للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الهدايا والتقاريظ
(الصارم المنكي في الرد على السبكي)
عرف قراء المنار مما كُتب في آخر الجزء الثامن أنه ينسب للقاضي تقي
الدين السبكي رسالة في الرد على شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وأصل الخلاف
بينهما في مسألة شد الرحال وإعمال المطي إلى القبور، فابن تيمية أخذ بظاهر
الحديث الصحيح (لا تُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد
الحرام، والمسجد الأقصى) رواه البخاري ومسلم وغيرهما من عدة طرق، وذهب
السبكي إلى خلاف ذلك محتجًّا بأشياء كثيرة بيَّنها في رسالة مخصوصة، وأما زيارة
القبور فليس في أصل استحبابها خلاف بين ابن تيمية والسبكي؛ ولكن الأول ينكر
كل بدعة فيها، وكل ما لا تشهد له السنة الصحيحة، والسبكي يبيح بعض ذلك
ولولا ترويج مثله من العلماء المقربين من السلاطين والحكام للمحدثات التي تفشو
بين العوام لما ثبتت بدعة بين المسلمين.
والذي ينظر في كتاب السبكي ينخدع لكثير من أقواله وما يورده من الأحاديث
والأخبار، إلا إذا كان من حفاظ الحديث ورجال النقد الصحيح وقليل ما هم لا سيما
في هذا الزمان، ففي الكتاب كما قلنا من قبل كثير من الأحاديث الموضوعة
والواهية والمنكرة، وإن ترك زيارة القبور بالمرة أهون من الكذب على رسول الله
صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى لا يعذب على ترك الزيارة إذ لم يقل أحد
بوجوبها؛ ولكن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر لما ثبت في
الحديث الصحيح، بل المتواتر (من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) وفي
رواية بحذف لفظ (متعمدًا) ولا يخفى أن الجهل ليس بعذر، إذ لا يصح لأحد أن
ينسب إلى النبي عليه الصلاة والسلام شيئًا إلا إذا كان عالمًا أو ظانًّا أنه قاله،
وليس من العلم ولا من الظن أن يراه في كتاب إلا كتب المحدثين الذين يبينون
الصحيح من غيره.
فمن قرأ كتاب السبكي أو رسالته فهو على خطر عظيم، بل على أخطار
متعددة: خطر الكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وخطر
الغرور في الدين، وخطر الجراءة على المعاصي، وخطر الزيادة في الدين وغير
ذلك، وليس له في إزاء ذلك أدنى فائدة؛ لأننا إذا فرضنا أن شد الرحال إلى غير
المساجد الثلاثة لغرض ديني - إذ الأغراض الدنيوية المباحة غير مرادة هنا -
مباح فأي حرج على من تركه احتياطًا للخلاف فيه، وعملاً بظاهر الحديث المتفق
على صحته.
ومن أحب أن يطَّلع على جميع ما في كتاب السبكي من الأدلة والحجج مع
الأمن من الخطر فليطالع كتاب الصارم المنكي الذي ألفه العلامة المحقق أبو عبد
الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي المقدسي، وطُبع في هذه الأيام بالمطبعة
الخيرية؛ فإنه يورد جميع حجج السبكي والأحاديث التي استدل بها سواء كان
المدلول مسلَّمًا عنده وعند ابن تيمية أم غير مسلَّم، ويحكم فيها النقد الصحيح،
ويذكر نقول الحفاظ والمحدثين في أسانيدها التي اغتر بها السبكي؛ لأنه لم يكن من
الحفاظ وإنما كان فقيهًا مشغولاً بالقضاء، ولعلنا نقتبس بعضها عند الكلام في
مواضيعها، وصفحات الكتاب ٣٣٩، وثمنه خمسة غروش أميرية، وهو يباع في
مكتبة الخشاب بمصر.
***
(حقوق الملل، ومعاهدات الدول)
ولع الناس بقراءة صحف الأخبار ومعرفة السياسة من الجرائد؛ ولكن هذه
الجرائد في بلادنا الشرقية، بل وأكثر جرائد أوربا لا تتكلم في علم السياسة وأصوله
وأحكامه العامة إلا نادرًا، وإنما تذكر المسائل الجزئية التي تقع بين الدول وفي
الحكومات، ومن لا يعرف الأصول والأحكام العامة في العلم فقلما يفهم الجزئيات
فهمًا صحيحًا ويعرف الخطأ والصواب فيها، لهذا كان قراء العربية في حاجة إلى
كتب في علم السياسة وما عندهم إلا قليل منها.
