للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد توفيق صدقي


تاريخ المصاحف
بقلم الدكتور محمد توفيق أفندي صدقي الطبيب بسجن طره
(١)

لما لهذا الموضوع من العلاقة الكبرى بجميع مباحثي في الإسلام التي سبق
نشرها في المنار الأغر، رأيت أن أفيض القول فيه بما يزيل ما ران على قلوب
كثير من الناس من الشبهات والإشكالات التي يقذف بها المسلمين دعاةٌ من
المسيحيين، لا يميزون بين الغث والسمين. ولإيضاح المسألة إيضاحًا تامًّا، رأيت
أن أضع مقدمة هامة تمهيدًا للبحث، ودعامة للفحص، فنقول: غير خاف على أحد
أن الأمة العربية قبل الإسلام كانت أمة أمية، يقل فيها وجود من يعرف القراءة
والكتابة معرفة جيدة، وكان جل اعتمادهم في جميع ما يروونه من أنسابهم
وأشعارهم وغيرها على حفظهم لها في صدورهم، ولم يعرف أنه كان عندهم كتاب ما
من الكتب في أي موضوع كان، وغاية ما كانوا يفهمونه من لفظ (كتاب) أنه أي
صحيفة مكتوب عليها؛ من نحو الجلود أو العظام أو الحجارة أو الجريد، بل إن
الصالح للكتابة من كل هذه الأشياء كان لديهم قليلاً؛ ولذلك لم يستغنوا بنوع واحد
منها عن باقيها، ولم يكن عندهم الورق الذي نعرفه الآن، وهذا اللفظ ما كان يطلق
عندهم إلا على ورق الشجر وعلى رقاع من الجلود رقيقة، والإطلاق الأخير
مستعار من الأول.
ولا تجد في اللغة العربية اسمًا خاصًّا بما يشبه ورقنا المعروف سوى لفظ
واحد وهو (الكاغد) وهو فارسي معرب، وقد أدخلته العرب في لغتها بعد النبي
صلى الله عليه وسلم؛ فلذا لم يرد في كلامهم قبله عليه السلام ولا في عصره، ولم يرد في أحاديثه ولم نسمع أنه كان مما يكتب عليه القرآن في حياته عليه السلام، والغالب أن هذا اللفظ دخل في اللغة العربية بعد فتح المسلمين لبلاد فارس، وأما لفظ
(القرطاس) فهو أقدم في اللغة، وورد في القرآن الشريف، وكان معناه عندهم
الصحيفة من الأشياء التي كانوا يستعملونها للكتابة، ثم أطلقوه فيما بعد على
الكاغد أيضًا حينما عرفوه، وصاروا يسمون به كل ما يكتبون عليه من الصحف،
هذا وإن ما ورد في كلامهم من لفظ (كتاب) كانوا يريدون به ما يطلق عليه في
عرفنا اليوم لفظ (خطاب) أو جواب، ومنه قوله تعالى في قصة سليمان: {اذْهَب
بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِم} (النمل: ٢٨) ، ومنه كتب النبي - صلى الله عليه وسلم -
إلى الملوك؛ يدعوهم إلى الإسلام، ومثل الكتاب: السفر والزبور والسجل والدفتر،
فإن معانيها كلها متقاربة، وما كانوا يفهمونها كما نفهمها الآن؛ ولذلك لما جمع القرآن
بعد النبي، اختلفت الصحابة في ماذا يسمونه به وتوقفوا؛ لأنهم لم يعهدوا مثله من
قبل، ثم استقر رأيهم أخيرًا على تسميته بالمصحف؛ تبعًا لأهل الحبشة في تسمية
مجموعاتهم بذلك، والمصحف: الكتاب، بالمعنى الذي نفهمه نحن الآن عند الإطلاق؛
لأنه مأخوذ من أصحف أي جمع الصحف. وكل صحيفة كتاب عند العرب كما
ذكرنا، وكانت أيضًا كتب بعض الأمم غير العربية عبارة عن قطع من الجلود أو
القماش، يختلف عرض الواحدة منها من ١٢ إلى١٤ قيراطًا، وكانوا يلفونها على
قضيب من الخشب ملصق بأحد أطرافها كما تلف الخرائط الجغرافية الآن. وهذا هو
الطي المذكور في قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُب} (الأنبياء:
١٠٤) ولا تزال التوراة مطوية كذلك عند السامريين إلى اليوم.
