للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


أمالي دينية [*]
(الدرس العاشر)

م (٣١) صفات الكمال:
ثبت منا في الدروس السابقة أن هذا الوجود الممكن الذي نشاهده صادر عن
وجود واجب , وأن واجب الوجود منزه عن مشابهة الممكنات وأنه واحد لا شريك
له وأن هذا الواجب هو إله الخلق المستحق لعبادتهم المسمى بلسان الشرع: (الله -
جل جلاله) وأنه ليس لغيره سلطة ولا تأثير فيما وراء الأسباب التي يتعلق بها
كسب العباد , بل له وحده السلطان الغيبي المطلق يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وأن
الخضوع الذي يبنى على الاعتقاد بهذا السلطان وهو روح (العبادة) وسرها مهما
تعددت مظاهرها واختلفت أشكالها لا يكون إلا له. وهذا هو التوحيد الحقيقي والدين
الخالص الذي بعث الأنبياء عليهم الصلاة لتقريره عندما فشت الوثنية في الناس.
ونقول الآن: إن هذا الاله الواجب الوجود يدلنا العقل والنقل على أنه متصف بما
يليق به من صفات الكمال لأنه لما كانت ذاته أكمل الذوات لا جرم كانت صفاته
أكمل الصفات. وللناس على اختلاف مللهم مذاهب في فهم الصفات الإلهية أكثرها
يرجع إلى قياس الغائب على الشاهد والحكم بالممكن على الواجب وبالحادث على
القديم وإلى الأخذ بظواهر الألفاظ التي وردت في الكتب المنزلة وكلام الأنبياء
والمرسلين من غير فهم ولا عقل , ولا يليق بصاحب البصيرة في الدين أن يأخذ
بمذهب من تلك المذاهب أو يتقيد برأي من آراء أربابها بل عليه أن ينظر بعقله؛
ليثبت له بالبرهان ما تتوقف عليه الألوهية من الصفات للواجب ثم ينظر في إثبات
الرسالة وبعد ثبوتها بالعقل يمكنه أن يفهم ما يسنده الرسول إلى الله - تعالى - من
الصفات على الوجه المطابق لما قام عليه البرهان العقلي.
م (٣٢) يقسمون الصفات الثبوتية [١] إلى:
صفات ذات وصفات أفعال , ويقسمونها باعتبار آخر إلى محكمات ومتشابهات
ويقسمون صفات الذات إلى نفسية ومعاني ومعنوية , وقالوا: إن الوجود هو
الصفة النفسية وأنه لا صفة نفسية سواه وهي أغلوطة علمية صدرت من بعض
المتأخرين فتبعه عليها من لا نحصي من أسرى التقليد إلى يومنا هذا كما تبعوه في
إثبات الصفات المعنوية ولكن فضل الله تعالى لم يحرم المسلمين في عصر من
الأعصار من علماء نبهوا على أن هذا الاصطلاح ما أنزل الله به من سلطان ولم
يقم عليه في العقل حجة ولا برهان. والمشهور عن العلماء في القرون الأولى أنهم
كانوا يطلقون لفظ (الصفات) على المتشابهات فقط , وجماهير العلماء حتى اليوم
على إثبات صفات المعاني ولهم فيها تفسير وأحكام لم تعرف عن السلف الصالح.
فلم يرد في الكتاب العزيز ولا في السنة السَّنية ولا في آثار التابعين شيء من هذه
الاصطلاحات (إلا المحكم والمتشابه) ولا أن الصفات عين الذات أو غير الذات أو
لا عين ولا غير أو أنه لو كشف عنا الحجاب لرأيناها. ونحن لا نطعن بعلم
واضعي هذه الاصطلاحات ولا بدينهم بل نقول كما أمرنا الله تعالى: {رَبَّنَا اغْفِرْ
لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (الحشر: ١٠) وإنما نختار طريقة السلف الصالحين فهي باتفاق
الخلف أسلم وأحكم. ونقول أيضا: إنها أعلم، خلافًا لكثيرين يتوهمون أن هذه
الاصطلاحات في علم العقائد تعطي الباحث بصيرة وتكون أعون له على الفهم
وأقرب إلى البصيرة والبرهان لأننا نعتقد اعتقادًا يؤيده الاختبار والمشاهدة أن الذين
يأخذون عقيدتهم من هذه الاصطلاحات أكثرهم يتخبط في ظلمات الحيرة يأخذها
بالتقليد الأعمى فيضمها إلى التقليد بأصل العقيدة ويضم إليها ما يوردونه عليها من
الحجج تقليدًا على تقليد، فإذا طولب بالبرهان ممن يناقشه في تلك الألفاظ المحفوظة
أو سئل كشف شبهة غشيتها حاص حيصة الحمر واضطرب واضطراب الرشاء
في البئر البعيدة القعر.
طريقة القرآن الحكيم التي استقام عليها الصدر الأول هي الطريقة المثلى وهي
عرض المخلوقات على العقول ومطالبتها بالنظر فيها بأي وجه من الوجوه، فلنرجع
إلى هذه الطريقة ولنثبت بها الصفات التي لا تتحقق الألوهية في العقل بدونها وهي
العلم والإرادة والقدرة، وكذا الحياة على الوجه الذي جرى عليه أستاذنا (في رسالة
التوحيد) وهذا هو الذي اشترطناه في ابتداء إلقاء هذه الدروس وإنما أشرنا إلى
اصطلاحات المتأخرين في الصفات وبينا أن فهم العقيدة أقرب بدونها؛ لأن الذين
تعلموا على الطريقة الشائعة في العقائد - طريقة السنوسي رحمه الله تعالى -
يظنون أن العقيدة التي لم تذكر فيها الصفات العشرون عقيدة ناقصة وربما توهم
الغارقون في الجهل أنها غير كافية في الإيمان؛ لأن الإيمان بالله عندهم إنما يكون
بحفظ الصفات العشرين وأضدادها، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم , وأما
المتشابهات فقد عقدنا لها فيما مضى درسًا مخصوصًا فليرجع إليه من أراد.
***
حجة الله على العالمين في معجزات سيد المرسلين
أجل وأوسع ما ألف في المعجزات الشريفة كتاب (حجة الله على العالمين في
معجزات سيد المرسلين) صلى الله عليه وسلم؛ فإن اسمه طابق مسماه، فقد جمع كثيرًا من معجزاته الشريفة وبشائر ودلائل نبوته العظمى بأوضح نقل وأشهره، فهو كتاب نافع جليل الإفادة لا نظير له في بابه , تأليف العلامة العامل والمفضال التقي الكامل حضرة صاحب الفضيلة الشيخ يوسف النبهاني المكرم رئيس محكمة الحقوق ببيروت حفظه الله تعالى. وطبع بالمطبعة الأدبية فيها بأجمل حرف على ورق جيد وجلد تجليدًا حسنًا وهو ٨٩٦ صفحة مع الرسالة الغراء التي في آخره بعد الفهرسة المسماة (خلاصة الكلام في ترجيح دين الإسلام) وهي غرر ودرر وموعظة حسنة وحكمة نافعة لكل إنسان وفقه الله إلى الهدى , ويوجد بمصر في مكتبة الترقي وسائر المكاتب وثمنه ستة عشر قرشًا صاغًا ما عدا أجرة البريد.
... ... ... ... ... ... ... ... ... عبد الحليم أنسي
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... بالأزهر
((يتبع بمقال تالٍ))