للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


فتاوى المنار

حكم من قال: أنا في جاه النبي، وحديث (توسلوا بجاهي)
(س ٤٨) من أحمد أفندي البدوي في (القناطر الخيرية) .
ملخص السؤال: إن بعض المجاورين في الأزهر عندهم اتخذ دكانًا كبيرًا لبيع
الحلاوة، وقد وقف خطيبًا على جمهور من الأفاضل وقال لهم: من قال أنا في
جاه النبي فقد كفر. فقال له السائل: قال عليه الصلاة والسلام (توسلوا بجاهي فإن
جاهي عظيم) ، فأجابه بأن هذا حديث مكذوب، هات لي حديثًا من الكتب الستة أو
آية من القرآن. ويطلب بلسان أهل البلد بيان الحق في ذلك.
(ج) إن الرجل قد أخطأ في كلمة وأصاب في كلمة: أخطأ في تكفير من قال
أنا في جاه النبي صلي الله عليه وسلم، وأصاب في قوله: إن عبارة (توسلوا بجاهي)
إلخ ليست حديثًا مرويًّا عنه صلى الله عليه وسلم، بل هي من الموضوعات كما
سبق لنا القول في المنار غير مرة.
أما الكفر بمعني الارتداد عن الإسلام فهو إنما يكون بإنكار شيء مما جاء به
صلى الله عليه وسلم، عُلِمَ من الدين بالضرورة إجماعًا كالقرآن كله أو بعضه،
وككون الصلوات المفروضة خمسًا. ولعل الرجل ما قال بالتكفير إلا وهو يظن أن
من قال تلك الكلمة فهو يعني بها أن النبي صلي الله عليه وسلم ينفع أو يضر من
دون الله. وهي ليست نصًّا في ذلك، وإذا كان من لوازمها القريبة أو البعيدة، فلازم
المذهب ليس بمذهب لا سيما في باب الردة وإنني أرى الناس يستعملون هذه الكلمة
(أنا في جاه النبي) لإنشاء استعظام الأمر أو استفظاعه. يقول قائل: فلان شرير
يخشى ضره أنا في جاه النبي. ويريد الآخر أن يبالغ في تصديقه فيقولها أيضًا، ولا
يكاد قائلها يقصد الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم لينقذه من شر الرجل. هذا وإن
الكلمة لم يرد بها كتاب ولا سنة ولا أثر عن الصحابة أو الأئمة، فتركها أسلم من
استعمالها وإن لم تكن كفرًا. فلا يليق أن يجعل اسم النبي (صلى الله عليه وسلم)
عنوانًا على الاستفظاع، كما هو المستعمل، وإن قصد قائلها أنه ينجو من الشر
والعذاب ويصيب الخير والثواب بجعل نفسه في جاه النبي صلي الله عليه وسلم قولاً
- فقصده هذا مخالف لهدي النبي وما جاء به من أن النجاة في الآخرة إنما تكون
بالإيمان والعمل الصالح. وأن أمر الدنيا مبني على الأسباب وسنن الله التي لا تتغير،
والتي بمراعاتها انتصر المؤمنون معه صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهم فئة قليلة،
وولوا الأدبار يوم حنين وهم كثيرون، وانكسروا كذلك يوم أُحُد.
***
صخرة بيت المقدس
(س ٤٩) من محمد أفندي عبد الكريم بمدرسة الناصرية بمصر.
ما قولكم في الصخرة المقدسة الموجودة ببيت المقدس ببلاد الشام، وفي أي
زمن قُدِّست؟ ومن أطلق عليها اسم التقديس؟ وهل هي حقيقة متصلة بالجبل،
ومعلقة بين السماء والأرض؟ وما هي الحقيقة فيها؟ لازلتم كهفًا للواردين،
وملجأ للقاصدين، ودمتم.
