للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: عبد الحميد الزهراوي


كيف يكون النقد؟ [*]
كلام في كتاب التعليم والإرشاد ومسائل شتى

وقع نظري على كتاب ظهر في هذه الأيام عنوانه: (التعليم والإرشاد) كتبه
(السيد محمد بدر الدين الحلبي) قرأته فسرني أن مؤلفه كتبه بتفكر - والمتفكرون
قليل - ولم يسؤني أن كثيرًا من نتاج ذلك الفكر تأباه الأدلة وتنكره معارف العارفين؛
لأن المؤلف ليس أول واحد ذهل أو خطأ بل بنو آدم شرع في وقوع الخطأ منهم،
ولا يخلص من مثل هذا إلا من أخلصهم الله من عباده المصطفَيْن.
وسرني أن كاتبه لم يأبَ أن تُنتقد آراؤه التي حررها فلهذا أقدمت على ما لا
يسوءه من نقد هذا الكتاب.
اشتهر عند الناس أن معنى النقد والانتقاد هو الذم والطعن وليس كذلك وإنما
النقد هو التمييز وكشف خوافي الشيء فتقول: هو حسن، وقد تنقده فتقول: هو
رديء وقد تقول: غب النقد أن فيه ما يصلح وما لا يصلح , وفوائده كثيرة أهمها
حمل الكاتبين على التحري والإجادة ومحاسبة أنفسهم على ما يكتبون وذلك مدعاة
الكمال.
والذين يقولون في آراء الناس هذا خطأ وهذا صواب قد كتب العدل عليهم أن
ينظروا بالتي هي أحسن لقول الناس في آرائهم، ولا أرى مؤلف هذا الكتاب إلا من
أهل العدل من أجل ذلك أطمع أن ينظر إلى قولي في آرائه بالتي هي أحسن.
ولو كان خطأ المؤلف مما لا يُحصى كبعض المؤلفات لما صرفت شيئًا من
الوقت في نقد كتابه ولكن ما هنالك من ذهول أو خطأ نراه يعد، والخطأ المعدود لا
ينقص قيمة صاحبه.
وقد يكون الخطأ مما يحصى ولكنه كثير فلا يستطيع المحصي أن يحيط به
كله وهذا شأني في هذا الكتاب فقد تتبعته فوجدت الخطأ فيه كثيرًا ورأيت الإحاطة
بالكل صعبةً فاقتصرت على المهم وهو في نحو ثلاثين موضعًا.
ومن استكثر ثلاثين خطأً كبيرًا في كتاب صغير كل ما فيه أنه أسهب وأبدأ
وأعاد في وصف حال التعليم قد يقول: إن هذا الكتاب مملوء غلطًا. فنقول لهذا:
إن الكتاب يشفع له اهتمام المؤلف بهذا الموضوع ومشاركة مؤلفه - وهو أزهري -
للذين ينادون على الأزهر بالعيوب، وقد أسلفنا أن الخطأ المحصَى لا يستدعي
انصراف النظر وإنما يستدعي التذكير وهو ما أردنا بهذا التحرير.
التناقض الذي هو في الكتاب
رأيت كثيرًا من التناقض في عبارات المؤلفين ولكن لم أَرَ أغرب مما في هذا
الكتاب من التناقض؛ لأنني صادفت مؤلفين تطول عليهم المسافة بين موضع
وموضع من مواضع الكلام فيأتون في كل موضع بكلام ينقض ما أبرموه في
الموضع الآخر، وههنا صادفت التناقض في الموضع الواحد والعبارة الواحدة
وصادفته في صفحة والتي بعدها وصادفته فيما هو أبعد من هذا، ولكنه بعد لا يعتد
به.
والذي أحاط به إحصائي من مناقضات هذا الكتاب يجده المطلع كما وجدته في
خمسة مواضع:
الأول: ذكر في أول التمهيد في عبارة واحدة من غير انفصال أن وظيفة
الدعوة إلى الدين (غير موجودة) عندنا معشر المسلمين وفي العبارة نفسها ذكر أنها
(موجودة) وهذه عبارته (ص٩) ليس يشك أحد في أن لكل دين من الأديان
حملة.. ومرشدين.. ودعاة.. وفي (ص١٠) لا نعرف للدعاة اسمًا عرفيًّا
يخصهم عندنا نحن المسلمين (إذ ليس لهم وجود) حتى يضع لهم العرف اسمًا.
