للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


أسئلة في إهداء قراءة القرآن للموتى بالأجرة

(س من ٦ إلى ١٠)
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، محمد بن
عبد الله (وبعد) فمن محمد أحمد عبد السلام مؤسس الجمعية السلفية المؤلفة لإحياء
السنة المحمدية بعزب فابريقة السكر بالحوامدية إلى حضرة صاحب الفضل
والفضيلة مفتي الأنام، وشيخ مشايخ الإسلام، وإمام الأئمة الأعلام، محيي السنة
وآثار السلف، ومميت البدعة وآراء الخلف، سيدي ووالدي، الشفيق بأبنائه
المسلمين، الذي أرجو من ربي، وأتمنى عليه يريني وجهه قبل مماتي، والذي يصير
الإسلام بعده يتيم الأبوين، المجتهد الكبير، والعلم الشهير، الذي جعل الله الحق على
لسانه (السيد محمد رشيد رضا) .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد فإني سائل فضيلتكم عن الآتي،
وأرجو التكرم علي بالإجابة في أول عدد يُنشر من مناركم، وعدم إحالتي على
مجموعتكم لأني عارٍ منها؛ ولأني شارع في طبع كتاب اسمه المنحة المحمدية في
بيان العتاقة الشرعية من البدعية، وأريد إثبات فتواكم بهذا الكتاب، وصورة
المسألة:
(١) هل قراءة القرآن وإهداء ثوابها للأموات مشروعة أم لا؟
(٢) هل كان النبي صلى الله عليه وسلم عند زيارته للقبور، أو عند موت
أحد أصحابه يقرأ له القرآن، أو يعمل له ختمة، أو عتاقة، أو سبحة أم لا؟ بيِّن
لنا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
(٣) هل ما أورده عبد الحق الأزدي في كتاب العامة عن أبي بكر أحمد بن
محمد المروزي أنه سمع أحمد بن حنبل يقول: (إذا دخلتم المقابر فاقرءوا بفاتحة
الكتاب والمعوذتين، و (قل هو الله أحد) واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر؛ فإنه
يصل إليهم) وما رواه النسائي والرافعي في تاريخه وأبو محمد السمرقندي في
فضائل سورة الإخلاص من حديث علي رضي الله عنه (من مرَّ على المقابر،
وقرأ (قل هو الله أحد) إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر
عدد الأموات) كما في شرح الإحياء ج ١٠ ص ٣٧١، وما ذكره القرطبي في
تذكرته عن ابن عمر رضي الله عنه أنه أوصى أن يُقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة
وخاتمتها، وما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من دخل المقابر فقرأ
سورة يس خفف عنهم وكان له بعدد من فيها حسنات) وما يروى عن عبد الله بن
عمر رضي الله عنه: (أنه أمر أن يقرأ عند قبره سورة البقرة) كما في رسالة
جلاء القلوب للبركوي المطبوعة على هامش شرح شرعة الإسلام (ص٩٤) هل
يا سيدي كل هذا وما شاكله صحيح أو موضوع لا يعمل به؟ وإذا قلتم بالوضع فمن
الذي قال به من علماء المحدثين أو غيرهم، وفي أي الكتب نجد ذلك؟
(٤) هل يوجد في الكتاب أو السنة دليل صحيح قطعي ينافي الأحاديث
المتقدمة في وصول القراءة للأموات؟ إن قلتم يوجد فاذكروا لنا ما نقتنع به،
ويقطع لسان المبتدعة.
(٥) ما حكم الله فيمن يقرءون القرآن بالأجرة في المآتم، وفي ليالي
رمضان، والذين يقرءونه بالقُرص والرغفان والبرتقان والملاليم والنياكل، أدركني
يا سيدي بالفتوى لعلي أدرك إثباتها في مؤلفي في موضعها أو ألحقها به قبل إتمام
طبعه، جعلك الله ذخرًا للمسلمين، وأراني وجهك قريبًا في خير، والسلام عليكم
ورحمة الله.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ٩ذي الحجة ١٣٤٧
أجوبة المنار:
الحمد لله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد فإني أعتذر للقراء عن
نشر إطراء هذا السائل ومن قبله لي بما لست أهلاً له ولا لجزء منه، وأرجو أن لا
يعودا إلى مثله، ولولا ما بينته في مجلد سابق من أسباب التزام نشر الأسئلة
بنصوصها، ومنه الاقتداء بمثله من كتب فتاوى جميع العلماء لما نشرتها، ثم أقول:
٦- أما الجواب عن السؤال الأول فهو النفي، وقد فصلت أدلته في آخر
تفسير سورة الأنعام (من ص٢٥٥ - ٢٧٠ ج ٨ تفسير) فيراجع فيه إذ لا يمكن
إعادته.
٧- وكذلك الجواب عن السؤال الثاني، وهو يدخل في تفصيلنا المشار إليه
آنفًا وأزيد عليه أنني لا أعلم أن أحدًا ادّعى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ
القرآن على القبور عند زيارتها أو يعمل ختمة أو عتاقة أو سبحة! على كثرة الروايات
الموضوعات والواهيات التي يدعيها أصحاب أمثال هذه البدع.
وأما ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور ويأمر به، فهو
معروف في دواوين السنة، وهو السلام عليهم ودعاء الزائر لهم وله بالعافية وغير
ذلك مما لا حاجة إلى ذكره لشهرته.