(ج) لم يرد في كتاب الله ولا في أحاديث رسوله وصف الصخرة بالمقدسة
وإنما وصفت تلك البلاد كلها بالأرض المقدسة؛ لظهور الأنبياء والمرسلين فيها،
وبإرشادهم تتقدس نفوس الناس من الشرك والرذائل. وكانت الصخرة ومازالت قبلة
اليهود، فهي معظمة ومعدودة من الآثار الشريفة؛ لأنها من آثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وليست متصلة بالجبل ولا واقفة في الجو، وإنما هي سقف لمغارة صناعية وقد سبق لنا وصفها، فراجع ص ٢٦٦ من المجلد السادس.
***
مشكلتان في القضاء الإسلامي
(أحدهما واردة على حكم القاضي باجتهاده، والثانية على تعدد المذاهب)
وجه إلينا السؤالين الآتيين بعض كبار علماء القوانين والفقه في ملأ من
الفضلاء سامرين عنده، ورغب إلينا أن نجيب عنهما في المنار، وقال: إنه سأل
بهما بعض الفقهاء المشهورين، فلم يحسنوا جوابًا، وقد أجبنا هناك جوابًا مجملاً
نفصله هنا.

(السؤال الأول)
(س ٥٠) قرر الفقهاء أن يكون القاضي مجتهدًا، ومعناه أنه يحكم بما أداه
إليه اجتهاده، ويلزم من هذا أن يكون المتحاكمون جاهلين بالأحكام التي يحكم لهم أو
عليهم بها، وفي ذلك ما فيه، وهو مما يعد على الفقه الإسلامي.
(ج) إن الدين الإسلامي لم يأت بقوانين وأحكام مفصلة لجميع ما تحتاج إليه
الأمة في معاملاتها الدنيوية، وإنما جاء ببعض القواعد العامة والأحكام التي احتيج
إليها في عصر التنزيل، وفوض القرآن الأمر فيما يحتاج إليه من أمور الدنيا:
السياسية والقضائية والإدارية، إلى أهل الرأي والمعرفة بالمصالح من الأمة بقوله:
{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (الشورى: ٣٨) وقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (النساء: ٥٩) فهذا ما جاء به الإسلام، وهو
هداية تامة كاملة لا تعمل بها أمة إلا وتكون مستقلة في أمورها مرتقية في سياستها
وأحكامها، يسير بها أهل الرأي والمعرفة في كل زمان ومكان بحسب المصلحة التي
يقتضيها الزمان والمكان، ومن ذلك أن يضعوا القوانين وينشروها في الأمة، ويلزموا
القضاة والحكام باتباعها والحكم بها، ولكن المسلمين لم يهتدوا بذلك على وجه الكمال.
أما أهل الصدر الأول؛ فقد قاموا بما تقتضيه حال الزمان والمكان بقدر
الإمكان، لاسيما على عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقد كان ما هو
معروف عندهم أتم المعرفة من أحكام القرآن، وأقضية الرسول وسنته في تحري
العدل والمساواة - وافيًا بمعظم حاجاتهم القليلة بمقتضى السذاجة الفطرية، وشظف
العيش والتمسك بالدين، ومن لوازمه قلة الاعتداء والاحتيال، فكان يكتفى في
القاضي أن يكون عالمًا بما ذكر، صاحب بصيرة فيه، وعدالة في نفسه، بحيث إذا
عرض له قضية لم يرد فيها كتاب ولم تمض بها سنة - ولعل ذلك قليل - أن يعمل
رأيه تطبيقها على العدل، ويقيسها بما يشبهها مما ورد. ولم يكن الناس في ذلك
العهد يشعرون بأنهم في حاجة إلي معرفة ما عساه يعرض من أحكام القضايا غير
المنصوصة ليدون وينشر، بل لم يكن ذلك متيسرًا لغلبة الأمية على المسلمين
ولتفويضهم أمر الذين يدخلون في ذمتهم إلى حكم أنفسهم بأنفسهم. ونتيجة ذلك أنهم لم
يكونوا محتاجين إلى وضع القوانين ونشرها، ولذلك صرفوا همتهم إلى الدعوة إلى
الإسلام، وما يتبع ذلك من الفتوحات.