هذا الذي تقدم، ليس خاصًّا بمشركي العرب، بل يشمل أيضًا أهل الكتاب
منهم، ولذلك لا نسمع بوجود نسخه كاملة من التوراة أو الإنجيل بينهم كالنسخ
الموجودة الآن، ولم يكن عندهم سوى أجزاء قليلة منهما مكتوبة على قطع متفرقة
من الجلود أو العظام أو الخشب أو نحوه. فلذا وصفهم القرآن الشريف بقوله:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الكِتَاب} (آل عمران: ٢٣) ، وخاطبهم بقوله:
{يَا أَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ} (المائدة: ١٥) وقال فيهم: {وَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ} (المائدة: ١٣) وقال
لهم:] قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكِتَابَ [١] الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ
قَرَاطِيسَ [أي صحفًا متفرقة (الأنعام: ٩١) ] تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ
تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ [وقال أيضًا: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ
هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا
يَكْسِبُونَ} (البقرة: ٧٩) وهذا كله يدل على أن كتبهم المقدسة ما كانت تامة ولا
محصورة بين دفتين، بحيث لا تقبل الزيادة ولا النقصان، وإنما كانت مبعثرة في
رقاع منثورة، وأن بعض صحفهم كان حقًّا والبعض الآخر كان باطلاً. أما ما ورد في
القرآن من نحو قوله تعالى: {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّه} (المائدة: ٤٣) ، فمعناه أن عندهم أجزاء من التوراة فيها حكم الله في المسألة التي
تحاكموا فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكما يطلق لفظ القرآن ويراد به أجزاء
منه، كذلك يطلق لفظ التوراة أو الإنجيل ويراد به بعضها أو أجزاء منها، وهذه مسألة
شائعة في القرآن الشريف وفى اللغة، ومن ذلك قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي
أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ} (البقرة: ١٨٥) أي بعضه أو جزء منه.
قدمنا لك هذه المقدمة؛ لتعلم أن العرب ما كانت تعرف الكتاب ولا
الورق بمعنييهما عندنا، وأوضحنا لك فيها درجة معرفتهم القراءة والكتابة، وذكرنا
لك ما كانوا عليه يكتبون.
بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - فيهم وحالتهم كما علمت، وأوحي إليه
هذا القرآن ليبلغهم إياه، فانظر ماذا فعله هذا الرسول الأمين حتى نشر بينهم
الكتاب المبين.