لا أقول: إن رجال كل فريق من الثلاثة غير رجال الفريق الأول وإن لكل
وظيفة من هذه الوظائف الثلاث رجالاً غير رجال الوظيفة الأخرى وإنما أقول: إن
من هذه الوظائف الثلاث موجودة عند أهل كل دين من الأديان.
هذه عباراته ولا أرى أحدًا مهما ضعف فهمه يجهل أن بين كلمة (موجودة)
و (غير موجودة) تناقضًا صريحًا لا يحتمل التأويل ولا يحتاج لإقامة دليل.
الثاني: ذكر في موضع أن التعليم في مصر خير منه في البلاد الإسلامية كلها
وذكر في موضع أن نتائج التعليم عند طلبة الأتراك أحسن منها عند المصريين
وذكر في موضع أن نتائج التعليم عند أهل الشام وأهل العراق أحسن منها عند
المصريين وهذه عبارته:
قال في (ص ٦٨) : ومن ذلك ترى أن نتائج التعليم عندهم - يعني طلبة
الأتراك - أحسن منها عند المصريين، فالطالب التركي يتعلم اللغة العربية وطرفًا
من قواعدها في مدة أربع سنوات بحيث يمكنه أن يتكلم باللغة العربية الفصحى
كلامًا خاليًا عن اللحن وإن وُجد فقليلاً، وإن كتب فكذلك. على حين أن الطالب
المصري بعد عشر سنوات لا يمكنه ذلك إلا على سبيل الندرة والشذوذ.
وقال في (ص٦٩) : ونتائج التعليم عندهم - يعني أهل الشام والعراق -
أحسن منها وأوفر منها عند المصريين؛ لأن لهم بعض عناية بتطبيق العلم على
العمل.
ثم قال في (ص ٨٥) : وإذا كان هذا حال العلم والتعليم بمصر وهذه درجته
في الاختلال وكان على علاّته بمصر خيرًا منه في سائر البقاع الإسلامية من الشام
والغرب والعراق والهند وتركستان وبُخَارَى وقازان والروم ايلي والأناطول
فكيف ترى حالة العلم في البلاد الإسلامية وهل شيء يساويها اعتلالاً واختلالاً؟ !
ثم قال (في ص ٨٨) : ولقد كانت الحالة العلمية في البلاد الإسلامية وفي
مصر بنوع أخص في درجة سيئة جدًّا.
الثالث: ذكر في فصل خرج به عن الموضوع من كلام طويل في
(ص ١١٣) أن المسلمين لا توجد فضيلة توجد في أمة من الأمم إلا وهي موجودة
عندهم وما من رذيلة توجد في المسلمين إلا وهي موجودة عند الأمم الأخرى، وفي
آخر العبارة الطويلة نقضها من حيث لا يشعر بقوله: (فليس في الحقيقة من ذنب
لهم سوى أنهم فقراء أفذاذ لا رابطة ترابطهم ولا جامعة تجمعهم) بل قد نقضها
بكتابه كله من أوله إلى آخره؛ لأنه ناطق بمبلغ الجهل الذي وصلوا إليه، وليت
شعري، أي عيب أكبر من الجهل وأية أمة من أمم أوربا يشينها من الجهل ما
يشين هذه الأمة المسكينة؟ أليس هذا المؤلف نفسه يقول (في ص١١) : إن
وظائف التعليم والإرشاد والدعوة أصبحت معتلةً مختلةً فماذا يصلح الفساد إذا فسد
في الأمة أهل هذه الوظائف - كما يقول - وهم الملح؟ ! أليس المؤلف نفسه يشكو
من هذا الفساد العام؟ أما هو القائل (في ص٤١) : وأصبحت مصالح العباد
مهجورةً والحقوق مهدرةً والمستجير بأحدهما - يعني القانون الوضعي والقانون
الشرعي - كالمستجير من الرمضاء بالنار؟ ! وشرح الحالة الحاضرة بأزيد مما
أشرنا إليه مشكل جدًّا والبصير إذا التفت عن يمينه مرةً وعن شماله مرةً أخرى
عرف مقدار الشر والفساد الواقعَيْن على رؤوس العباد.. هذا قوله، أفلا يجد
المرء فيه جوابًا على سؤاله الطويل الذي قال فيه: لو بسطنا صفات الكمال
واحدةً واحدةً وسألنا المنصف أن يذكر لنا أي صفة من هذه الصفات تجرد عنها
المسلمون لم يجد واحدة يقال إنهم قد تجردوا عنها..؟ !