ومما يدل على أن ما كانوا عليه كان كافيًا في إقامة العدل وراحة الناس
وأمانهم، بحيث لا يشعرون بحاجة إلى معرفة ما كانوا يحكمون به - ما رواه ابن سعد
في الطبقات وابن راهويه عن عطاء قال: كان عمر يأمر عماله أن يوافوه بالموسم،
فإذا اجتمعوا قال - أي على مسمع الملإ من أهل الموسم الواردين من الجهات -: (يا
أيها الناس، إني لم أبعث عمالي عليكم؛ ليصيبوا من أبشاركم ولا من أموالكم ولا من
أعراضكم إنما بعثتهم ليحجزوا بينكم وليقسموا فيئكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك
فليقم) فما قام أحد إلا رجل قام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عاملك فلان ضربني مائة
سوط. قال: فيم ضربته؟ قم فاقتص منه.
فقام عمرو بن العاص فقال: يا أميرالمؤمنين، إنك إن فعلت هذا يكثر عليك،
وتكون سنة يأخذ بها من بعدك. قال عمر: أنا لا أقيد وقد رأيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقيد من نفسه؟ [١] قال عمرو: فدعنا لنرضيه. قال: دونكم فارضوه.
فافتدى منها بمئتي دينار، عن كل سوط بدينارين. اهـ والشاهد في عدم
قيام أحد من أهل الموسم يشكو العمال غير هذا الرجل، وقد كتبنا في المجلدين
الرابع والخامس من المنار مقالات أو نُبذًا في القضاء في الإسلام، ومما كتبناه
في أول النبذة الرابعة ما نصه (ص ١٦٦ م ٥) .
(أركان القضاء وأصول الحكم في الإسلام أربعة: الكتاب العزيز والسنة،
والاجتهاد في الرأي والمشاورة في الأمر. وإنها لأركان عظيمة، وأصول قويمة،
والأساس الذي بنيت عليه هذه الأركان: (درء المفاسد وجلب المصالح والمنافع)
ولهذا كان الاجتهاد شرطًا في القاضي؛ لوجوب تطبيق الأحكام على المنفعة في كل
زمان ومكان بحسبه. وأقول الآن: فقد كان قضاة المسلمين ممن يسمون بلسان
الأوربيين الآن بقضاة العدل والإنصاف. ثم أوردنا الأحاديث وآثار الصحابة الدالة
على تلك الأركان، ومما أوردناه في سنتهم في الاستشارة وعدم الاستبداد فيما لا نص
فيه ما جاء في (ص ١٢٧ م ٥) .
(روى الدارمي والبيهقي عن ميمون بن مهران قال: كان أبو بكر إذا ورد
عليه خصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي به قضى به بينهم، وإن لم
يجد في كتاب الله نظر هل كانت من النبي صلى الله عليه وسلم فيه سنة، فإن علمها
قضى بها، فإن لم يعلم خرج فسأل المسلمين فقال:أتاني كذا وكذا، فنظرت
في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أجد في ذلك شيئًا،
فهل تعلمون أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قضى في ذلك بقضاء؟ فربما قام
الرهط، فقالوا: نعم، قضى فيه بكذا وكذا، فيأخذ بقضاء رسول الله (صلى الله
عليه وسلم) ويقول عند ذلك: (الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا) وإن
أعياه ذلك دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم (أي الذين هم أولو الأمر في الآية)
فاسثشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على الأمر قضى به. وإن عمر بن الخطاب كان يفعل
ذلك، وكان يرجع إلى أقضية أبي بكر ... إلخ. أقول: فأنت ترى أن ما جروا
عليه في الصدر الأول كان منتهى الكمال الممكن في عصرهم الكافل
لحاجتهم.
