للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: نصر أفندي فريد


المشروبات الروحية وتأثيرها

جاءنا من الدكتور نصر أفندي فريد طبيب العيون بالمنصورة ما يأتي:
١٩ ربيع الأول سنة ١٣٢٥
حضرة الأستاذ الفاضل:
قرأت لكم في العدد الأسبق بجريدة المنار الغراء كلامًا في الخمر، ملخصه أنه
لا فائدة منها إلا أن الجعة مدرة للبول، وحيث إن جريدتكم الغراء لها تأثير فعال في
نفوس المسلمين، وجدت من الواجب علي أن لا تفوت الجريدة هذه الملحوظة.
المشروبات الروحية وتأثيرها
هذه المشروبات ليس لها أدنى فائدة للصحة بالمرة، إلا في ظروف يعرفها
الأطباء دون غيرهم في بعض الأمراض، والأنزفة بمقادير معينة، وضررها على
الصحة فيما عدا ذلك وبيل للغاية، وقد تألفت جمعيات كثيرة في أوربا لمنع
المسكرات، فأثرت تأثيرًا حسنًا، وفي سنة ١٩٠٣ أفرنكية، وزعت بلدية باريس
- عندما كنت فيها -، منشورات في المدينة وفي جميع الجرائد معززة بآراء
نطس الأطباء بضرر هذه المشروبات.
فأمراض الجنون والشلل العام وأمراض الكبد والكليتين والمعدة والقلب والسل
أغلبها مسبب من المشروبات الروحية.
أما إدرار البول المشاهد بعد شرب هذه المشروبات ومن ضمنها الجعة، فهو
متسبب من تهييج الكليتين واحتقانهما من الكؤل الموجود في هذه المشروبات.
وإني أتأسف لانتشار هذه الفكرة بين العوام، وهي تعاطيهم الجعة عند إصابتهم
بمرض في الجهاز البولي، فيغترون بهذا الإدرار البولي الكاذب، فتزداد الحالة
خطارة، وينتهي الاحتقان الكلوي بالتهاب كلوي عاقبته الموت، إن لم يبادر
المصاب بالانقطاع عن تعاطي أم الخبائث. والسلام.
(المنار)
نشكر للدكتور الفاضل مبادرته إلى هذا التنبيه المفيد، وما زلنا ننصح للناس
بأن لا يفتروا بكلام الأطباء المقلدين أو المفتونين بزخرف المدينة؛ إذ يأمرون من
يشكو معدته أو غير معدته بشرب نبيذ كذا، فإن أكثرهم يأخذ على هذا الغش أجرًا
من باعة الخمور. وقد قرأنا في الجزء الأخير من مجلة المقتطف مقالة مفيدة في هذا
الموضوع، سننشرها في الجزء الخامس.
وكتب إلينا أحد أساتذة المدارس بمصر، ما يأتي:
أستاذي المفضال السيد محمد رشيد رضا.
سلام الله عليه. وبعد فهل لي أن أطلب إليكم نشر هذه الكلمة على صفحات
المنار؛ إعلانًا للحقيقة، وشكرًا للصادقين. سيدي أرى أن أمرك مقسم، والناس فيه
فريقان: فمن عائب يهجن منك مخاطبة اللورد كرومر، ويتمنى لو نقمت عليه مع
الناقمين، وصرمته مع الصارمين، فلم تكتب إليه شيئا. ومما يرمونك به أنك في
استفهامك منه عما يريد - من لباب الإسلام أم قشوره، قد بينت له أي الأمرين يختار
وذكرت له وجوه الاختيار من عمل الحكام بالفقه، ورجوع بعض المسلمين عن
العمل به ومن تخطئة بعضهم البعض فيه. يقولون لو غيرت هذه اللهجة.
أما أنا فمهما يكن من الأمر فإنما أرى أن مولاي الرشيد - حفظه الله - قد
استدرج جناب اللورد إلى العدول عما في تقريره، وخاتله فختله وبالواجب عمل -
من كان يظن أن اللورد كرومر لا يرجع عما في تقريره في حفلة الأوبرا
الخديوية بعد مجاملة سمو الأمير له، وزيارته في الوكالة البريطانية، واشتداد
الصحافة المصرية في الطعن على تقريره. ولكن اللورد كرومر دَلَّ على تمسكه
بما في تقريره وإصراره عليه وهزؤًا بالمطاعن فيه في الصحافة وغيرها إذ قام
في الأوبرا خطيبًا، ولم ينبس ببنت شفة دَحْضًا ونقضًا لتلك المطاعن في
الإسلام كما كان القوم يظنون، ولقد كاد اليأس من رجوع اللورد كرومر
عن تلك التهم الشنيعة، يستحكم في نفوسنا، وزحزح كبير آمالنا، لولا ما سحر به
السيد الرشيد (سدد الله سهمه) جناب اللورد كرومر بكتابه إليه، واستدرجه إلى
ما يريد وقد كان، وعرف العالم الأوربي بشهادة خبير منهم أن كل تهمة توجه
إلى الإسلام نفسه لا نصيب لها من الصحة، ولا باعث لها من مرقدها إلا حزازات
النفوس وسخائم الصدور، ألا فليرفع المسلمون في جميع الأقطار عقيرتهم بالدعاء
للمنار وصاحبه. وها أنا فاعل.. سدد الله المنار، وأطال في بقاء صاحبه آمين.
(المنار)
قال بما قلتم وبما سمعتم كثيرون، ولولا أن الجهالة عذر طبيعي للجاهل، فيما
ينشأ عنها، وإن لم تكن عذرًا شرعيًّا في نفسها، لكان لنا أن نعجب أشد العجب
لضعيف يتخذ لنفسه عدوًّا قويًّا، يلح عليه بأن يلج في عداوته، ولا يرضيه منه
أن يجنح إلى صداقته.
هذا وإنني وإن بينت في سؤالي للورد ما أتمنى أن يجيب به تبرئة للإسلام، لم
أخاتله. ولكنني وفقت إلى تنبيهه إلى شيء يعتقده، وحمله على التصريح به. فأحمد
الله على هذا التوفيق، وأشكر للرجل هذا الإنصاف، وسأبين العبرة في خلاف
الناس بباب الأخبار والآراء.