كلا، بل يجد جملة لا واحدة وكتابك يا صاحبنا شاهد على البعض من هذه
الجملة، وكتابك كله ينقض قولك هنا ولقد أجدت في هذه الخطبة التي أسهبت فيها
ولكن فاتك النظر إلى سر هذا الفقر الذي ذكرت، وسبب هذا التمزق الذي وصفت،
وليس هذا هو الذنب كما قلت بل هو من آثار الذنوب، ومن نتاج العيوب، وأبو
الكل الجهل وكفى!
الرابع: قوله (ص١٦٤) في علم التوحيد: إنه من العلوم المضرة وإنه
يجب تركه والإعراض عنه كلية وقد سبق قوله فيه (ص١٣٤) : إنه والفقه هما
العلمان الوحيدان المقصودان لذاتيهما وكل ما عداهما من العلوم فإنما هو وسيلة إليهما
أو وسيلة لما هو وسيلة إليهما، وقال (في ص١٣٥) : إذا تدبرت هذه المقدمة
التي ذكرناها لك علمت أن جميع أصناف العلوم الشرعية كلها آلات لعلم الفقه
والتوحيد وليس غيرهما بينها من علوم المقاصد.
الخامس: قال (ص٢٢٠) في المرحوم الأستاذ الكبير الشيخ محمد عبده:
إنه كان ذا تفريط في أمر العلوم الشرعية ومبالغًا في قلة العناية بها , ونقضه بقوله
فيه (ص١٢٢) : إنه اشتغل مدة حياته بإحياء العلوم الإسلامية.
هذه هي المتناقضات الصريحة وما نظنها وقعت منه إلا ذهولاً. ولئن أزعج
هذا الانتقاد نفس المؤلف فإن الانزعاج في مثل هذا نافع، فمن وطَّن نفسه على
مرارة الانتقاد فكانت علاجًا لذهوله كان ذلك خيرًا له من الإباء وطموح الشهوة
بالنفس إلى طلب حلاوة التفريط التي قد تضر بصحة النهى، والله ولينا وبه
الاستهداء وكلنا يقع منا الذهول وقد سلف هذا وإنما أعدناه قمعًا لعادة النفس فمن
شأنها الإباء على المذكّرين.
ومع هذه المناقضات الخمس ترى في العبارات التي حوتها كثيرًا من الخطأ
فنعده تابعًا لما قبله.
الخطأ السادس والسابع والثامن والتاسع
كلها في قوله (ص٩) : إنه لا يشك أحد في أن لكل دين من الأديان حملة
ومرشدين ودعاة:
(١) ففي نفي الشك من كل أحد بهذا المعنى خطأ؛ لأنه ليس من المعاني
التي يجزم كل أحد بها جزمًا باتًّا عامًّا لعدم الاستقراء.
(٢) في دعوى وجود هذه الوظائف الثلاث في كل دين خطأ؛ لأنه إن
قصد أن الأديان نفسها تنص على هذه الوظائف الثلاث فذلك غير صحيح؛ لأن
ديننا - وهو الذي يصح لنا وله أن ندعي المعرفة به فقط - نجده على أمره بالدعوة
والتبليغ لا ينص على هذه الوظائف الثلاث لا بأسمائها ولا بالتفريق بين معنى
واحدة والأخرى، وأظن أن المؤلف لا يعرف دينًا آخر غير هذا الدين فلم أدرِ كيف
حكم على الأديان كلها وهو يجهل أسماءها، دعْ عنك ما تنطوي عليه! وإن قصد
أن هذه الوظائف الثلاث موجودة في الواقع عند أهل كل دين فهو كذلك غير صحيح
وقد شهد نفسه أن وظيفة الدعوة غير موجودة عند المسلمين، وليعلم أنها غير
موجودة عند اليهود. فكأنه لما رآها موجودةً عند النصارى ظن أنها موجودة مع تينك
الوظيفتين اللتين سماهما عند أهل كل دين.
(٣) وفى تفريقه بين وظيفة الحملة والمرشدين خطأ؛ لأن الحملة إن أدوا
ما تحملوا يكونوا قد أرشدوا أو دعوا وإن لم يؤدوا لم تكن لمعرفتهم ثمرة فليسوا
أصحاب وظيفة. والمرشدون والدعاة إذا كانوا علماء فهم من الحملة، وإن لم يكونوا
من الحملة لم يكونوا من المرشدين ولا الدعاة بل من الغاشّين الوضاعين المفترين
على الدين- كما وصفهم هو- والغش والإضلال والافتراء على الدين متى كانت
وظائف في الدين؟ !