ولكن حدثت للمسلمين بعد ذلك حاجات أخرى: فقد فتحوا المدائن والأمصار،
ودخل الناس في دينهم أفواجًا من جميع الأمم والملل، فكثرت حاجات العمران،
وحدثت للناس أقضية كثيرة لم يكن لها نظير في الصدر الأول، كما قال عمر بن
عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بحسب ما أحدثوا. ثم إن هؤلاء الناس لم يكونوا من فهم الدين والاهتداء به كما كان أهل العصر الأول، ومن ثم احتيج إلى وضع
قوانين عامة يعرفها الناس ويتقاضون بها، وكان يجب بمقتضى هداية القرآن أن
يجتمع لذلك أولو الأمر، وهم المعبر عنهم في الأثر المذكور آنفًا برؤوس المسلمين
وعلمائهم، فيضعوه، وتجري الأحكام عليه، ما لم يروا تحويره وتنقيحه. ولكنهم
تركوا ذلك للأفراد يكتبون متفرقين ما يظهر لهم أن الأمة محتاجة إليه فكثرت المذاهب
والآراء، وكان ينصب القاضي من هؤلاء الأفراد المنصرفين إلى وضع الأحكام
برأيهم واجتهادهم، حتى إذا ما ضعف العلم بفشو تقليد أفراد من المصنفين في
الأحكام، صار الحكام المستبدون يولون القضاء أفرادًا من متعلمي مذاهبهم، فكان ذلك
نقصًا في القضاء عند المسلمين؛ سببه عدم الاهتداء بما سبق تقريره من أصول
الدين، مع ما طرأ عليهم من الأمراض الاجتماعية والفتن السياسية، فتبعة
التقصيرعلى المسلمين، لا شيء منه يلصق بهداية الإسلام.
فوض القرآن لجماعة أولي الأمر أن يستنبطوا للأمة ما تحتاج إليه بالشورى فلم
يفعلوا، ونهاهم عن تقليد الأفراد فقلدوهم، ونهاهم في آيات كثيرة عن التفرق
والخلاف فتفرقوا واختلفوا، ولو وضع لهم أولو الأمر قانونًا مدونًا لا خلاف فيه،
بحيث يعرف الحاكم والمحكومون ما به يكون الحكم، لكانوا مهتدين بهدي الإسلام،
ولم يمنع ذلك من أن يكون القاضي مجتهدًا، كما كان في عهد السلف مع التزام أحكام
الكتاب والسنة، فإن ما يضعه أولو الأمر لمصلحة الدنيا واجب الاتباع بنص
القرآن، كما يجب اتباع الله ورسوله. وحينئذ يكون جل اجتهاد القاضي في تطبيق
أحكام الكتاب والسنة وقانون أولي الأمر على القضايا، وأقله فيما عساه يعرض من
القضايا التي أغفلها القانون ولا نص فيها، ويشترط في ذلك أن يقرن اجتهاده باجتهاد
غيره. كما يحصل نظير ذلك في محاكم الاستئناف على الطريقة الأوربية.
(السؤال الثاني)
(س ٥١) إن ما جرى عليه المسلمون من حكم القاضي بأحد المذاهب التي
قلدها الجمهور (وهو مذهب الحاكم العام في كل مملكة غالبًا أو دائما) يستلزم إذا
استبدل قاض تابع لمذهب بقاض تابع لآخر، أن يحكم القاضي الجديد بمذهبه بين
المتعاقدين مع مراعاة مذهب من قبله، وقد تكون الشروط الأولى التي التزموها
ورضوا بها لموافقتها المصلحة، باطلة عند القاضي الأخير، فتفسد المصلحة على أحد
المتعاقدين أو كليهما. ومما يدخل في هذا الباب انتقال المتعاقدين أو الشريكين من بلد
إلى آخر يخالف مذهبه مذهب الأول. ومثل هذا مما صرحت القوانين الأوربية
بحكمه.
(ج) هذا مما يرد على المسلمين وفقههم، ولا يرد على أصول الإسلام نفسه.