علم قوة ذاكرتهم واعتمادهم عليها في نقل أخبارهم وأشعارهم، حتى إن
كثيرًا منهم كان يسمع الأبيات من الشعر أو القصيدة الطويلة تتلى عليه فيحفظها من
أول مرة، فداوم صلى الله عليه وسلم على حضهم على تلاوة القرآن، وبالغ في
حثهم على حفظه وضبطه. وفرض عليهم قراءته في الصلوات، وبقي على هذه
الحالة بضعًا وعشرين سنة حتى كثر فيهم القراء، وكانت السورة الواحدة يحفظها
الألوف من الناس، والقرآن كله يحفظه الكثيرون منهم. لم يكتف صلى الله عليه
وسلم بذلك؛ بل أمر بكتابته، واختار طائفة منهم لتكتبه له على ما تيسر له إذ ذاك
من الجلود والعظام والجريد والحجارة وغيره مما كانوا يعرفونه، وأكثر في ترغيبهم
في التعلم ومدح القراءة والكتابة بنحو قوله: يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدماء
الشهداء، ومثل ذلك في الأحاديث كثير. ورد في القرآن الشريف أيضًا قوله
تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} (القلم: ١) وقوله: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي
عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق: ٣-٥) وذم الله تعالى أهل الكتاب
بقوله: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} (البقرة:
٧٨) وألزم تعالى المؤمنين بكتابة الدَّين في الآية المشهورة في آخر سورة البقرة؛
وبذلك وجدت فيهم الرغبة في تعلم القراءة والكتابة، وأخذ عدد الكاتبين بينهم يزداد
شيئًا فشيئًا، وكتب كل ما نزل من القرآن كثير من المسلمين في عهده عليه الصلاة
والسلام. ولم يمت إلا بعد أن كانت جميع السور مرتبة الآيات، مكتوبة في السطور
عند الكثير منهم، محفوظة في صدور الجماهير وبعد أن سمعوها منه مرات عديدة في
الصلوات والخطب وغيرها، وسمعها هو أيضًا منهم. والخلاصة أن النبي عليه
السلام تبع أقرب الطرق لتعميم نشر القرآن المجيد بين أفراد الأمة العربية، وعمل
أحسن ما يمكن عمله بالنسبة لمعلوماتهم وحالتهم.
سمت نفوسهم بعد ذلك للعلا بما بثه فيهم واستعدت للرقي، فلما كثر اختلاطهم
بمن جاورهم من الأمم، أخذوا ينقبون ويفتشون في أحوالهم بعيون مبصرة
وعقول مفكرة؛ كي يعثروا على جديد يقتبسونه أو إصلاح إلى بلادهم يسوقونه،
فبصروا بما لم يبصروا به من قبل. ووجدوا أن لتلك الأمم طريقة أخرى في
تدوين معلوماتهم لم تكن تخطر على بالهم. وهي أن يكتبوها على صفحات صحف من
نوع واحد، يضمون بعضها إلى بعض مرئية على حسب ترتيب عباراتها،
وربما رأوا أنواعًا أخرى من القرطاس أحسن من التي كانوا يعرفونها؛ كأوراق
البردي بمصر مثلاً.
دعاهم داعي الفزع عند قتل سبعين من القراء يوم اليمامة إلى المبادرة
والإسراع في جمع القرآن على طريقة تلك الأمم؛ خوفًا عليه من الضياع من تلك
الرقاع المختلفة، فعقدوا في الحال اجتماعًا، واستقر رأيهم إجماعًا على العمل
على تلك الطريقة. وهكذا جمع القرآن، ووجد بين العرب أول كتاب بالمعنى الذي
نفهمه نحن الآن، وتحقق وعد الرحمن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:٩) .
اختلف المسلمون في ترتيب سور القرآن وطرق قراءته. وتبع ذلك اختلاف
مصاحفهم؛ لأن الرسول لم يلزمهم باتباع ترتيب مخصوص في السور، ولم يجمعهم
على قراءة واحدة، سور القرآن كل منها ككتاب قائم بذاته كما قال تعالى: {رَسُولٌ
مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} (البينة: ٢-٣) فليس ثم فائدة كبيرة
في التزام ترتيب مخصوص، ولفظ (سورة) مأخوذ من سور المدينة سميت به
القطعة المخصوصة من القرآن؛ لأنها طائفة مستقلة بذاتها. فكأنه صلى الله عليه وسلم
ترك بين المسلمين ١١٤ كتابًا، كل منها محفوظ مكتوب مرتبة آياته، وجمعها
بالطريقة الحاضرة لم يكن معروفًا في عهده، وإنما حدث بعده بقليل، وإن كانت في
زمنه مجموعة عند بعضهم في الصحف المتنوعة التي ذكرناها.