(٤) في إيهام الناس أن المؤلف يعرف كل الأديان خطأ كبير , وهناك
خطأ لا نحصيه عليه وهو التكرير في قوله: (لا أقول إن رجال كل فريق من
الثلاثة غير رجال الفريق الأول، وإن لكل وظيفة من هذه الوظائف الثلاث رجالاً
غير رجال الوظيفة الأخرى) فليتأمل وليتأمل معه من يشاء ممن يكابر في أن هذا
ليس بتكرير , ففي هذه العبارة الواحدة ثلة من الخطأ، بل يكاد إذا ضممنا إلى ما
ذكرنا هنا التناقض الذي أوضحناه - أن يكون في كل كلمة من كلماتها خطأة وهي
أول عبارة في التمهيد.
الخطأ العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر
(١) في قوله (ص٦٨) : إن نتائج التعليم عند طلبة الأتراك أحسن منها
عند المصريين.
و (٢) في قوله: إن الطالب التركي يتعلم اللغة العربية وطرفًا من قواعدها
في مدة أربع سنوات بحيث يمكنه أن يتكلم باللغة العربية الفصحى كلامًا خاليًا من
اللحن وإن وجد فقليلاً وإن كتب فكذلك.
و (٣) في قوله: إن الطالب المصري بعد عشر سنوات لا يمكنه ذلك إلا
على سبيل الندرة والشذوذ.
و (٤) في قوله (ص٨٥) : إن حال العلم والتعليم في مصر على اعتلاله
خير منه في سائر البقاع الإسلامية , وفي قوله (ص٦٩) : إن نتائج التعليم عند
أهل الشام أحسن منها وأوفر عند المصريين؛ لأن لهم بعض عناية بتطبيق العلم
على العمل.
و (٥) في ادعائه أن هناك نتائج حسنة لهذا التعليم مع مناقضة هذه الدعوى
لكتابه كله من أول إلى آخره.
قد سلف التنبيه على ما في هذه الجمل من المناقضات والآن نبين ما فيها من
الخطأ في هذه الأحكام التي ادعاها.
أما قوله: إن نتائج التعليم عند الطلبة الأتراك أحسن منها عند المصريين،
فغير صحيح وأكثر ما يوقع صاحبنا في الخطأ العجلة في الحكم في الكليات مع عدم
الاستقراء ألبتة، فإن كان صاحبنا لم يزر الآستانة وهي أكبر بلد من بلاد الأتراك
الجامعة لمعاهد العلم الكبرى فالبلية عظيمة في أن يحكم على الشيء من غير معرفة
ألبتة، وإن كان قد زارها وعرف حال الطلبة هناك ثم حكم هذا الحكم فالبلية أعظم!
إن العاجز محرر هذه السطور قد أقام في الآستانة سنين وسبر طبقات الناس
فيها ومنهم طبقة الطلبة وأساتذة الطلبة وكنا منذ سنين نكتب ما نعلمه في موضوعه
هذا من أوله إلى آخره في المعلومات وغيرها من الصحف المنتشرة منها مقالات في
العلم والتعليم نشرناها في (ثمرات الفنون) بغير إمضاء فالذي نعرفه يخالف ما
حكم به صاحبنا بيد أن الفرق بين رأينا ورأيه هو أن أحدهما مبني على التروي
وشيء من الاستقراء والآخر ليس كذلك فأحدهما هو الذي يغلب في ظن القارئ أنه
الصواب فأيهما رأي صاحبنا؟ !
