للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الحكم بالشريعة في السودان
ذكرنا في عدد سابق ملخص خطبة اللورد كرومر في أم درمان وأنه حين وعد
بالعدالة وقال: إن الإنكليز متعقلون بدينهم، ويعلمون كيف يحترمون دين غيرهم،
وخاطب السودانيين بقوله: (فلا يتعرض لكم أحد في دينكم على الإطلاق) سأله أحد
المشايخ: هل يتضمن هذا الوعد الجري على الشريعة والعمل بها؟
فقال اللورد: نعم.
ولا يصدق وعد اللورد وجوابه إلا بأمرين اثنين:
أحدهما: عدم إرسال أحد من دعاة النصرانية إلى السودان، بل عدم تمكنيهم
من الذهاب إليه، فإذا وفد المبشرون بالإنجيل من قسوس البروتستان أو غيرهم إلى
السودان يدعون أهله إلى دينهم فالوعد يكون مكذوبًا، قصد به الخداع والتغرير؛
لأن التعرض للدين في هذا العصر لا يكون إلا بالدعوة، وهذا التعرض لم تسلم منه
مصر، فإذا سلمت منه السودان فلا مندوحة لنا عن القول بأن هذه السلامة نعمة
يحق لبريطانيا أن تمتنها على السودانيين، ويحق عليهم أن يشكروها لها.
وثانيهما: أن تكون جميع الأحكام القضائية والمدنية بالشريعة الإسلامية الغراء
والأحكام الشرعية لا تكون صحيحة ونافذة إلا إذا كانت تولية القضاء من جانب
خليفة المسلمين وإمامهم الأعظم، أو من مأذونه. وقد صرح اللورد في خطبته بأن
الذي يؤسس المحاكم ويولي القضاة هو اللورد كتشنر، وأن الموظفين من الإنكليز
هم الذين يقيمون الأحكام في كل مركز من السودان، فأنى لهؤلاء الإنكليز معرفة
الشريعة الإسلامية؟ ومتى كان اللورد كتشنر خليفة على المسلمين أو مأذونًا بتولية
القضاة من الإمام الأعظم؟ وإذا لم يكن هذا ولا ذاك فما معنى جوابه للشيخ بنعم.
إن وعده يتضمن الجري على الشريعة إلا أننا لم نفهم لهذا معنى ولم تتصور أذهاننا
كيف يكون صادقًا.
والذي يتبادر إلى الذهن أن الوعد بالحكم بالشريعة واحترام الدين في السودان
يكون كالوعد السابق بأن السودان كله للحكومة الخديوية كمصر، وأن بريطانيا
العظمى تساعد على قطع دابر الثوار الخارجين، وإرجاع البلاد إليها. أو كالوعد
بعد الفتح بأن البلاد السودانية ستكون مشتركة بين مصر وإنكلترا؛ لأن الثانية
ساعدت الأولى على الفتح، وشريعة العدل تقضي أن من يساعد أحدًا في شيء يكون
شريكه فيه، وإن كان في مساعدته متبرعًا، والمساعَد (بفتح العين) هو صاحب
الشيء وصاحب العمل، ويقدر على القيام من دون مساعدة، ثم تفسير هذه المشاركة
بأن صاحب الملك والعمل ليس له في الشركة شيء إلا الإنعام عليه بلفظ (شريك)
بشرط أنه لا يملك في المشترَك فيه قولاً ولا عملاً.