للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


مدنية العرب
نبذة ثالثة

السبب في تأخر الاشتغال بالعلم الدنيوي عن زمن الراشدين. العلم في الدولة
العباسية. من عضده في الشرق من دونهم. العلم في الأندلس وفي مصر. العلوم
الفلكية عند العرب. التنجيم والكهانة. السبب في اشتغال المسلمين بالتنجيم مع نهي
الدين عنه. العلم قبل الإسلام. الساعة الدقاقة. أخذ العلم للعمل. التحول بالعلم عن
العمل إلى النظريات وسببه. مشاهير الفلكيين. الاكتشافات والاختراعات
الإسلامية.
***
لا يظهر شيء في الكون إلا إذا وجد المقتضي لوجوده مع عدم المانع منه
والدين الإسلامي أعظم مقتضٍ للمدنية الحقة علومها وفنونها وأعمالها المادية والأدبية،
فأما آثاره الأدبية فقد وجدت بوجوده على أكمل الوجوه حتى إن المنتهين إلى
غايات المدنية الحاضرة لا يساوون بل ولا يقاربون أهل القرن الأول الإسلامي في
آدابهم الشخصية ولا الاجتماعية. وأما العلوم الرياضية والطبيعية واكتشاف أسرار
الكون وما يتبع ذلك من الأعمال المادية فلم تظهر في المسلمين إلا بعد تحقق الشرط
الآخر (عدم المانع) فإن المسلمين كانوا في أول ظهور الإسلام خصماء العالم
البشري الذين تصدوا لتهذيبه وترقيته وكانوا مهددين على حياتهم وجلين من انطفاء
نور دعوتهم، فلما أمن الخائف واطمأن الواجف واستقرت من الإسلام دعوته وعلت
كلمته ونفذت شوكته، انفتقت أرض العقول عن نبات ما بذره القرآن من بذور العلم
والعرفان. وقد سبق التنويه بهذا فلا نطيل به.
قام أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي يستنهض الهمم ويستنزل الديم ,
ويبعث النفوس إلى إظهار استعدادها بكشف الحجاب عن وجوه مخدرات الطبيعة
وإفشاء أسرار الخليقة , واقتدى به الخلفاء من بعده إلى أن جاء المأمون فكان قطب
الرحا لتلك الحركة بل كان مدار فلك العلم ومطلع كواكبه ومشرق شمسه , وجرى
من بعده من العباسيين على آثاره ولكن بهمة أنزل من همته وحرارة أوطا من
حرارته ولم يضر هذا بالعلم لأن روحه فائضة من الإسلام نفسه , ولذلك بقي قائمًا
على صراطه بعد ما صاح صائح الفتنة بالدولة العباسية وزلزل الخارجون عليهم
ملكهم زلزالاً. نعم إنه كان تارة يسير الوجيف وتارة يتخزل تخزلاً بحسب ضعف
الفتن وشدتها. وكان طاهر بن عبد الله رابع ملوك الطاهرية الذين كانوا أول بلاء
على العباسيين وعضد الدولة وشرف الدولة من البويهية كل يأخذ بعضد العلم
ويمد إليه ساعد المساعدة. وكان شرف الدولة يتلو تلو المأمون في تأليف الجميعات
العلمية لترقية الفنون. ولا ننسى فضل ملكشاه ومحمد شاه من السلجوقيين وأشد ما
مر بالعلم الذي أنار مصابيحه العباسيون عاصفة فتنة التتار فهي التي تداعت لها
أركان مدرسة بغداد وكادت تطفئ كل هاتيك الأنوار. وما كان مثل العلم في الإسلام
إلا كمثل الماء الغمر المتحدر إذا غاض في مكان فاض في آخر , وإذا سدله مجرى
تحول إلى مجرى غيره، فلا تزول بالمرة أثباجه (مجاريه) ولا تنقطع أمواجه.
تحولت قوته من بغداد فأخذت ذات اليمين وذات الشمال وظهرت في دمشق الشام
وفي شيراز وسمرقند وغيرها من الأمصار الإسلامية حتى عم العرب والعجم فكان
من أنصاره التتار أنفسهم ولا ننسى أن العرب ينبوعه الأول ومنهم استقى واستمد
الآخرون.