وهي التي نلتزم في المنار بيان موافقتها لمصلحة الناس في كل زمان
ومكان، إذا أقيمت على وجهها دون هذا الفقه. وبيان ذلك يعلم مما تقدم في المسألة
السابقة من أن القرآن وَكَّلَ ذلك إلى أولي الأمر يستنبطونه بالمشاورة بينهم، لا
يلتزمون في ذلك إلا الأصول المنصوصة المجمع عليها من إقامة ميزان العدل،
ودرء المفاسد وحفظ المصالح، وهذا لا يمكن مع التقليد الذي هو التزام الأمة مذهب
أحد أفراد العلماء السابقين، ولذلك ننحي دائمًا على التقليد، ونقول: إنه والإسلام
ضدان. والحكم بما يضعه أولو الأمر على ما ذكر ليس تقليدًا، بل هو عين الاجتهاد
ولا يرد عليه ما يضعه جماعة منهم في مملكة، ويراعيه الناس في عقودهم
ومعاملتهم، ثم ينتقل بعضهم إلى مملكة أخرى وضع أولو الأمر فيها قوانين أخرى
على فرض أن الإسلام يجيز وجود مملكتين مختلفتين في الأحكام، ولا ما يقع إذا
مات واضعو قانون وخلفهم آخرون رأوا تغيير بعض أحكامه، فإن مثل هذا واقع الآن
في الأمم المرتقية في علم الحقوق، فإن الأمم يخالف بعضها بعضًا، وكل أمة
تنسخ وتبدل بعض أحكام قوانينها آنًا بعد آن، ويراعون في ذلك مصلحة من تعاملوا
من قبل هذا النسخ والتبديل. وأي مانع يمنع المسلمين من ذلك غير هذا التقليد الذي
خالفوا به القرآن والسنة وأقوال جميع الأئمة.
وجملة القول: إن كل بلايا المسلمين في علم الحقوق عندهم منبعها التقليد.
وهي كثيرة جدًّا، ولو اتبعوا هدي الكتاب والسنة لا نكشف عنهم كل غمة، فقد
وسع الله عليهم. ولكنهم ضيقوا على أنفسهم، ولا يمكن إخراجهم من هذه الهوَّة، أو
إنقاذهم من هذا المضيق، إلا بنزع أغلال التقليد من أعناقهم وكسر قيوده التي في
أرجلهم. وحينئذ يتسنى لهم في أي مملكة لهم فيها حكم أن يؤلفوا لجنة من أهل
العلم والرأي والمكانة في الأمة، تضع لهم القوانين والأحكام التي تدرأ هذه المفاسد
الكثيرة، وتسهل لهم سبل المصالح التي تقتضيها طبيعة زمانهم ومكانهم؛ عملاً
بهدي القرآن الحكيم. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
***
حديث: إن للإسلام صوى ومنارًا
في طرة المنار
(س٥٢) من م. ح. ن. بالحجاز.
المرجو من حضرة الأستاذ الحكيم العالم الرباني سيدي السيد محمد رشيد رضا
أفندي: أن يفيدني عن هذا الحديث (إن للإسلام صوى ومنارًا كمنار الطريق) في
أي كتاب من الكتب الحديثية المعتبرة هو؟ وفي أي باب هو؟ فصحيح هو أو
ضعيف، ويشرح لي معناه. لا زال في مقام كريم على رغم أنف كل حاسد لئيم ,
أمين.
وقد رأيت في (الرحمة المهداة لمن يريد الزيادة على حديث المشكاة) لنجل
المرحوم السيد صديق حسن خان ملك بهوبال في باب السلام، حديثًا يخالف ما هو
على طرة المنار الأغر (إن للإسلام صوى بينا كمنار الطريق) وهو طويل، ما أعلم
هل الذي على طرة المنار له زيادة، أم هو كما هو على طرة المنار. أرجو
الإفادة عنه سيدي.
(ج) ترون الحديث في الجامع الصغير باللفظ الذي ترونه في المنار، معزو
إلى الحاكم عن أبي هريرة وبجانبه علامة الصحة، وترون بعده حديثًا آخر (إن
للإسلام صوى وعلامات كمنار الطريق، ورأسه وجماعه شهادة أن لا إله إلا الله،
وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وتمامه الوضوء) وهو معزو
إلى الطبراني عن أبي الدرداء وبجانبه علامة الضعف. أما معناه: فالصُّوة بضم
الصاد المهملة، كالكوة: حجر يكون علامة في الطريق، يهتدي به المارة.
والجمع: صوى؛ ككوى، وهو جمع قياسي كغرفة وغرف. قال في لسان العرب:
وفي حديث أبي هريرة (إن للإسلام صوى ومنارًا كمنار الطريق) . قال أبو عمرو:
الصوى أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي والمفازة المجهولة، يهتدي بها المارة.
