للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


فتاوى المنار

حكم قراءة الجرائد والمجلات
(س١) من صاحب الإمضاء في دبي - خليج فارس
بسم الله الرحمن الرحيم
حضرة السيد الأجلّ مفتي الأمة، وبحر العلوم، وعلامة الزمان، وترجمان
القرآن، قامع المبتدعين، البحر الزاخر، والصارم الباتر، السيد محمد رشيد رضا
رضي الله عنه وأرضاه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فالمرجو من فضيلتكم الجواب عن هذا السؤال: وهو أنه قد حصل في بلدتنا
خلاف بين طلبة العلم؛ فإن فريقًا منهم يعترض على فريق آخر بسبب انكبابهم على
قراءة الجرائد والمجلات الأسبوعية واليومية؛ ويشمل ذلك الجرائد المصورة،
فالواجب أن تصرفوا أوقاتكم في مطالعة كتب السنة والتفاسير والفقه؛ لأن بها سعادة
الدارين، وهذه الجرائد من لهو الحديث المشار إليه في الآية، والدليل في عدم الفائدة
منها أن هذه مصر؛ الجرائد والمجلات بها مذ عهد بعيد ولم تنتفع ولم تتخلص من
الرق، وهذه الأمة العربية جند الإمام ابن السعود أيده الله بنهوضهم في هذه المدة
القريبة حصل خير كثير والمستقبل يبشر بالخير مع أنهم لم يطالعوا جرائد
ولا مجلات.
ويقول الفريق الآخر هل الخير إلا في الجرائد وهي تذكي الذهن وتحرك
الأفكار وتفيد عن تطور العالم وهي من أنعُم الله الكبار.
فالرجاء من فضيلتكم الإيضاح والتخطئة والتصويب لأنه حصلت مشاحنة
تكدر الخاطر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
... ... ... ... ... ... ... ... ... أحمد بن حسن
(ج) إن الجرائد والمجلات التي توصف بالدورية مثل الرسائل والكتب في
القصص والأدب والتاريخ والعلوم منها الضار والنافع، وفيها الحق والباطل، فلكل
من مادحيها وذامِّيها وجه، ويختلف حكم قراءتها باختلاف موضوعاتها واستعداد
قارئيها في العلم ورسوخ العقيدة الصحيحة، والآداب الشرعية القويمة، فإن في
بعضها ما هو كفر صريح وصد عن الدين بضروب من الشبهة والتأويل، وفي
بعضها تزيين للشهوات المحرمة وغير ذلك من المعاصي، كما أن في هذه وغيرها
كثيرًا من المسائل العلمية والتاريخية وأخبار السياسة التي تفيد صاحبها عبرة وخبرة
وتثقيفًا، وإنني أعلم أن كثيرًا من قرائها قد فسدت عقائدهم وآدابهم، ولا بد أن
تكونوا رأيتم في المنار ردودًا على بعضها بالتعيين تارة وبالإبهام تارة، وأن كثيرًا
من قرائها لا يحملهم عليها إلا التلذُّذ والتسلِّي بما فيها من الغرائب، دون ما
يزعمون من الفوائد، وناهيك بالمصورة التي تعنى بصور النساء العاريات
والمتبرجات، وأخبار العاشقين والمعشوقات، والمدار في نفع ذلك وضره منوط
بحسن الاختيار وسوء الاختيار.
فمن الجرائد المصرية التي يحسن اختيارها في قطر إسلامي كبلادكم جريدة
كوكب الشرق اليومية والفتح والشورى والمصلح الأسبوعيات، ومن المجلات
المصرية مجلة مكارم الأخلاق والزهراء والهداية ومجلة الشبان المسلمين، ومن
الجرائد السورية العهد الجديد والنداء اليوميتان والنذير الأسبوعية من جرائد بيروت
وجريدتا الحياة والجامعة العربية من جرائد فلسطين والهداية البغدادية والحلبية،
وأم القرى الحجازية.
ومن المجلات مجلة الكشاف البيروتية والإصلاح الحجازية ومجلة الكويت.