تلك إشارة إلى شأنه في الشرق وما كان مغرب العالم الإسلامي بأقل من
مشرقه بهاء , ولا فيضانه أقل رِيًّا ورواء فإن العرب وخلفاءهم الأمويين في
الأندلس فجروا أرض الأندلس بالعلوم عيونًا وأنهارًا. ورفعوا للمعارف صرحًا
عاليًا ومنارًا. وأفاضوا على أوربا من شموسهم أنوارًا. فكانت أشبيليه وقرطبه
وغرناطه ومرسيه وطليطله مهبط أسرار الحكمة ومهد الآداب والصنائع. ولقد علا
مد العلوم ثمة ففاض على بلاد البربر فكان في طنجه وفاس ومراكش وسبته من
معاهد العلم ما سامى أصحابه علماء عواصم الأندلس.
وأما مصر وهي صدر البلاد الإسلامية في القديم والحديث فلم يكن حظها من
العلم بعيدًا من حظ الجناحين، فإن العبيديين فيها نصروا العلم نصرًا مؤزرًا فإذا كانت
دار الحكمة قد طفئت أنوارها وعفت آثارها فهذا الأزهر قد صابر الأيام وغالب
الأحوال والأعوام وبقي شاهدًا عدلاً وحكمًا فصلاً ينشد بلسان المعز.
تلك آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار
هذا مجمل من خبر مدنية العرب وإن أبيت إلا التفصيل فدونك منه جملاً.
***
العلوم الفلكية
كان عند العرب رشاش من معرفة الظواهر الفلكية مشوبًا بخرافات التنجيم
الموروث عن الأقدمين فحكم الإسلام بمحو ضلالة التنجيم فيما محاه من ضلالات
الكهانة والعرافة وأجاز ما عدا ذلك واستلفت الأنظار إلى الاعتبار به والاستدلال
على حكمة مبدعه ومدبره , ولكن التعليم إذا لم تتربَّ عليه الأمة بالعمل لا يقوى
بمجرد القول على استئصال الأهواء لا سيما إذا كانت موروثةً , وحب الإشراف
على ما في ضمير الغيب من الأسرار وما يجيء به المستقبل من الحوادث من أقوى
الأهواء البشرية وهو الذي فتن الناس بالكهان والدجالين واستعبدهم للعرافين
والمنجمين. لهذا ظل التنجيم في الإسلام مقرونًا بعلم الهيئة الفلكية ومن أسباب
ارتقائه على كثرة ما ورد في التنفير عنه. ومن أسباب تقدمه الحقيقية الاستعانة به
على معرفة سمت القبلة ومواقيت الصلاة , وقد جعل العرب كل واحد من هذين
علمًا مستقلاًّ بذاته عن سائر العلوم الرياضية.
لما ظهر الإسلام كانت العلوم والمعارف متلاشية عند جميع الأمم وكان في
النصارى بقية استعان بهم العرب على ترجمة كتب فلاسفة اليونان كأرسطوطاليس
وسقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس وغيرهم، وقد أحسن المهدي والرشيد
صلة هؤلاء المترجمين وأفاضا عليهم النعم , ثم وجد في المسلمين من يحسن
الترجمة ولم يكن أولئك المترجمون متمكنين من العلوم التي نقلوها إلى العربية ,
ولذلك وقع فيها الغلط الكثير فصححه بعد ذلك الراسخون في العلم من العرب كما
صححوا كثيرًا من غلط اليونانيين أنفسهم، وسنُلِّم ببعض ذلك في تضاعيف الكلام.
أول من نعرفه من النابغين في ذلك العصر من المسلمين (ما شاء الله) الفلكي
المؤلف في الإصطرلاب ودائرته النحاسية وأحمد بن محمد النهاوندي وأول من
أحسن الترجمة حجازي بن يوسف معرب كتاب إقليدس. تناول العرب هذه الكتب
من قوم كان حظهم منها حفظها على أنها من أعلاق الذخائر ومآثر الجيل الغابر ,
ومن كان عنده أثارة من علم فإنما هي لوك الكلمات وترديد العبارات , فكان من
بصيرة العرب أن يأخذوا العلم للعمل عملاً بالحديث الشريف: (من عمل بما علم
ورثة الله علم ما لم يعلم) ولذلك ظهر أثر العمل في عصر الرشيد وناهيك بالساعة
الدقاقة المتحركة بالماء التي أرسلها إلى شرلمان ملك فرنسا ومصلحها وعظيم
أوربا لعهده , ففزع الأوربيون منها لذلك العهد وتوهموا أنها آلة سحرية قد كمنت
فيها الشياطين وأن ملك العرب ما أرسلها إليهم إلا لتغتالهم وتوقع بهم شر إيقاع.
