للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


فتاوى المنار

صَدَّق به وصَدَّق له
(س١) من صاحب الإمضاء مدير مجلة الأديان في بانجاب بالهند
سيدي العزيز:
كَتَبْتَ في أحد أعداد المنار (كما سَمِعْتُ) أن هناك فرقًا بين قولنا (صَدَّق له)
(وصَدَّق به) ، وقلت إن الأخير يفيد معنى التحقيق والإمضاء، والأول يفيد معنى
الإتمام (أي تحقق مضمون الشيء) ، وما استعمله القرآن بالنسبة إلى التوراة
والإنجيل هو التعبير الأول، وهذا التفسير هو الجدير بالاعتبار، ويحل الإشكال
الذي بين المسلمين والنصارى في مسألة شهادة القرآن لكتبهم، وإني أَعُدُّ لكم فضلاً
كبيرًا عليّ إذا أقمتم لي الدليل على هذا الفرق بين العبارتين؛ حتى يتيسر للإنسان
أن يقتبسه كلما قام جدال بيننا وبينهم في هذه المسألة، وأملي أن تبادروا بالجواب.
... ... ... ... ... ... ... ... عبدكم (؟) المخلص
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... شرالي
... ... ... ... ... ... ... ... ... مدير مجلة الأديان
(ج) إن ما أشرتم إليه من التفرقة بين صَدَّق به، وصَدَّق له وقع في رسالة
الدكتور محمد توفيق صدقي لا في كلام المنار، وما ينشر في المنار لغيرنا لا يصح
أن نطالب بالدليل عليه، بل نُسْأَل عن رأينا فيه، والذي يؤخذ من استعمال القرآن
لكلمة التصديق، ومااشتق منها، ومن استعمال العرب هو أن " صَدَّق " فعل يتعدى
بنفسه كما قال تعالى: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ} (الصافات: ٣٧) ،
وأن التصديق يكون بالقول كقولك: صدق فلان فيما أخبر به، ويكون بالفعل،
ومثاله أن تقول: إن فلانًا سيفعل كذا، ويقول كيت وكيت - فيفعل ذلك الفعل، أو
يقول ذلك القول، فهذا يسمى تصديقًا لما قلته عنه، سواء أراد به ذلك أم لا، كل
جائز في اللغة مستعمل فيها، فتصديق نبينا - صلى الله عليه وآله وسلم -
للمرسلين عليهم السلام، ولكتبهم يصح فيه الوجهان - يصح أن يراد به إخباره
بصدقهم فيما بلغوه عن الله تعالى، وأن يراد به أن بعثته، وصفاته، وأفعاله دلت
على صدقهم في البشارة به، وبكل من القولين قال أهل التفسير المأثور والمعقول،
والقرائن ترجح أحدهما على الآخر في المواضع المختلفة.
ولم يرد صدّق متعديًا باللام فيما نعلم، أما مثل قوله تعالى: {وَآمِنُوا بِمَا
أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} (البقرة: ٤١) وقوله: {وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ} (البقرة: ٩١) فاللام فيه للتقوية، لا للتعدية، وهو بمعنى قوله: {وَهَذَا كِتَابٌ
أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} (الأنعام: ٩٢) ، ومعنى ذلك أنه دال على
صدق تلك الكتب فيما بشرت به من بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ناطق
بصدق أولئك المرسلين فيما جاءوا به عن الله تعالى، فإن أريد بالتصديق القولي منه
فهو لا ينافي ما أثبته في آيات أخرى من تحريف القوم لبعض تلك الكتب الصادقة،
ونسيانهم حظًّا منها ومثاله أن يقول قائل لقوم إن فلانًا المؤرخ صادق، وإن ما كتبه
لكم من تاريخكم، أو تاريخ كذا صحيح، ولكنكم نسيتم بعض ما جاءكم به فلم
تحفظوه، وحرفتم بعض كلمه فلم تبينوه، ولم تستبينوه، هذا هو التحقيق في تفسير
الآيات الواردة في هذه المسألة، وقد فصلنا القول فيها في مواضعها من التفسير
وأيدناه بالدليل.