وقد عُني الأمير أمين أرسلان القنصل الجنرال للدولة العلية في مدينة
بروكسل بوضع كتاب جامع في ذلك سماه حقوق الملل.. إلخ، جعله أربعة أقسام
ورأى بمناسبة حرب إنكلترا والترانسفال أن يبدأ بنشر القسم الرابع منه وهو في
الحرب، فطبعه في مطبعة الهلال طبعًا كطبع مجلة الهلال الشهيرة، وقسَّم مباحثه
إلى أربعة أقسام يشتمل كل منها على عدة فصول، القسم الأول في المنازعات
والاختلافات وطرق حلها، والثاني في مشروعية الحرب وحكمها في العمران
وتقسيمها، والثالث الحرب البرية وطرقها وأحكامها، والرابع الحرب البحرية وما
يتعلق بها، وصفحات الكتاب ١٢٧، وثمنه خمسة غروش، ويُطلب من مكتبة
الهلال بمصر.
***
(الكوخ الهندي)
قصة فلسفية وجيزة مفيدة للكاتب الفرنسوي الشهير برناردين دي سان بيير
موضوعها البحث عن الحقيقة والطريق إليها، وفيها كلام عن البراهمة وغرور
كهنتهم في دينهم وزعمهم أن الحقيقة لا توجد إلا عندهم، ولا تقال إلا لهم،
ونتيجتها أن التقاليد والديانات والمدنية وعلومها وأعمالها حجاب بين الإنسان وبين
الحقيقة والفضيلة والعيشة الراضية، وأن أقرب الناس من الحقيقة والسعادة من
يعيش عيشة بسيطة فطرية بعيدًا عن شغب الناس وغرورهم بتقاليدهم ومدنيتهم،
كذلك الهندي الطريد المقيم في كوخ بعيد عن العمران، وقد عرَّب هذه القصة منشئ
مجلة الجامعة الغراء، وطبعها وأهداها إلى قراء مجلته، وصفحاتها ٧٨ من الحجم
الصغير، وكم من صغير فيه نفع كبير.
***
(الدنيا في باريس)
صدرت الرسالة الثانية عشرة وهي الأخيرة من هذه الرسائل التي كتبها
صاحب الصيت الطائر بمؤلفاته ومعرباته عزتلو أحمد بك زكي كاتب السر الثاني
لمجلس النظار بمصر، وهذه الرسالة تصف معروضات الأمة الألمانية وتقدمها على
جميع الأمم، وهي أنفع الرسائل، وسنقتبس بعض فوائدها في جزء آخر، ونشكر
لإدارة طبيب العائلة سعيها بطبع هذه الرسائل، ونرجو لها ما ترجوه من النجاح
والنفع بها.
***
المناظر وكتاب (إعجاز المسيح)
هذا الكتاب مسجع من أوله إلى آخره، وفي سجعه التكلف والضعف، وفي
كلامه ركاكة العجمة، وفي مفرداته وتراكيبه الغلط والخطأ، ومع هذا كله تقول
جريدة المناظر الغراء أنه (تقليد للقرآن في نسقه وعبارته) وهذا خطأ ما كنا ننتظر
أن يصدر من صاحب تلك الجريدة البارع، فأين السجع في القرآن؟ وأين عبارة
القرآن العالية ونسقه البديع من تلك الركاكة والعسلطة في كتاب إعجاز المسيح؟
***
(مستقبل فرنسا أو مستقبل العالم)
يهتم الفرنسويون بالبحث في مستقبلهم استنباطًا من أحوال الناشئين وتربيتهم،
وقد اقترحت مجلة المجلات الفرنسوية على الباحثين أن يكتبوا إليها آراءهم في ذلك
فأجاب المسيو دوسوليه بلسان لجنة المدارس الديمقراطية بقوله: (نحن جمهوريون
لأن الجمهورية على ما قال ميشله هي الحق والصواب، ونحن غير متدينين؛ لأن
كل الديانات تستعبد الإنسان، ونحن نريد أن يكون حرًّا يفتكر كما يريد، والدين
يحصر الفكر في سجن مظلم) وأجاب بعض أحزاب الدين بوجوب سقوط
الجمهورية، وقد نشرت هذه المجلة أربعة أجوبة في هذين المعنيين، وقالت إنها لم
تزد الموضوع إلا إشكالاً وغموضًا.
وقد نشرت جريدة المناظر الغراء قولها وعقبته بهذه الجملة (إن حالة الأفكار
الحاضرة تدلك على شيء مما سيكون مستقبلها، إن الأفكار مضطربة الآن في كل
العالم ومتضاربة ولكن لا بد لها من قرار يتغلب عنده الأحق الأقوى، فإذا انقضى
عشر سنوات يُعرف مستقبل فرنسا بالنظر إلى أفكار الشبيبة فيها، ويُعرف بالتالي
مستقبل العالم) اهـ، وهذه الجملة معقولة إلا أن التحديد بعشر سنين لا وجه له ولا
دليل عليه.