أما اختلاف القراءات فهو نوعان: اختلاف بسبب اللهجات كالإمالة
وعدمها، واختلاف آخر في الكلمات كتغيير شكلها أو إعرابها أو بعض حروفها أو
نحو ذلك، ولكل من النوعين فوائد، ففوائد الاختلاف بسبب اللهجات هي: (١)
تسهيل نطقه وفهمه وحفظه لقبائل العرب (٢) إظهار أنهم يعجزون جميعًا عن
الإتيان بمثل سورة منه كما تحداهم بذلك، ولو بلغاتهم المختلفة، وأن عجزهم عن
المعارضة ليس ناشئًا عن نزوله بلهجة واحدة لا يعرفها كثير منهم. وفوائد اختلاف
الكلمات هي: (١) تسهل حفظه على كل أحد. وبيان ذلك أن من أراد حفظ
القرآن كثيرًا ما يسبق لسانه بنطق مخصوص. فإذا علم أن هذا خطأ جاهد نفسه
لتقويم لسانه، ولكن إذا علم أن قراءته جائزة لم يحتج إلى هذا العناء مثلاً إذا أراد أن
يحفظ قوله تعالى: {كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ * وَلاَ تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ} (الفجر: ١٧- ١٨) فيجهد نفسه في العدول عن ذلك، ولكنه إذا علم أن هذه
قراءة جائزة لا يحتاج إلى التعب. وهذا الأمر يدركه جيدًا من عانى حفظ القرآن
الشريف. ومن ألزم بإصابة غرض واحد لا غير، ليس كمن أبيح له إصابة أي
غرض من بين بضعة أغراض. ولا تنس ما لتسهيل حفظ القرآن على الأمة من
الفوائد، فإنه أعظم طريقي القرآن في نقله وروايته، وخصوصًا في الأزمنة القديمة
وبين الأمم الساذجة. (٢) تكثير المعاني، فبتعدد القراءات تكثر المعلومات وتزداد
الفوائد. وقد يكون بعض المعاني مبينًا للبعض الآخر. (٣) تخفيف بعض
الأحكام فمثلاً قوله تعالى في آية الوضوء: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} (المائدة: ٦) بالكسر، يفهمنا أن الغسل المفهوم من قراءة الفتح غير واجب على
التعيين وأن المسح يكفي. فلهذه الأسباب ولغيرها كان الرسول صلى الله عليه
وسلم يقرئ المسلمين القرآن بأوجه مختلفة؛ ولذلك قال كما تواتر عنه (أنزل
القرآن على سبعة أحرف) الحديث، ولفظ السبعة تستعمله العرب أحيانًا للمبالغة في
الكثرة، فيحتمل أن يكون هذا هو المراد هنا، وأن المراد سبع لهجات العرب
الشهيرة، وهو لا ينافي أن هناك قراءات أخرى غير اللهجات؛ إذ لفظ الحديث لا
يفيد القصر.
وقع الخلاف بين المسلمين في هذه القراءات إلى أن اشتد في زمن عثمان -
رضي الله عنه -؛ إذ كان بعضهم إذا تلقى قراءة وسمع من غيره ما يخالفها
نازعه في ذلك، واتهمه بالتحريف، فخشي أن يحصل بينهم من الاختلاف في
القرآن ما حصل بين أهل الكتاب. ورأى أن يجمع المسلمين على مصحف واحد،
ينسخون عنه ويرجعون إليه في ضبط مصحافهم؛ حتى لا يكون فيها اختلاف ولا
تكثر فيها هذه القراءات، وأخبر جمهورًا عظيمًا من أصحاب رسول الله بذلك،
فوافقوه على رأيه، فأمر بكتابة المصحف على طريقة قريش في الرسم، وكان
الكتَّاب فريقا من الصحابة أيضًا، فكتب عدة مصاحف بهذه الطريقة بعد التحري
والتدقيق ومراجعة ما كتب قبل ذلك، وبعد السماع من الحفاظ وإن كان الكاتبون هم
أيضًا من الحفظة، ثم أرسلت هذه المصاحف إلى الآفاق التي انتشر فيها الإسلام،
وفيها الجماهير من الصحابة ومن أخذ القرآن عنهم حفظًا وكتابة، فوافقوا جميعًا على
استعمالها والتعويل عليها، وأعدموا غيرها مما عندهم. وكان ذلك بعد وفاة النبي
بخمس عشرة سنة (أي سنة ٢٥ هجرية) .