وأما قولهم: صدق بكذا أو بفلان، فهو ليس من التصديق الذي معناه مجرد
إثبات الصدق بالقول أو الفعل، فإن التصديق بمعنى إثبات الصدق يتعلق بالأقوال لا
بالأشخاص والأشياء، فإذا أُسْنِد إلى الأشخاص؛ فإنما يُسْنَد إليهم باعتبار مضاف
محذوف (فمعنى صَدَّق المرسلين) ، صَدَّق أقوالهم، فإذا عُدِّي التصديق بالباء كان
متضمنًا لمعنى الإيمان، فكان تصديق اعتقاد محله القلب، فالتصديق بالنبي هو
الإيمان بنبوته، لا قولك بلسانك إنه صادق، ولا فعلك فعلاً يدل على صدق كلام قاله
وأما تصديقه فيشمل هذا وذاك، والمُصَدِّق باللسان قد يكون غير مُصَدِّق بالقلب،
وحقيقة معنى تضمين فعل معنى آخر هو أن تضم معناه إلى معنى الفعل الأصلي
بتعديته إلى ما يتعدى إليه؛ لكي يدل على معناه أولاً وبالذات، وتبقى دلالته على
معناه الأصلي مرادة، ولو على سبيل اللزوم والإكمال كقوله تعالى {وَلاَ تَأْكُلُوا
أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُم} (النساء: ٢) ، أي لا تأكلوها بضمها إلى أموالكم لتكون
ربحًا لكم ككسبكم، وهذا لا ينافي الأكل منها بمخالطة اليتيم، وإشراكه مع الوصي في
المعيشة، مع اتقاء الوصي قصد الربح منه، كما أنه لا ينافي ضمها إلى أمواله
لحفظها معها لليتيم لا لنفسه.
وقد اُسْتُعْمِل التصديق في القرآن متعديًا بالباء في أربعة مواضع:
١- قوله تعالى حكاية لبشارة الملائكة لزكريا: {أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى
مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّه} (آل عمران: ٣٩) .
٢- قوله تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ} (الزمر: ٣٣) .
٣- قوله تعالى: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} (التحريم: ١٢) ، أي
السيدة مريم عليها السلام.
٤- قوله: {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} (الليل: ٦) ، فكل موضع من هذه
المواضع يراد بالتصديق فيه الإيمان المستلزم للتصديق اللساني، والحسنى صفة
لمحذوف قيل هو كلمة التوحيد، واختار شيخنا أنه الشريعة والملة.
والإيمان يتعدى بنفسه بالباء، وإذا تعدى باللام كان متضمنًا لمعنى الاتباع،
كما لا يخفى على من استقرأ استعماله في الكتاب العزيز، وكلام فصحاء العرب
والله أعلم.
***
أول الخلق وكونه
نور النبي صلى الله عليه وسلم
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (تأخر كثيرا)
(س٢) من صاحب الإمضاء في الجامع الأزهر.
فضيلة الأستاذ! بعد تقديم اللائق بمقامكم، أعرض على حضرتكم مسألة
طالما تكررت على مسامعنا، ولم نفقه لها معنى، وسألت عنها بعض مشايخي
بالأزهر، فأجابوا بأنها من مواقف العقول فأرجو من فضيلتكم الشرح عنها.
سمعنا أن الأشياء خُلقت من نوره - صلى الله عليه وسلم -، وأنه موجود
قبل الكائنات، فما معنى النور الذي خُلقت منه الكائنات؟ ، وكيف يقبل القسمة مع
أنه من المكيفات؟ ، وكيف يكون النبي أولاً وآخرًا؟ أجيبوا لا زلتم للدين منارًا.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كاتبه
... ... ... ... ... ... ... ... أحمد مصطفى السقا
(ج) ما يُذْكَر في الموالد، وبعض الكتب من كون أول الخلق نور النبي -
صلى الله عليه وسلم - لا يصح منه شيء، فما يبنى عليه من الإشكال ساقط،
يصدق عليه ما قلناه في الأمر الثاني من جواب السؤال عن عدد صفات الله تعالى،
وعلمه بها (في ص ٧٣٩ م ١٧) .
وتجدون البحث في مسألتكم مفصلاً في (ص٨٦٥-٨٦٩) من مجلد المنار الثامن.
***
كتاب الجفر
وحديث الاستعاذة من الحَوْر بعد الكَوْر
(س٣و٤) من صاحب الإمضاء في جهة أبي كبير (الشرقية)
حضرة السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار المنير
السلام عليكم ورحمة الله، وبعد فنرجو أولاً التكرم بإفادتنا عن كتاب الجفر
المنسوب للإمام علي - كرم الله وجهه - هل هو صحيح أو باطل، وما هي أدلة
المثبتين، وما هي أدلة النافين، وما هو رأيكم الخاص.
ثانيًا: ما معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: (نعوذ بالله من الحَوْر بعد
الكَوْر) .
... ... ... ... ... ... ... ... هذا وتنازلوا بقبول فائق احترامي
... ... ... ... ... ... ... ... أبو هاشم علي قريط
(ج) أما كتاب الجفر فلا يُعْرَف له سند إلى أمير المؤمنين، وليس على
النافي دليل، وإنما يُطْلَب الدليل من مدعي الشيء، ولا دليل لمدعي هذا الجفر.
وأما معنى الحديث فقد قال ابن الأثير في النهاية: (نعوذ بالله من الحور بعد
الكور) أي من النقصان بعد الزيادة، وقيل: من فساد أمورنا بعد صلاحها، وقيل: من
الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا منهم، وأصله من نقض العمامة بعد لفها. اهـ
وفي لسان العرب: يقال كار عمامته على رأسه إذا لفها، وحار عمامته إذا نقضها.