فمَن كان يريد قراءة الصحف من أهل بلادكم الإسلامية العربية لما فيها من
الفوائد العلمية والأدبية والسياسية مع الأمن من المفاسد الدينية ونزعات الإلحاد،
وإباحة الفسق والفساد، فليختر لنفسه بعض هذه الجرائد والمجلات، ومن رغب
عنها إلى الصحف التي ينشرها بعض الملاحدة أو الكفرة لإفساد عقائد المسلمين
وأخلاقهم وتفريق كلمتهم ويجذبون الشبان إلى قراءتها بصور النساء العاريات وغير
ذلك من مثارات الشهوات - فهم يجنون على أنفسهم وعلى أمتهم وبلادهم من حيث
لا يشعرون.
***
تفسير آية (ما ننسخ ... )
(س٢) من صاحب الإمضاء (الطلفون - الدار البيضاء بالمغرب)
صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل رشيد رضا دامت معاليه، تحية وسلامًا لائقين
بمقامكم الشريف، هذا فالمنهى لسماحتكم سؤال أرجو الجواب عنه وهو قوله تعالى:
{مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن
رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ * مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ
نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ألَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة:
١٠٥-١٠٦) .
ملخص السؤال المعروض لفضيلتكم هو قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ
نُنسِهَا} (البقرة: ١٠٦) هنا قد ظهر لي أن ما ننسخ من توراة وإنجيل أو نُنسي
اليهود في التوراة وننسي النصارى في الإنجيل. لا كما قال بعض المفسرين أن
عشرين آية نسخت ويستدلون بالآية، وأستدل على رأيي بأن الآية السابقة قوله
تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ
خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} (البقرة: ١٠٥) وأي خير أفضل من القرآن؟
هذا وإني ملتمس من فضيلتكم أن تمنحوني عفوًا والكريم مَن عذر مَن اعتذر،
وأقال عثرة من عثر، إن وقع غلط في فهمي للآية، مع أتمّ الرجاء أن تلهمني إلى
الصواب، وتبدي نظركم السديد، وأسأله سبحانه أن يسدد أعمالنا ويوفقنا لما يحبه
ويرضاه، ودمتم محروسين بعنايته، والسلام ختام.
... ... ... ... ... ... ... ... السيد محمد اليعقوبي
(ج) جمهور المفسرين والفقهاء على أن النسخ المراد من هذه الآية هو
نسخ آيات الأحكام الشرعية، فعلى هذا القول يظهر لفهمكم في الآية وجه وجيه
بقرينة الآية التي قبلها. وللآخذين برأيهم أن يقولوا: إن هذه القرينة لا تقتضي
الحصر فالآية تدل على أن ما ينسخه الله تعالى من التوراة والإنجيل وما ينسخه من
القرآن أو ينسيه منهما سواء في كونه يأتي بخير منه أو مثله، ولكن هذا لا يدل
على أن في القرآن عشرين آية منسوخة وهو العدد الذي اعتمده السيوطي في
الإتقان، ولا على ما قال بعضهم من أن المنسوخ بضع آيات فقط، فالعدد لا يدخل
في مفهوم الآية من باب ولا من طاق.
وفي الآية وجه آخر وهو أن لفظ (آية) فيها معناه، الآية الكونية أي المعجزة
التي يؤيد الله بها الرسل عليهم السلام؛ إذ كان الكفار يطالبونه عليه السلام بآية من
تلك الآيات ولا سيما آيات موسى (عليه السلام) إذ {قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا
أُوتِيَ مُوسَى} (القصص: ٤٨) ويؤيده قوله تعالى بعدها: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن
تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ} (البقرة: ١٠٨) وهو الذي اختاره
شيخنا وتجدونه مفصلاً في تفسيرها من الجزء الأول من تفسيرنا.
***
حبوط أعمال المشركين بالشرك
(س٣) من صاحب الإمضاء في البترون (لبنان)
حضرة الأستاذ الجليل، إمام المسلمين، ومحيي شريعة سيد المرسلين،
الشيخ رشيد أفندي رضا المحترم.
