للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


ويل للعرب من شر قد اقترب

(أفلح من كف يده) (حديث نبوي صحيح)

يالله العجب، ماذا أصاب العرب؟ ما لهم يخربون بيوتهم بأيديهم؛ ليمكنوا
أعداءهم من نواصيهم؟
هل عمرت بلادهم وكملت قواهم، ولم يبق شيء ينقصهم من عظمة الملك
وعزة السلطان، إلا فتح البلاد، واستعمار الأقطار، وعجزوا عن أعدائهم الطامعين،
فعاهدوهم ووادوهم ليفرغوا لقتال إخوانهم المؤمنين؟
كان شر مساوي العرب وأضرها التفرق والتعادي حتى هداهم الله إلى الإسلام
فطهرهم من هذا الخزي والجهل الذي جعلهم منبوذين في جزيرتهم كوحوشها
وضواريها، وامتن عليهم بقوله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} (آل عمران: ١٠٣) وامتن على رسوله الذي شرَّفهم به بقوله: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ
بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ
قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأنفال: ٦٢-٦٣) وإنما ألف
بينهم بهداية هذا الدين لا بالمعجزات وخوارق العادات، وكان من أثر هذا التأليف
واجتماع الكلمة أن فتحوا نصف العالم في مدة نصف قرن، وصاروا أئمة العالم في
الهدى والعدل والعلم.
ثم عادوا إلى التفرق والتعادي بترك هداية هذا الدين الذي أزالهما وأدال
منهما الولاء والأخوة، وبالتفرق فيه نفسه بما أحال الدواء داء، والقوة ضعفًا،
فكانوا فرقًا وشيعًا ومذاهب دينية وسياسية، وهم يتلون كتاب الله ويدعون الإيمان به،
وينبذ كل فريق منهم الآخر بأنه هو المخالف للكتاب النابذ له وراء ظهره،
ويتلون فيه قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا
شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (الأنعام: ١٥٩) وقوله لهم: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ
تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران:
١٠٥) وقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (النساء: ٥٩) . فهل يدعي
المتفرقون المشاقون أنهم ممتثلون أمر الله تعالى في هذه الآيات المحكمات التي هي
بمقتضى دينهم ومذاهبهم فوق سائر كتبهم وأئمتهم وعلمائهم؟
كانوا إلى ما بعد حدوث التفرق السياسي والديني يسودون العالم من شاطئ
المحيط الغربي في أوربة إلى حدود الصين في الشرق الأقصى، ثم نفثت سموم
الشعوبية في العالم الإسلامي فأفسدت وحدة الخلافة، وحل محلها حكم ملوك
العصبيات المتغلبين من عرب وعجم، وحدث في أثناء ذلك أن سلط الله عليهم
هجوم التتار المفسدين من جهة الشرق، ثم هجوم الإفرنج المتعصبين من الغرب،
وما زال الجلاد بين هؤلاء وبين العالم الإسلامي حتى دالت الدولة للإفرنج في أكثر
الأرض، وبقي لمسلمي الأعاجم منهم ثلاث دول صغيرة قد بينا حالها في فاتحة
المجلد الثالث والثلاثين من المنار، وأما العرب فلم يبق لهم إلا هاتان الدولتان
الضعيفتان في اليمن والحجاز ونجد، وقد أحاط بهم الإفرنج من البر والبحر.