ولو استقام العرب على هذه الطريقة لبارك الله لهم في ثمرة العلم وكان ذلك داعيًا
لاستمرار الترقي فيه , ولكن صدفت دون ذلك الصوادف وأهمها: مزج الدين بالعلم
وما تبع ذلك من المجادلات والمناظرات التي جعلت وجهة العلم نظرية محضة
فعقمت بعد النتاج وتحول كمالها إلى خداج.
واتل عليهم نبأ المأمون ورقيه بهذه العلوم والفنون. استخرج هذا الإمام لقومه
العلم من أثينا والقسطنطينية بما أحسن من الصلة بينه وبين ملوكها من اليونانيين
وأنفق بسعة على ترجمة الكتب التي اجتلبها من بلاد اليونان ومن بقاياهم في مصر
والإسكندرية فترجمت في عهده هندسة إقليدس، وتيودوس , وأبولوينوس
وإيسيقليس ومينيلوس , وشرحت مؤلفات أرشميه في الكرة والأسطوانة وغيرها ,
وألف يحيى بن أبي منصور زيجًا فلكيًّا مع سند بن علي , وكان هذا قد ألف أرصادًا
مع خالد بن عبد الملك المروزي في سنتي ٢١٧ و٢١٨هـ، وهذان هما اللذان
قاسا مع علي بن عيسى وعلي بن البحتري خط نصف النهار بين الرقة وتدمر ,
وألف أحمد بن عبد الله بن حبش ثلاثة أزياج في حركات الكواكب، وحسبوا
الخسوف والكسوف وذوات الأذناب وغيرها والسوادات التي بقرص الشمس
ورصدوا الاعتدال الربيعي والخريفي وقدروا ميل منطقة فلك البروج وأصلحوا بأمر
المأمون غلط كتاب المجسطي لبطليموس الذي ترجم على عهد أبيه الرشيد , ورصد
أحمد بن محمد النهاوندي السماويات وألف أزياجًا جديدة ولخص محمد بن موسى
الخوارزمي للمأمون الأزياج الفلكية الهندية , ثم توالى البحث في الشرق مصحوبًا
بالاكتشاف والاختراع , وبرع في الفلك خلق كثيرون منهم محمد وأحمد وحسن أبناء
موسى بن شاكر الذين كملوا الزيج المصحح , وحسبوا الحركة المتوسطة للشمس
في السنة الفارسية وحددوا ميل وسط منطقة البروج في مرصدهم (رصدخانه)
المبني على قنطرة بغداد , وعرفوا فيه فروق حساب العرض الأكبر من عروض
القمر , وعمل كبيرهم محمد تقويمات لمواضع الكواكب السيارة استعملت إلى ما بعد
زمنه وعرب تلميذه ثابت بن قرة (المتوفى سنة ٢٨٧هـ) كتاب المجسطي ثانية ,
وبين تصحيحات من تقدمه من عهد الرشيد لأغلاط بطليموس وزاد عليها ملاحظات
مفيدة , وممن ألف في الأرصاد والأزياج أبو العباس فضل بن حاتم النيريزي شارح
المجسطي، وقد صحح هذا أغلاطًا في أرصاد الفلكيين المتداولة إلى زمن المأمون ,
وبين في أزياجه الخسوف والكسوف ومحاق الكواكب السيارة وعمل بأزياجه من
بعده مدة قرن واحد , ومن أشهر فلكيي المشرق محمد بن عيسى المهاني ,
والبتناني الذي سماه الإفرنج بطليموس المسلمين (المتوفى سنة ٣١٧هـ) .
وهو الذي جمع كليات المعارف المكتسبة في عصره , وألف أربعة أرصاد
في الشمس والقمر ورسالة في الفلك ورصد السماء بالرقة , ومنهم علي بن
أماجور وأخوه، اللذان رصدا السماء وأَلَّفَا زيْجًا عجبيًا وبَيَّنَا طريقة جديدة
لاكتشافات فلكية وفروقًا ظاهرة في حساب حركات القمر كما حسبها اليونان والعرب
من قبل كما بينا أن حدود أكبر عروض القمر ليست واحدة دائمًا ثم جاء من بعدهما
أبو القاسم علي بن الحسين الملقب بابن الأعلم وعبد الرحمن الصوفي اللذين تعلم
منهما الفلك الملك عضد الدولة البويهي ونبغ في عصره وعصر أخيه شرف الدولة
(وقد مر ذكرهما) كثيرون لما كان لهما من العناية بتعضيد الفنون.
لها بقية
((يتبع بمقال تالٍ))