هذا ومن علم طباع العرب وغلظها وشدة إيمانهم وتمسكهم بدينهم، وعرف
ما كان عليه الخلفاء الراشدون من الأخلاق، وأنهم ما كانوا ليستبدوا بالأمر في شيء،
حتى لو أرادوه لما قدروا عليه؛ وعرف حال عثمان وسبب قتله من عرف ذلك كله
أيقن أنهم لو كانوا وجدوا في مصاحف عثمان عيبًا لرفضوها، ولأثيرت حروب
وأريقت دماء، وكان دم عثمان في أولها، ولارتد كثير من الناس عن الإسلام لهذا
السبب، ولَعَاب المسلمين بتحريف القرآن من خالطهم أو دخل فيهم من أهل الكتاب
وغيرهم، ولما اتفقوا جميعًا على قبول هذه المصاحف، ولوجدت مصاحف مختلفة
بينهم إلى اليوم. فعدم حصول شيء من ذلك يدل على أن هذه المصاحف هي عين ما
تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخصوصًا لأن الذين تلقوها بالقبول ما
كانوا جاهلين حرفًا واحدًا من القرآن، بل كانوا حافظين له حفظًا جيدًا في الصدور من
قبل وجود هذه المصاحف وكثير منهم كانوا ممن تلقوه كله أو بعضه مباشرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم.
هذه المصاحف العثمانية لم تكن منقوطة ولا مشكولة، ورسمها في كثير
من المواضع يخالف ما اصطلح عليه الناس فيما بعد من قواعد رسم الكلمات
العربية، ولكن جرى المسلمون على تقليد هذا الرسم في جميع بقاع الأرض؛ على
مخالفة بعضه لما وضعوه من القواعد؛ يُعد محافظة منهم على عمل الصحابة
رضوان الله عليهم، وتحاشيًا لعمل أي تصحيح أو تحرير في الكتاب، ولم يخرجوا
عنه إلا في الأزمة الأخيرة في كلمات قليلة كتبوها على مقتضى طريقتهم، على
أن أكثر مصاحفهم لا يزال إلى اليوم كالكتْبة الأولى، لكنها في الغالب منقوطة
مشكولة.
أما القراءات، فاستمرت مختلفة بين المسلمين إلى زمننا هذا، فهم وإن
كانوا أجمعوا على المصاحف العثمانية إلا أن القراءات التي كانوا يقرأون بها من
قبل - هي وكانت غير مخالفة للرسم العثماني مخالفة يعتد بها - استمروا على القراءة
بها فيما بعد، أما التي تخالفه، فأخذت تتلاشى من بينهم شيئًا فشيئًا. وعليه
فوجود المصاحف العثمانية أفاد المسلمين ثلاث فوائد:
(الأولى) إجماعهم على مصحف واحد في الكتابة.
(الثانية) تقليل الاختلاف بينهم في القراءة.
(الثالثة) اتفاقهم على ترتيب مخصوص للسور، ولعل هذا الترتيب كان
يستحسنه الرسول، وإن لم يوجبه كما سبق.
تواتر من هذه القراءات المختلفة سبع، روى كلا منها عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم الجم الغفير من أصحابه، وأخذ عنهم في البقاع المختلفة الجماهير
من التابعين، فأخذ عنهم من بعدهم وهكذا إلى اليوم. وهذا القراءات المتواترة
يحتملها رسم المصاحف، ولا تخالفه كما قلنا مخالفة يعتد بها أو صريحة إذا
جردت من النقط والشكل كما كانت.
