للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: عمر خيري أفندي زغلول


كان يا ما كان
(٦)
ثم هبطت السيارة السادسة، وكانت كانسة آنسة، فنادت: يأيها الناس
المتجرعون كؤوس الكدر والابتئاس، إلام تصبرون على هذه الحياة المرة، هلموا
أبعكم (الصفاء والمسرة) فأقبلوا إليها يزفون، كأنهم إلى نصب يوفضون،
عازمون على انتهاب ما لديها، واغتصاب ما في يديها، شفاءً لغيظهم من صواحبها
اللائي كن شبيهات بها، وقد كُن يعرضن بضاعتهن على من لا يشتريها، ويمنعنها
من الراغبين فيها، وما بعُد العهد ببائعة الشرف والجاه، وأسباب المفاخرة والمباهاة،
وارتأوا أن يُغروا بها الصبيان والمجانين ليختلسوا متاعها الثمين، فاجتذبوا منها
الصندوق، وهم ممن لا يطالب بهضم الحقوق، فوقع بين أيديهم فانكسر، وتفرقت
البضاعة شذر مذر، فطفقوا يتلقطونها، وحالوا بين الناس وبينها، فأخذوها إسرارفًا
وبدارًا , ولم يتركوا لسائر الناس إلا أسارًا، ومن ذلك الآن صار الصفاء والسرور
من نصيب المجانين والولدان، وأما تلك البقية فقد تفرقت في جميع البرية،
فأصاب كل عروسين منها وشل يتمتعان به في شهر العسل، ثم تعود إليهم الأكدار؛
فيتجرعون كؤوسها إلى منتهى الأعمار , ولا يصيب غير هؤلاء من السرور إلا
فلتات، ولا يصفو لهم العيش إلا في لمحات، وأما عامة الأوقات فهي أكدار
وحسرات، وأهنأهم عيشًا مَن يمر عليه معظم الزمان مِن غير سرور ولا أحزان،
ولا يغرنك ما تشاهده في كثير من المعاهد من غناء وعزف ورقص وقصف،
وضحك وغناء، وتصدية ومكاء، فالغم أكثر حروف النغم، والطير يرقص مذبوحًا
من الألم، والسبب في هذه المظاهر التي تخدع الناظر أن ما يجلب المسرة والصفاء
أمسى مجهولاً عند الدهماء، إذ لم يؤخذ هذا الشيء من معدنه، ولم يشتر بثمنه،
ولما بصروا بالولدان والمجانين فرحين في الأغلب ومسرورين، ظنوا أن العقول
والأفكار، التي هي تجلب الأحزان والأكدار، فأنشأوا يطفئون نور العقل والفكر،
بما يريقونه من أكواب الخمر، ويتغلبون على قوة الأفكار، بتلاحين الغناء ونغمات
الأوتار، وما يتبع ذلك مما هنالك، وهيهات أن يظفروا بالمسرة الحقيقية، إلا
بتنظيم حال الهيئة الاجتماعية؛ فإن الحالة العامة تؤثر في الأفراد، وهيهات أن
يوجد في الأمة الشقية عاقل يهنأ بالإسعاد. ولو سئلت السيارة عن الثمن، لما تعدى
طلبها هذا الأمر الحسن.
ولما كان ما كان، من أمر المجانين والصبيان، فرت وهم مشغولون بالانتهاب
راضية من الغيمة بالإياب، فلقيت في طريقها السيارة السابعة، التي جاءت لبيع
الثروة الواسعة، فسألت كل منهما الأخرى عن رحلتها، وبيان نتيجة تجارتها، فكان
مما قالت السابعة: إنني جئت هذه العاصمة الواسعة، وما كدت أذكر اسم بضاعتي
الثمينة، حتى أقبل علىّ كل من سمع الخبر في المدينة - يعدون سراعًا، فُرادى
وأوزاعًا - يتساءلون: ما هي ثروة هذه الغنية؟ وهل هي ذهبية أم فضية؟ وهل
تهبها أم تقرضها لطالبها؟ أم جاءت لتدينها وتربيها؟ فقلت لهم: أيها الناس، عداكم
الشك والالتباس، إن الهبة تفنى، والرباء يُفني، والقرض بالمماثلة لا يثمر ولا
يغني، وإنما جئت لأبيعكم الثروة الحقيقية، بالدلالة على منابعها الأصلية، وتلقينكم
علم الاقتصاد الذي هو أساس الإسعاد، ومن لم يعمل بمسائل هذا العلم النافعة، لا
يكون صاحب ثروة واسعة؛ لأن الإسراف والتبذير، يُذهب المال الكثير في الزمن
القصير، فقالوا: إننا لا نفقه كثيرًا مما تقول، ويوشك أن يكون عقلها مخبول، ولو
أنها علمتنا حل الرموز لفتح الكنوز وأسرار الأرصاد والطلسمات، لاستخراج
الخبايا العاديات، لأنالتنا المُنى، وحبتنا بالثروة والغنى، ولو أطلعتنا من علم
الكيمياء على حقيقة الإكسير، لتحويل المعادن إلى الذهب النضير، لكانت الفائدة أتم
والسعادة أعم، فقلت لهم: إن هذا هذيان مبين، وخرافات من أساطير الأولين،
فقالوا: إنها تسفه أحلامنا، وتحقر أسلافنا، فهلموا بنا نوقع بها، ونعاقبها على سوء
أدبها، فخِفْتُ أن يبطشوا بي طعنًا وضربًا فوليت منهم فرارًا وملئت منهم
رعبًا، ولولا المبادرة بالفرار، لتأخرت عنك يا أختي في التسيار.
ثم إنهما صعدتا إلى السماوات، واجتمعتا بسائر السيارات، وذهبن جميعًا إلى
جوبيتبر رئيس الآلهة الكبير - بحسب ما كان يعتقد في ذلك الزمان من خرافات
اليونان - فقصصن عليه ما لقينه من البشر، من إعراضهن عن النفع واختيارهن
الضرر، بسبب الجهالة الغالبة، والتقاليد الباطلة الكاذبة، فتولاه الغضب الشديد،
حيث لم يتم له ما يريد، وشمت به نبتون وبلوطون، وقالوا له: ألم نقل لك إن
هذا لا يكون؟ فسكت واجمًا، وانثنى كاظمًا، ولا غرو فإن نوع الإنسان، لا
يسعد إلا بالعلم المؤيد بالبرهان، الذي يشهد له الحس، ولا يكذبه الامتحان.

(تمت الأسطورة الحكمية)
أقول: إنني عندما كتبت النبذة الأولى منها مستندًا إلى الأصل التركي، كنت
لم أقرأ الأسطورة كلها، وبعد ما قرأتها وجدت أكثر كلامها لغوًا، فأنشأتها خلقًا
جديدًا، فقد كانت عشر صفحات، حذفنا الكثير منها لأنه هذيان، وجعلناها في
قالب مقبول، تنتشي به العقول، ومَن عَلِم أن صاحب الأصل كتب في السيارة التي
تبيع الشرف والجاه نحو خمسة أسطر فقط، وفي السيارة التي تبيع الغنى والثروة
مثل ذلك، وملخص ما كتبه: إن الناس نهبوا من السيارتين الوسامات وملابس
التشريفات والنقود والثروة، مَن عَلِم هذا يتجلى له معنى التصرف الذي ذكرناه أولاً،
وأرجو أن لا يكون هذا الأسلوب حجابًا على وجه النصائح التي تضمنتها
الأسطورة {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} (البقرة: ٢٦٩) .