٨- إن من إضاعة عمر الإنسان أن يبحث عن كل ما يراه في كتب المتأخرين
من الأخبار والآثار الشاذة والمنكرة المخالفة للأصول العامة المقررة في القرآن
المجيد والسنن الثابتة ليعلم ما عسى أن يكون لها من رواية، وماذا قيل في إسنادها
وذلك مثل كتب المروزي والسمرقندي والبركوي المذكورين في السؤال وأضرابهم.
فأما حديث علي في قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الإِخلاص: ١) فلا نعرفه
في سنن النسائي ولم نجده في فضائلها من كتاب فضائل القرآن، ولا كتاب الجنائز
من كنز العمال الذي جمع فيه مؤلفه أحاديث الجامع الكبير كلها. والرافعي
والسمرقندي يرويان كثيرًا من الأحاديث الواهية والموضوعة وكتاباهما ليسا في
أيدينا لننظر أسانيدهما له إن وجد فيها، وكذلك حديث (من دخل المقابر فقرأ سورة
يس ... إلخ) لم نجده في فضائلها من كنز العمال، وأما حديث النسائي في قراءتها
على المحتضر فقد ذكرناه في بحثنا المشار إليه آنفًا، ولم يذكر العلامة الحافظ ابن
القيم هذين الحديثين فيما أورده من الاحتجاج على وصول ثواب القراءة للموتى،
وناهيكم بسعة اطلاعه، ولا ذكرهما غيره من العلماء الذين يعتد بنقلهم في استدلالهم
على ذلك، ولا وصفهما الزبيدي بصحة ولا حسن كعادته، وأما سائر ما ذكرتم من
الآثار فإن ثبت لا يعد حجة، وقد صرح ابن القيم أيضًا بأنه لم يصح شيء عن
السلف في القراءة على الموتى، وأجاب عنه باحتمال إخفائهم لهذا العمل حتى لم
يعلم به رواة الآثار، وقد بيَّنا ضعفه في بحثنا المذكور، ونقلنا أقوال فقهاء الحنابلة
في المسألة، ومن المقرر عند العلماء أنه لا يجوز لأحد الأخذ ولا العمل بحديث لا
يعرف صحة سنده وموافقة متنه للقطعيات من الكتاب والسنة، ومن احتج علينا
بأمثال هذه الروايات نجيبه بالقاعدة الآتية:
٩- القاعدة عند أهل العلم أن يطلب الدليل ممن يدعي إثبات الشيء لا ممن
ينفيه فإنهم يكتفون من النافي بالمنع، والذي بيَّناه من قبل وفاقًا لأئمة الفقه أن آية
الأنعام التي ذكرنا هذا البحث في سياق تفسيرها وآية سورة النجم {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} (النجم: ٣٨-٣٩) تدلان على
عدم وصول ثواب قراءة القرآن إلى من يُهدى ثوابها لهم من الموتى أو الأحياء،
وقد بيَّنا هنالك وجه الدلالة بالتفصيل وما يؤديدهما من الآيات الكثيرة في كون جزاء
كل أحد بعمله لا بعمل غيره، له ثوابه وعليه عقابه، وكون المدار في ثواب الأعمال
على تأثيرها في تزكية النفس، وهذه نصوص قطيعة تؤيدها الأحاديث الصحيحة،
فإن فرضنا أن الحديثين اللذين أوردتموهما في السؤال الثالث في فضل سورتي
الإخلاص ويس مرويين؛ فإنهما لا يصلحان لمعارضة هذه النصوص وهذه القاعدة
المأخوذة من قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} (الشمس:
٩-١٠) وإن صح سندهما! فكيف وهما لا يُعرفان في شيء من دواوين السنة؟
١٠- قراءة القرآن عبادة كالدعاء والتهليل والتسبيح وغيرها من الأذكار،
ومن المعلوم من الإسلام للخاص والعام أنه لا يجوز أخذ الإنسان أجرة على العبادة
المحضة، ولا أن يؤدي العبادة لأجل غيره، ولا سيما إذا كان على عمل غير
مشروع كجعله للموتى، وناهيك بأخذ أجرة خسيسة حقيرة تنافي ما يجب من تعظيم
القرآن، وقد منع الحنفية أخذ الأجرة على تعليم القرآن بناء على أنه عبادة أيضًا،
وأجازه الجمهور، ومما استدلوا به حديث تزويج النبي صلى الله عليه وسلم المرأة
التي وهبت نفسها له لمن لا يجد مالاً يصدقها به بما معه من القرآن على أن يعلمها
ذلك، وبحديث إباحة أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة مع حديث (أحق ما أخذتم عليه
أجرًا كتاب الله) وكلاهما في صحيح البخاري وغيره، وما ورد في سنن أبي داود من
الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن لا يرتقي إلى الصحة التي يعارض بها هذا
وهو غير صريح في المسألة، ولا يبعد أن يُعد من قبيل التعليم الإرشادي للقرآن ما
جرت به العادة من اختلاف بعض الحفاظ كل يوم إلى بعض البيوت في رمضان
وغيره يقرءون فيها شيئًا من القرآن ليسمعه أهلها، وسماع القرآن مفيد في تقوية
الإيمان، ومن السامعين له من يستفيد منه علمًا وأدبًا بقدر استعداده، فإذا قصد القارئ
ذلك مع التعبد والاتعاظ بنفسه أرجو أن يباح له أخذ ما يعطى في كل شهر وهو يكون
بغير عقد خسيس يخل بقدر حافظ القرآن، ولعل أكثر الأغنياء لا يسمعون القرآن إلا
بهذه الوسيلة، وهو هجر له، وناهيك به من مصيبة.