السلام عليكم وبعد:
فقد قرأت في العدد الرابع من المجلد الثلاثين في مجلتكم الغراء ما يأتي:
بعد ما ذكر الله في كتابه أن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا هم أعظم درجة وأسمى
مقاماً من الذين يسقون الحاج ويخدمون البيت. قلتم في تفسير هذه الآية التي تؤدي
هذا المعنى: لا مراء في كون هذين العملين من أعمال البر التي يكون لصاحبها
درجة عند الله إذا فعلا ما يرضي الله ولذلك أقرهما الإسلام دون غيرهما من وظائف
الجاهلية، ولكن الشرك يحبطهما ويحبط غيرهما من أعمال البر التي كانوا يفعلونها
كما تقدم. اهـ.
فالعجبُ كيف يُحْبِطُ الشركُ الأعمالَ التي هي بحد ذاتها حسنة خيرية والله لا
يضيع للإنسان مثقال ذرة من خير أو شر كما جاء في قوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ} (الزلزلة: ٧-٨) وعدل
الله أجلُّ من أن يجعل المشرك الذي يفسد في الأرض كالمشرك الذي يعمل الأعمال
الخيرية. ومعلومكم أن كلمة (مَن) عامة كما هو معلوم من علم الأصول تعم
المؤمن والمشرك. فالرجاء نشر الجواب على صفحات مجلتكم الغراء ودمتم.
... ... ... ... ... ... ... مدير مدرسة البترون الإسلامية
... ... ... ... ... ... ... ... محمد فؤاد إشراقية
... ... ... ... ... ... ... ... من طرابلس الشام
(ج) أما الدليل على الحبوط فآيات صريحة في القرآن، منها قوله تعالى:
{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} (الزمر: ٦٥) {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا
كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام: ٨٨) {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي
الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ} (المائدة: ٥) {فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ
وَزْناً} (الكهف: ١٠٥) وأما وجهه المعقول فهو أن الشرك بالله والكفر بأصول
الدين من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر يفسد الأنفس البشرية
ويدنسها دنساً لا تؤثر معه الأعمال البدنية في إزالته وتزكية الأنفس منه بل تكون
كقليل من الماء أو نقط من العطر تُلقَى في مجتمع القذر من الكنيف لا يكون لها
أدنى تأثير في تطهيره، فضلاً عن تطييبه.
وأما قوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ... } (الزلزلة: ٧) إلخ فيجيب عنه
العلماء بأنه عام مخصوص بغير المشركين والكافرين وقالوا: إنهم يُجزَوْن في الدنيا
على أعمالهم الحسنة، ولكن موضوع النص أن كل أحد يعرض عليه يوم الجزاء ما
عمل من خير فيراه في الحساب الذي يترتب عليه الجزاء فإذا وُزنت أعمال
المشرك الحسنة مع شركه وما له من سوء التأثير في تدنيس نفسه بالخرافات
والسيئات تطيش كِفَّة تلك الحسنات فيكون معنى حبوط عمله أنه لا يرى له تأثيرًا
في النجاة من العذاب ودخول الجنة، فكأنه لا وجود له إلا أن يكون في كون عذابه
يكون دون عذاب مَن لم يعمل تلك الأعمال، وبهذا تنتفي المساواة بين المشركين
المنافية للعدل، وقد بيَّنا في الكلام على الجزاء أن عذاب الكفار في النار يتفاوت
بحسب أعمالهم وما كان لها من التأثير في أنفسهم كغيرهم إلا أنها لا تبلغ درجة أقل
المؤمنين عملاً صالحًا، وقد ورد في أصحاب المعاصي من المسلمين أن أصحاب
الحقوق عليهم من العباد يأخذون من حسناتهم بقدر حقوقهم عليهم فإذا لم تفِ بها
حملوا من أوزارهم بقدر ما بقي منها، وورد في الحديث تسمية هؤلاء بالمفلسين.
ولكن مَن مات على الإيمان الصحيح لا بد أن تكون عاقبته الخروج من النار إذا
عُذب فيها بمعاصيه ثم يدخل الجنة.