،
حتى صار المسلمون منا، يأخذون عنهم ما كانوا يأخذون عنا، بل فيها من آراء
المتكلمين والفقهاء، وروايات الكذابين والضعفاء ما قد يعد حجة على الإسلام وأهله،
كما أن سوء حال المسلمين في فُشُوِّ الجهل في شعوبهم والفساد والانحلال في
حكوماتهم قد اتُّخِذَ حجة على دينهم، فصاروا فتنة للذين كفروا به.
وإذا كان هذا حال المسلمين في فهم القرآن وهدايته، فيكف يكون حال
الشعوب التي نشأت على أديان أخرى ألفتها، ولها رؤساء يربونهم عليها ويصدونهم
عن غيرها، ودول حربية قد عادوا الإسلام منذ بضع قرون، بما لو وجهوه إلى
الجبال لاندكت وزالت من الوجود، ولكنه دين الله الحي القيوم فهو باقٍ ما دام البشر
في الأرض لا يزول أو تزول.
هذه أظهر الأسباب لخفاء حقيقة الإسلام الكاملة على علماء الحضارة العصرية
من الأجانب ومن المسلمين أيضًا وتمنيهم لو يبعث نبي جديد بهداية إلهية عامة كافية
لإصلاحهم.
ولما كان الإسلام هو دين الإنسانية العام الدائم الجامع لكل ما تحتاج إليه جميع
الشعوب من الهداية الدينية والدنيوية وجب على العقلاء الأحرار والعلماء المستقلين
الذين يتألمون من المفاسد المادية التي تفاقم شرها في هذا العهد أن يعنوا بهتك تلك
الحجب التي تحجبهم عن النظر فيه، وإزالة الموانع التي تعوقهم عن فهم حقيقته.
***
بيان هذا الكتاب لحقيقة الإسلام
بما تقوم به الحجة على جميع الأنام
أما بعد فإنني أقدم لهم هذا الكتاب الذي صنفته في إثبات (الوحي المحمدي)
وكون القرآن كلام الله عز وجل، وكونه مشتملاً على جميع ما يحتاج إليه البشر من
الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي والمالي والحربي. وقد أطلت في بيان هذه
المقاصد الأساسية بعض الإطالة؛ لأنها مثار جميع الفتن والمفاسد التي يشكو منها
عقلاء هذا العصر، وأما توفية هذا الموضوع حقه فلا يكون إلا في سِفْرٍ كبير يجمع
مقاصد القرآن كلها مع بيان حاجة البشر إليها في أمور معاشهم ومعادهم، وهو ما
أبينه في تفسير المنار بالتفصيل في شرح آياتها، وبإجمال قواعد كل سورة
وأصولها في آخر تفسيرها.
على أنني لم أكتب هذا البحث أول وهلة لهذا الغرض، وإنما بدأت منه
بفصل استطرادي لتفسير آية: {أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ} (يونس: ٢) إلخ من أول سورة يونس بينت به الدلائل القطعية على أن القرآن
وحي من الله تعالى كان محمد صلى الله عليه وسلم يَعْجَزُ كغيره عن مثله بعلمه
ولغته، وأنه أعم وأكمل وأثبت من كل وحي كان قبله، وأن حجته قائمة على
المؤمنين بالوحي وغيرهم، ثم بدا لي في أثناء كتابته أن أجرده في كتاب خاص
أدعو به شعوب الحضارة المادية من الإفرنج واليابان إلى الإسلام، بتوجيهه أولا
إلى علمائهم الأحرار، حتى إذا ما اهتدوا به تولوا دعوة شعوبهم ودولهم إليه بلغاتهم،
ولهذا زدت فيه على ما كتبته في التفسير، ووضعت له الخاتمة التي صرحت فيها
بالدعوة وجعلتها هي المقصودة بالذات منه.
ولو أنني قصدت هذا منذ بدأت بالكتابة لوضعت له ترتيبًا آخر يغنيني عن
بعض ما فيه من الاستطراد والتكرار بتحقيق كل مسألة في موضعها، على أن
بعض ما فيه من الاستطراد والتكرار متعمد فيها. ولكنني كتبته في أوقات متفرقة،
وحالات بؤس وعسرة، لا أراجع عند موضوع منها ما قبله، ولا أعتمد إلا على ما
أتذكره من القرآن نفسه، على صعوبة استحضار المعاني المتفرقة في سوره، وإلا
بعض الأحاديث في مواضعها من كتبها لتخريجها والثقة بصحتها، وإني أحيل
القارئ له في كل إجمال على مراجعة تفسير المنار في تفصيله، وفي كل إشكال
على مراجعة محرره: محمد رشيد رضا
((يتبع بمقال تالٍ))