فهل كان يدور في خَلَد أحد يؤمن بكتاب الله تعالى وبمحمد رسول الله أن
يكونوا كاليهود الذين قال الله تعالى فيهم في عهد البعثة المحمدية: {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ
شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} (الحشر: ١٤) في
الوقت الذي يؤسس فيه اليهود بإنفاقهم وحزمهم ملكًا جديدًا بنزع قطر عظيم من
الأقطار العربية من أهلها العرب يجلونهم عنه كما أجلى النبي صلى الله عليه وسلم
ثم خليفته الثاني رضي الله عنه أجدادهم من الحجاز ثم من خيبر وسائر جزيرة
العرب، وأن يخيب السعي لعقد محالفة بينهما من حيث يفوز الإنكليز بعقد معاهدة
مع (أحدهما) يقرهم بها على تسع مقاطعات من عقر مملكة اليمن تكاد تبلغ الثلث
العامر في أطرافها، ومن حيث يفترصون وقوع هذه الفتن الشاغلة لملك العربية
السعودية ومواتاة الأمير عبد الله وموالاته لهم لتحصين خليج العقبة، وتمكين قدم
اليهود في فلسطين وشرق الأردن بما ألصق بها من الحجاز؛ لِيَنْقُضُوا وصية
المصطفى صلى الله عليه وسلم (لا يبقى في جزيرة العرب دينان) .
سبحان الله: اليهود يؤسسون لهم ملكًا في قلب بلاد العرب، وصاحبا جزيرة
العرب يمهدان لهم السبيل باشتغال كل منهما بقتال أخيه؟ في عهد الإمامين الجليلين
العاقلين التقيين الغيورين على الإسلام العارفين بحال الزمان؟
لو كان الزمان مواتيًا، والعدو لاهيًا، وحاول أحد عاهلي الجزيرة أن ينتزع
من الآخر بعض ما في يده من عسير أو نجران، أو القضاء عليه للانفراد بالملك
في هذه الجبال والأودية لهان الخطب، ولتمنى رجال السياسة العربية الجامعة أن
يقضي الأقوى أو الأصلح على الآخر ويريح الأمة من هذا الشقاق إن كان ممكنًا،
ولكن كل عارف بحال هذه البلاد وأهلها وقواتها يعلم أن هذا الأمر غير مستطاع
الآن، ولا مصلحة فيه لهذا ولا لذاك، فإن الأجانب الطامعين واقفون لهما بالمرصاد،
بيد أن هذا العلم إجمالي لم يترتب عليه ما يجب من صيانة البلاد.
إن كاتب هذه السطور ربما كان من أعلم الناس بحالة العرب عامة، وحالة
الإمامين العظيمين خاصة، وهو أصدق ناصح لكل منهما، يسعى للتأليف بينهما
منذ ثنتين وعشرين سنة، وتواتر السعي والمكاتبة لكل منهما منذ اشتد الخلاف،
وقد كتبت إلى كل منهما أخيرًا أن جزيرة العرب إرث محمد صلى الله عليه وسلم
لأمته، ومعقل دينه ومأرزه، لا ليحيى حميد الدين ولا لعبد العزيز آل سعود، وإنما
هما الأمينان على هذا الميراث، فيجب عليهما التعاون على حفظه والدفاع عنه.
ويؤسفني أن أرى الذين تصدوا لمثل هذا السعي في مصر، قلما يعلمون شيئًا
من حقيقته، وكنه الأخطار التي تخشى من عاقبته، وقد دب إليهم دبيب الشقاق
والتنازع فيما يفاخر بعضهم بعضًا بالسبق إليه، وحق الأولية أو الأولوية فيه،
ولسان الحال يصيح بهم أصلحوا ذات بينكم، قبل أن تحاولوا الإصلاح بين من هم
أقرب إلى الصلاح والإصلاح منكم، وهما الإمامان العظيمان يحيَى وعبد العزيز،
فإن الرجاء في أن يفيئا إلى أمر الله لم ينقطع منهما، وإن وقعت الحرب بفساد
الحزب الحجازي الخبيث بينهما، وإيهامه قائد جيش اليمن بأن جميع قبائل عسير
والحجاز وغيرهما ستثور على الملك السعودي في الشمال والشرق في إثر مناجزته
له في الجنوب، وتوجيه قواه إليه، ونحن نقرأ في جرائدنا مقالاتهم الناطقة بذلك
من مصادرها في اليمن وعدن ومن مصر أيضًا. ومنهم من يدافع عما نال الأجانب
من الغنيمة في اليمن، وقد شغلوا الجمهور الإسلامي عما يعملون في العقبة،
وجيوش اليمن ممتدة على طول خطوط الحدود كلها، وقد واجهتها الجيوش
السعودية فيها أو كادت.