وقال الأصمعي: الصوى: ما غلظ من الأرض وارتفع، ولم يبلغ أن يكون جبلاً.
قال أبو عبيد: وقول أبي عمرو أعجب إلي، وهو أشبه بمعنى الحديث. اهـ، وقال
في مادة (نور) : والمنار والمنارة موضع النور. ثم قال أيضًا: والمنار العلم
يوضع بين الشيئين من الحدود، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم (لعن الله من
غَيَّر منار الأرض) أي أعلامها، والمنار علم الطريق، وفي التهذيب: المنار: العلم
والحد بين الأرضين. والمنار: جمع منارة؛ وهي العلامة تجعل بين الحدين.
ومنار الحرم أعلامه التي ضربها إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام
على أقطار الحرم ونواحيه، وبها تعرف حدود الحرم، إلى أن قال: وفي الحديث
عن أبي هريرة رضي الله عنه (إن للإسلام صوى ومنارًا) أي علامات وشرائع
يعرف بها اهـ.
ومنه يعلم أن تسمية ما يبنى في المواني ويوضع فيه النور لتهتدي به السفن
ليلاً بالمنار، له وجهان: أحدهما أنه موضع للنور. وثانيهما: أنه علم يهتدى به.
ولكن الناس يسمونه الفنار وهو لفظ أعجمي، لا يبعد أن يكون محرفًا عن المنار.
ويصح أن تسمى الأعلام الحديدية التي توضع في السكك الحديدية؛ لهداية الوابورات
بالمنار أيضًا.
هذا، وإننا قد اقتبسنا اسم المنار من الحديث الشريف تفاؤلاً بأن يكون مبينًا
لصوى الإسلام، وناصبًا لأعلامه، وموضعًا لنور الحقيقة التي نحتاج إليها في
حياتنا الملية والاجتماعية. والله الموفق والمعين.
***
الرخصة لأصحاب الأشغال الشاقة بفطر رمضان والفدية
(س٥٣) من أمين محمد أفندي الشباسي بمصلحة السكة الحديدية بأتبرا
(السودان) .
فضيلة الأستاذ المرشد:
بعد تقديم واجب الاحترام، أرجوكم الجواب على السؤال الآتي: وهو أننا
عمال في مصلحة السكة الحديد السودانية، نشتغل بإجهاد النفس في ورش جدرانها
وأسقفها من حديد، ولا يخفى على فضيلتكم أن موقع السودان وشدة الحرارة
وتأثيرها على تلك الورش شديد جدًّا، كما لا يخفى على فضيلتكم ما لمفعول الأعمال
البدنية من تنشيط الهضم وسرعته، فهل يرخص الشرع الشريف للمسلم الذي تحيطه
مثل هذه الظروف بإفطار شهر رمضان أم لا؟ وإذا رخص الشرع الشريف، فما
الذي يجب على المفطر أداؤه جزاء على هذه الرخصة؟ أفيدونا على صفحات
مناركم الأغر، ولفضيلتكم الثواب.
(ج) جاء هذا السؤال قبل طبع الملزمة الأخيرة من هذا الجزء، فبادرنا إلى
الإجابة عنه من غير مراعاة ترتيب الأسئلة، فنقول: يباح لأصحاب الأعمال الشاقة
التي عليها مدار معيشتهم - إذا كانوا يتحملون مشقة شديدة بالصيام - أن يفطروا
ويطعموا عن كل يوم يفطرونه مسكينًا؛ لأن الحرج مرفوع من الدين بنص القرآن.
وقد ذكر ذلك الفقهاء، كما في شرح المنهاج للرملي (ص٣٣٩ ج٢) ، وبه فسر
الأستاذ الإمام قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين} (البقرة:
١٨٤) (راجع ٦٥١ م٧) ، وأقل ما يطعمه المسكين مد من الطعام، وقدر
بملء كفي الرجل المعتدل من القمح. وإذا غداه أو عشاه معه أو أعطاه ما يكفي
لذلك من الطعام الذي يأكله هو كفى.