اشتهر بين التابعين ومن تبعهم أناس بإتقان هذه القراءات وتعليمها
لغيرهم، فنسبت إليهم، وسموا أئمتها وإن كانت متواترة بين المسلمين في جميع
البلاد، وهؤلاء هم عبد الله بن كثير بمكة، وعبد الله بن عامر بالشام،
وعاصم بالكوفة، وكذلك حمزة والكسائي ونافع بالمدينة، وأبو عمرو بن العلاء
بالبصرة وفيهم الثلاثة الأول تابعيون، بقي المصحف غير منقوط ولا مشكول
إلى أن كثرت الأعاجم واختلطت بالعرب، ففشا فيهم اللحن حتى اضطروا إلى
ضبطه، فكان أول من وضع عليه الضبط أبو الأسود الدؤلي في أوائل حكم بني
أمية، وكان ضبطه أن يضع نقطة فوق الحرف إن كان مفتوحًا، وتحته إن كان
مكسورًا، وبجانبه إن كان مضمومًا، واستمرت الحال على ذلك إلى زمن الخليل
ابن أحمد النحوي المشهور، فوضع للمصحف شكلاً آخر، كان أساسًا للشكل الحالي
الذي جرى عليه المتأخرون، وكانت وفاة الخليل هذا سنة ١٧٠ للهجرة.
أخذت طرق كتابة المصاحف تتحسن شيئًا فشيئًا إلى أن اخترعت
المطابع، فطبع أول مصحف في مدينة همبورغ بألمانيا سنة ١٦٩٤ للميلاد، أي
في أوائل القرن الثاني عشر الهجري، وبعد ذلك انتشرت المصاحف المطبوعة في
العالم، وحلت محل المنسوخة باليد، وقد أخذوا الآن يرسمونها بواسطة المصورات
الشمسية (الآلات الفتوغرافية) ، وهكذا حفظ الله تعالى كتابه حتى وصل إلينا بدون
تحريف ولا تبديل. وكان المصحف في جميع هذه الأطوار المختلفة التي وصفناها لك
مهيمنا عليه بآلاف الألوف من الحفظة في جميع البقاع الإسلامية، ولا تزال الحال
كذلك إلى عصرنا هذا مع ضعف المسلمين وتأخرهم. ومن عجيب عناية الله بهذا
الكتاب المجيد أن قيض لنا اليوم في مصر؛ من يحثنا من غير أهل ديننا ومن غير
جنسنا على تعميم الكتاتيب في جميع الأقاليم، من بعد أن ظننا أن زمن الحفظة
انقضى أو كاد ينقضي من بيننا، فأجيب دعاء الداعي إلى ذلك، وانتشرت الكتاتيب
في البلاد، وكثرت الحفاظ مرة أخرى، وتجدد عندنا ألوف من الأطفال يحفظونه
كله في صدورهم فضلاً عن الرجال والشيوخ.