قبل كل شيء نقول لصاحبنا ولمن يتلو مقالنا هذا: إن التعليم فيما أعلمه من
البلاد الإسلامية، كله رديء، وأعلم منها حق العلم حال أكثر بلاد الشام وعامة البلاد
المصرية وعاصمة بلاد الترك وأعلم بعض العلم شيئًا من حال التعليم في العراق
وفارس والأفغان والهند وتونس وقفقاسيا ولا أعلم حالته في الجزائر ولا في
المغرب الأقصى ولكني أظنه أردأ وأرذل. أقول: كله رديء بحيث لا يصح أن
يقال: إنه في بلد خير منه في بلد أخرى , ثم أقول: إن ما قاله المؤلف من أن
الطالب التركي يتعلم العربية في أربع سنين بحيث يقرأ صحيحًا ويكتب صحيحًا
إنما يصح إذا كان هذا كرامة من كرامات الأولياء لبعض المعلمين أو المتعلمين،
والكرامة كما يعرفها الناس خارقة للعادة فإذا لم يكن ثمة من كرامة ورجعنا إلى العادة
فالعادة أن الطلبة في الآستانة - ولا أرى عددهم يقل عن خمسة عشر ألفًا - لا ينبغ
فيهم خمسة عشر طالبًا في كل خمس عشرة سنة يقرأون قراءةً صحيحةً. أما من
يكتبون كتابةً صحيحةً فنطالب صاحبنا بواحد منهم في كل خمسين سنة، نسامح
المؤلف في كل شيء إذا كان يهدينا إلى كاتب مجيد باللغة العربية من طلبة الأتراك من
خمسين سنة إلى الآن. لعمرك إن في قوله هذا مبالغة لا أغرب منها إلا المبالغة الثانية
عند مقابلة المصريين بهم بأن المصري لا يحصل في عشر سنين ما يحصله التركي
في أربع.
ربما رأيت أن الطالب المصري لا يحصل المطلوب في عشر سنين على هذه
الطريقة العوجاء ولكن الذي لا أراه هو ما صنعه المؤلف بهذه المبالغة عند المقابلة
بين المصري والتركي. على أنني مع هذا الإنكار لا أدخل في المفاضلة بين ذكاء
التركي والمصري وإنما المناقشة بصدد طريقة التعليم لهذا وذاك وهي عوجاء هنا
وهناك فلِمَ هذا التفريق العظيم والشأن واحد؟ !
وكذلك غير صحيح قوله: (إن نتائج التعليم في الشام والعراق أحسن منها في
مصر؛ لأن لهم بعض عناية بتطبيق العلم على العمل) .
فأما الشام ففيها نشأنا وإياها سبرنا وما عهدنا للناس هناك طريقة غير طريقة
المصريين في تعليم العربية والدين وهما اللذان يريدهما المؤلف اللهم إلا نفرًا
أكرمهم الله واختصهم بعناية منه نشأوا في التعليم على غير ما ينشأ الأقران،
فاقتطفوا شيئًا من ثمرات العرفان في قليل من الزمان، ثم استنارت عقولهم فميزوا
الصحيح من الفاسد والرابح من الكاسد، وهؤلاء قليل والقليل - هداك الله - لا
تُبنى عليه الأحكام العامة ولا تتم به المقارنة التامة.
نعم تمتاز الشام - ونرجو مثل ذلك لمصر - بأنها ليس لها أزهر تُحشر فيه
هذه القطعان! وإنما يتلقى الطلبة هذا العلم هناك على أستاذ في منزله إن كان من
أصحاب البيوتات الكريمة والمظاهر الفخيمة، أو في حجرة من حجرات المدارس
إن كان الأستاذ أقل من ذلك مظهرًا، وقد نجد بعض العلماء يلقى دروسًا في هذه
العلوم على من يشاء في محل من حانوت تجارته إن كان من التجار، وذلك لأن
العلماء في بعض بلدان الشام يحترفون بالتجارة وينفرون من البطالة أو الارتزاق
من الأوقاف نفرة الأزهر من النظافة، وتراهم فلا يهولنَّك منهم إلا التمييز
بالعلامة كتوسيع الأكمام وتعظيم العمامة.
وجملة القول: أن لا فرق بين البلدين إلا بالأزهر والتقلل من الحواشي في
الشام وأما التحصيل وعدمه فالمحصل في الشام كالمحصل في مصر لا يفضله،
والمقصر في الشام كالمقصر في مصر لا ينقص عنه، والمحصلون قليل في البلدين،
والمقصرون فيهما هم الأكثرون.
وأما العراق فقد خالطنا كثيرًا من فضلائه المطَّلعين على الأحوال فأنبأونا بأن
حال التعليم هناك كحاله في الشام حذو العين بالعين، وأنه لا فرق في شيء من هذا
بين البلدين، والأدلة من الواقع تؤيد ما سمعنا منهم فقد رأينا لجملة من حملة العلوم
هناك جملة من الكتب في جملة من فنون العلم فألفينا ما رأينا كما سمعنا.
وبعد: فقد عرفت أيها القارئ أنه لا طلبة الشام والعراق والترك يفضلون
طلبة مصر كما قال، ولا طلبة مصر يفضلون طلبة كل البلاد الإسلامية كما قال,
والله أعلم بالحال والمآل.
(للانتقاد بقية)
((يتبع بمقال تالٍ))