وذكرت مجلة الجامعة الغراء أن في العالم الآن حركتين شديدتين إحداهما
مناقضة للأخرى (الأولى) : قيام المسلمين مطالبين بالنهوض والترقي من قِبَل
الدين، و (الثانية) : قيام المسيحيين في الممالك الكثيرة على رجال الدين لحصر
سلطتهم في معابدهم، وقطع الصلة بينهم وبين الأمة اهـ بالمعنى.
ونحن نقول: لا بد لهذا النوع الإنساني أن يبلغ كماله من الارتقاء والعمران ولا
يبلغه إلا بالعلم والدين، وقد سبق المسيحيون المسلمين في طريق العلم فدلهم على
أن دينهم ليس دين عمران وارتقاء، فتركوه وما زالوا يحاربونه إلى الآن، ولولا
أن رجاله الذين لا حياة لهم إلا به قد شاركوا شعوبهم بالعلوم الكونية، وقبضوا على
أَزِمَّة تعليمها ليدسوا الدين فيها لما بقي له من بقية، وأما المسلمون فمن الناس من
يزعم أنهم يسيرون على طريقة من قبلهم في هذا، فإن فعلوا فهنالك هبوط الإنسانية
وفساد العمران، ونحن على يقين بأن الحركتين اللتين ذكرتهما الجامعة سيبلغان
غايتهما فيرتقي المسلمون بدينهم بعدما يطهرونه من البدع والخرافات التي أُلصقت
به، ثم يتبعهم سائر الأمم ومنهم الفرنسويون الذين ظهر أثر ترك الدين السيئ فيهم،
وذلك عندما يتجلى لهم أنه دين الفطرة السليمة الذي بنيت شريعته على الديمقراطية
المعتدلة، ومحا سلطة الأشخاص على الأشخاص، وساوى بين الملوك والصعاليك
في الحق، وجعل الإنسان حرًّا كاملاً في الناس، وعبدًا كاملاً لله تعالى، وأطلق
فكره وإرادته من أسر رؤساء الدين والدنيا، هذا هو مستقبل العالم {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ
بَعْدَ حِينٍ} (ص: ٨٨) لا بعد عشر سنين.
***
وقال العلامة المحدث اللغوي محمد محمود الشنقيطي مهنئًا الأستاذ المفتي وقد
تأخرت لتأخر ورودها، ولتكون مسك الختام وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم
للجامع الأزهر المعمور عاد على ... رغم الحسود فتى مصر ومفتيها (محمد) الفحل (عبده) بدر هالته خيراته ديمة هطلاء يؤتيها
ميسر لفعال الخير قاطبة ... تأتيه طلابها تترى فيأتيها
سفائن العلم في ذا الشرق لآن غدت [١] ... أعلامها بيديه وهو نوتيها
لم يَحسُدن على ما الله خوَّلهم ... من فضله الناس من نعمى يؤتيها
لن ينكث العهد إن ينكثه ناكثه ... بل عقدة العهد يُحكيها ويُحتيها
وتعلمون جميعًا ما علمت به ... من ذي المكارم ماضيها وآتيها
هلا نظمتم لكم عقدًا مكارمه ... أم صرتم خرس فرس حول بختيها
وقال أيضًا يخاطب الإمام المفتي:
أيا من قد نأى عنا وغابا ... وبعد قضائه الحاجات آبا
تغنينا بشعر الصدق لما ... عزمت إلى أباطحك الإيابا
وكائن بالأباطح من صديق ... يراه لو أصبت هو المصابا
ومسرور بأوبتنا إليه ... وآخر لا يحب لنا إيابا
وقال أيضًا هذا اليتيم:
إلى (عين شمس) عدت يا شمس عصرنا ... ويا رجل الدنيا ومفتي مصرنا
وحلتي هذه سبيلها سبيل حلة عائشة بنت طلحة رضي الله تعالى عنهما، غير
أن هذا الشعر شعري، وذلكم شعر قيس بن الحدادية.
وشرح ذلك أن أم عمران عائشة بنت طلحة أنشدت عينية قيس بن الحدادية
الخزاعي الجاهلي فاستحسنتها وبحضرتها جماعة من الشعراء، فقالت: من قدر
منكم أن يزيد فيها بيتًا واحدًا يشبهها ويدخل في معناها فله حلتي هذه، فلم يقدر أحد
منهم على ذلك اهـ.
... ... ... وكتبه محمد محمود لخمس خلت من جمادى سنة ١٣١٩