نظرنا في هذا الكتاب المتواتر عن صاحبه نظرة، فأيقنا بسببه بدون نظر
إلى أي شيء سواه مِن صِدقه عليه السلام في دعواه، وأنه مبلغ عن الله (راجع
مقالنا الدين في نظر العقل الصحيح) ، ثم وجدنا فيه أن الله يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: ٩) فعلمنا أن كل رواية يفهم منها أن القرآن
ضاع منه شيء لابد أن تكون موضوعة مدسوسة، وإن لم يتضح هذا الأمر من
سندها؛ لأنها تنافي ذلك القول المتواتر عن النبي الصادق. على أن جميع هذه
الروايات منقولة عن الآحاد، وقد اتضح كذب كثير من رواتها وهي أيضًا معارضة
بأمثالها؛ كالذي روي عن ابن عباس رضي الله عنه في صحيح البخاري أنه قال:
(ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين) وناهيك بابن عباس ثقة
في هذا الموضوع، وقد أجمع المحققون من المسلمين أن القرآن لا يثبت إلا
بالتواتر، فما زعم الآحاد أنه كان قرآنًا وضاع أو نسخ لا يقبل منهم (راجع مقالتنا
في الناسخ والمنسوخ) ، فقد وجد بين الرواة من هو ضعيف الفهم أو سخيف الرأي
أو كذوب يريد تشكيك المسلمين في دينهم، أو يريد أن يؤيد دعوى أو مذهبًا له
بأمثال هذه الروايات، ولكن العقلاء لا يقبلونها لئلا يؤديهم ذلك إلى رفض المتواتر،
فيكونوا ممن يرجح الدلالة الظنية على الدلالة المقطوع بها، ومن كان كذلك
كان من الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم
يحسنون صنعًا.
بقي عليّ نقطة واحدة في هذا الموضوع، لا بد لي من الكلام عليها قبل
الانتهاء منه؛ وهي دعوى بعض الجهلة الغافلين أن في القرآن لحنًا، ويذكرون من
ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (المائدة:
٦٩) ، وقوله: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ
وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (النساء: ١٦٢) ؛ لأن
مقتضى الظاهر نصب (الصابئين) ورفع (المقيمين الصلاة) طبقًا لقواعد النحو
المعروفة، وما مثلهم في هذه الدعوى إلا كمثل تلميذ في مكتب سمع من أستاذه بعض
نظريات يفسر بها ظواهر وجودية طبيعية، فظن أنه عرف كل شيء، وأن أستاذه لا
تخفى عليه خافية، وبعد ذلك رأى في الوجود شيئًا يخالف ما وضعه له المعلم من
القواعد، فصاح قائلا: الطبيعة أخطأت، النظام اختل، الكون فسد لأنه خالف قواعد
أستاذي. وما دري أن عقله في الحقيقة هو الذي اختل وفسد، فكذلك شأن هؤلاء
القوم. القرآن ينبوع الفصاحة والبلاغة وحجة اللغة الناهضة، وهو أساس ما وضع
من القواعد النحوية بعده، فلا يليق أن نلزمه بالجري عليها، وأن نجعلها أصلاً له
ونحكم بخطئه إذا هو خالفها، بل الواجب إذا لم ينطبق شيء منه على بعضها؛ أن
تعلم أنها معيبة أو أنها غير وافية بالغرض في بعض المسائل؛ لعدم إحكام وضعها
هذا إذا لم يمكنا التطبيق. وما من لغة إلا وفى أشهر كتبها القديمة وأبلغها ما
يخالف ما وضع من القواعد فيما بعد، حتى يضطر الواضعون إلى استثنائه أو
تطبيقه عليها بوجه ما، وكذلك فعل علماء اللغة العربية في أمثال هذه الآيات، حتى
أجروها على قواعدهم كما هو مبين في التفاسير، ولا حاجة بنا لنقل ذلك هنا لعدم
أهميته.
فإن قيل: نحن لا نقول: إن هذا الخطأ كان في أصل القرآن، وإنما هو
من نساخ المصاحف في زمن عثمان، قلنا: إن هؤلاء النساخ كانوا من الفصحاء
اللدّ، فكيف يقعون في هذا الخطأ، ويتفقون عليه في جميع المصاحف التي كتبوها
وأرسلوها إلى الأقطار الإسلامية؛ بحيث لا يوجد مصحف واحد خاليًا من الغلط في
هذه الآيات بعينها؟ وكيف تتفق الحفظة في جميع الأزمنة على قراءة هذه الألفاظ
المتنازع فيها كما كتبت في المصاحف؛ مع العلم بأن القراء إنما يتلقون قراءتهم
عمن قبلهم بقطع النظر عن مرسوم الخط وعما وضع من القواعد النحوية، وقد
توارثوا هذه القراءات بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل وجود
مصاحف عثمان، كما بينا ذلك فيما سبق؟ ومن علم عناية المسلمين بالتجويد وضبط
القراءات وأحكام نطق اللهجات المختلفة، وأنهم لا يأخذون ذلك من الكتب بل
بسماع من أتقنها ممن تقدمهم، علم فساد أمثال تلك الانتقادات الباردة وسقوطها.
