للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الشرقين الأدنى والأقصى

إن زل بالجمل منسم، فهوى إلى الأرض صار نهوضه متعسرًا لضعف
قوائمه، وقد ينكسر له في سقوطه عضو، فلا يبقى لدائه دواء غير سكين الجزار،
وهذا الذي جرى للصين من حين أن زلت بها قدمها في حربها مع اليابان. وقد
سقطت قبلها بروسيا تحت ضربات نابليون وفرنسا تحت سيوف الألمان، إلا أنهما
نهضتا نهوض الجياد من عثراتها، لما في جسم الأمتين من الحياة الأدبية، أما
الصين فهيهات أن يتسنى لها النهوض لخلوها من تلك الحياة.
ما عمرت الصين هذا العمر الطويل إلا بانغلاق أبوابها دون أوروبا، واجتنابها
مخالطة الأوربيين، حتى قد كان في شرائعها أن الصيني الذي يخرج منها لا يعود
إليها، على أن هذا الانغلاق الذي كان سبب حياتها فيما مضى يكاد يكون سبب موتها
في هذا الزمان، فإن السبب الكلي في هجوم أوروبا عليها هو فتحها للتجارة
والصناعة الأوروبية. فلو أن الصين انفتحت من تلقاء نفسها، واقتبست فضائل
التمدن الحديث، نابذة رذائله، وسارت سيرة الدول المتمدنة في طريق العمران،
لكفت نفسها شر الوقوع في أيدي الأمم الأوروبية، ولكانت بما فيها من مئات
الملايين من السكان مرهوبة الجانب عزيزة المكان.
ويجدر بسائر الأمم الشرقية أن ترى العبرة في غيرها فتعتبر. فإن الغرب
زاحف بقوة وشدة على الشرق، فإن لم يجاره الشرق ويقابله بعزم وطيد، وبأس
شديد، صار لقمة في فيه، وباتت خيراته مطمعًا لبنيه.
وأول أمة شرقية أدركت هذه الحكمة الدولة العلية والأمة اليابانية. أما اليابان
فمذ بان لها خطر الوقوع في يد الغرب تهافتت على اقتباس تمدنه لمدافعته بسلاحه
فما مضى عليها زهاء ٥٠ أو ٦٠ عامًا حتى اقتعدت في المجد مقعدًا قصيًّا وأصابت
وسادًا مثنيًا. وأصبحت وهي لا تخشى للغربيين بأساً ولا ترهب لهم بطشًا.
وأما الدولة العلية - أيدها الله -، فقد أخذت تنحو هذا النحو، واندفعت إلى
اقتباس فضائل التمدن العصري، رغبة في الوصول إلى وسائل القوة والسعادة،
فأنشأت دور الفنون والعلوم والمكاتب في كل جهات المملكة، والمستشفيات،
وملاجئ العجزة، وانصرفت إلى الاهتمام بالزراعة والصناعة، ولا تزال تسعى في
تلك الحلبة سعيًا حميدًا.
وقد تجرأ بعض الكتاب على تشبيه الشرق الأقصى بالشرق الأدنى وهو تشبيه
يدفعه عقلاء الغربيين أنفسهم ووجه الشبه عندهم أن في الشرقين خللاً واحدًا والدول
راغبات في التهامهما رغبة واحدة.
نقول: أما رغبة الدول فمما لا يجب البحث فيها، وهن قد يرغبن في تناول
النجم إذا استطعن إليه سبيلاً، وأما الوجه الثاني: فمما يقتضي دقة النظر وإمعان
الفكر.
الصين أمة قديمة مغلقة، لا يعلم عنها ما هو كاف للحكم عليها، فقد يكون في
باطن تلك الولايات الشاسعة المغلقة قوة وبأس وحياة، وقد يكون فيها عفن وظلمة
وانحطاط شنيع، غير أنه قياسًا على بلدانها المفتوحة، لا نظن بلدانها المغلقة أصلح
حالاً وأنعم بالاً، وبيانًا لحال البلدان المفتوحة حسبنا أن نقول: إن ألمانيا احتلت
كياوتشو بلا حرب ولا نزاع، ولما نزلت الجنود الألمانية إلى المدينة أخلتها الجنود
الصينية على الفور، خارجة منها بخوف وهلع، خروج الغنم من صيرها، فأين
هؤلاء من أبطال ملونا ودوموكو. أين تلك الشعوب الجاهلة البليدة من هذه الأمم
المتعددة الصاعدة في مراقي التمدن في الشرق الأدنى تحت أكناف الدولة العثمانية.
زر بيروت وأزمير والآستانة، ألا ترى نفسك في بلاد متمدنة. إن أمم الشرق
الأدنى خارجة من ظلمة الماضي خروج الزهور من أكمامها وما يشبهها بالشرق
الأقصى إلا كل من يريد أن يتمحل عذراً لأطماعه فيها.
والخلاصة: أن الشرق الأقصى لا يشبه الشرق الأدنى، كما ذهب إليه بعض
كتاب الغرب ونقله عنهم بعض كتابنا. ونحسب إهانة للأمة التركية والمصرية
والسورية والعربية تشبيههم بالأمة الصينية. وكفى فارقًا بين الأدنى والأقصى كون
الأول مستيقظًا عاملاً على اقتباس التمدن الحديث، مجاراة لمقتضيات العصر وعنده
من القوة ما يقاوم به أخصامه، والثاني نائمًا ببلادة وكسل فوق فوهة الهاوية.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (ف)