وصفوة المقال أن القرآن وصل إلينا بدون تحريف حرف واحد منه أو تبديله
فهو مكتوب اليوم كما كتبه الصحابة أنفسهم، مقروء كما قرأه النبي صلى الله عليه
وسلم، ولا نعرف كتابًا آخر في الدنيا بلغت العناية به من أهله مبلغها بالقرآن، فإن
الكتب الأخرى التي نعرفها، لا يخلو كتاب منها من الوصمات الآتية كلها أو بعضها
(١) أنها لم تكتب في زمن الآتي بها أو لم يعرف باليقين من هو. (٢) لم تحفظ
في الصدور لا من العامة ولا من الخاصة. (٣) لم تكن نسخها كثيرة، وفي
أغلب الأزمنة القديمة لم تكن في أيدي العامة. (٤) رواها الآحاد، واختلفت
روايتهم. (٥) فقدت وانقطع سندها؛ إما بسبب الارتداد العام من أصحابها،
أو بسبب الاضطهادات الشديدة، وقصد الأعداء إبادتها وإحراقها. (٦) وجد أمثالها
معارضًا لها، وكثير منها لا يرجح عليها بزيادة في قوة إسناده. (٧) وجود بعض
فقرات فيها تدل على بطلان النسبة إلى من نسب إليه الكتاب. (٨) مملوءة بخلط
النساخ. (٩) مملوءة بالتناقض والزيادة والنقصان والتبديل. (١٠) وجود
اختلافات بين نسخها قديمًا وحديثًا. (١١) اختلاف الطوائف في قبول بعضها أو
رفضه، بل اختلاف الطائفة الواحدة في قبول بعض الكتب أو ترجمتها في
بعض الأزمنة ورفضها في الأخرى. (١٢) وجود ما يقطع بعدم صحته فيها،
والغلطات التاريخية والعلمية وغيرها، واشتمالها على ما ينافي الآداب ويفسد
الأخلاق. (١٣) وجود كثير من اللغو فيها وما لا فائدة فيه، وما يناقض
البراهين العقلية القطعية. (١٤) وجودها منذ أزمنة بعيدة وخلو أهلها إذ ذاك من
العلم والتحقيق والتمحيص. (١٥) مناداة مخالفيهم في الأعصر الأولى بأنهم
يحرفون كتبهم ويبدلونها ويغيرونها، كما جاهر بذلك (سكسوس) الفيلسوف الشهير.
فهذه خمسة عشر وجهًا مما تنتقد به تلك الكتب، وجميعها يتنزه عنها القرآن
الشريف. وقد ذكرت عدة من شواهدها بالإيجاز في رسالتي التي نشرت سابقًا في
المنار. ومن أراد الإيضاح فعليه بالكتب المؤلفة في هذا الشأن إسلامية كانت أو
غيرها عربية أو إفرنجية، والسلام على من اتبع الهدى.
(المنار)
ذكرتنا هذه المقالة بكتاب تاريخ القرآن والمصاحف الذي يؤلفه صاحبنا موسى
أفندي جار الله الروسي، وإننا وعدنا عند ذكره في آخر جزء من السنة الثامنة
بالعودة إلى تقريظه، وكنا نسينا الكتاب والوعد، وقد أوضح مسألة جمع القرآن،
وأطال في بيان حفظه وعدم ضياع شيء منه، وسننقل منه ذلك في الجزء الآتي.
((يتبع بمقال تالٍ))