لقد أبصر العُمي، وسمع الصم، ونطق البكم، ولم يبق خفيًّا على أحد يعقل
ما يكيد أعداء الإسلام الطامعون لمهد الإسلام، وقبلة الإسلام، ومعقل الإسلام
ومأرز الإسلام، وروضة نبي الإسلام، سيد البشر، ومصلح البشر، محمد عليه
أفضل الصلاة والسلام.
وَهَبَ الشريف علي ملك الحجاز (بالأمس) وأمير شرق الأردن (اليوم)
أعظم ثغور الحجاز ومعاقلها وحصونها البحرية البرية لأخيه الشريف عبد الله، ألا
وهو خليج العقبة، وما يتصل به من سكة حديد الحجاز المتصلة بالمدينة المنورة،
فجعلاه تابعًا لإمارة شرق الأردن الواقعة تحت سيطرة الإنكليز؛ ليتمكنوا به من
السيطرة على جزيرة العرب في قلبها، كما أحاطوا بها من أطرافها، وليكون البحر
الأحمر العربي الإسلامي بحيرة إنكليزية لا يمكن لدولة بحرية ولا برية أن تنازع
الإنكليز سلطانهم عليه، ولا على ما يحيط به من مصر والسودان من ناحية، ومن
فلسطين والحجاز واليمن والعراق من سائر النواحي، إذ كانوا معتصمين في هذا
المعقل المنيع (خليج العقبة) الذي سيتصل بشط العرب وخليج فارس فيكون
أقرب الطرق الحربية التجارية إلى الهند، ولا تنس اتصاله بثغر حيفا على البحر
الأبيض المتوسط، بل الأمر أعظم من ذلك.
إن خليج العقبة لأمنع معقل بحري في العالم كله، وإنه لهو الذي يمكن
الإنكليز من السيطرة على جزيرة العرب المقدسة وعلى بقية بلاد الأمة العربية من
العراق وسورية الجنوبية، والبقاء في مصر والسودان المحتلة بالجنود الإنكليزية
والطيارات البريطانية، واشتهر أن الإنكليز قد شرعوا في نزع أرضه من أصحاب
الأيدي عليها لامتلاك رقبة الأرض كلها من المسلمين لتكون خالصة لهم مِلكًا
(بالكسر) ومُلكًا (بالضم) .
علم الإنكليز دهاة البشر أن هذه الهبة من علي بن حسين ملك الحجاز بالأمس
والطامع في عرش سورية في الغد - لأخيه عبد الله بن حسين أمير شرق الأردن
اليوم والطامع في لقب ملك فلسطين في غد - هبة غير صحيحة في الشرع
الإسلامي ولا في القانون الدولي، وأن لملك الحجاز الحق كله في مطالبتهم هم
بردها إليه، فراودوا الملك عبد العزيز ابن السعود عنها، وطلبوا منه إقرارها من
أول العهد باستيلائه على الحجاز إلى اليوم فأبى، أظهروا له الود فما انخدع وما
ونى، وكادوا له الكيد بعد الكيد فما عثر جواده ولا كبا.
ثارت في وجهه فتنة الدويش في نجد بإغراء حدود العرق، فظهر عليها بعد
إهراق دماء غزيرة كانت من أعظم قواته في نجد فاضطروا إلى موادته في خاتمتها.
ثم ثارت في وجهة فتنة ابن رفادة في الحجاز بتحريش الدسائس من ناحتي
شرق الأردن ومصر، فلما رأوا ما قابلها به من حزم وعزم، وأنه بطش بها
بسرعة فقضى على الفتنة القضاء المبرم، اضطروا إلى إظهار الوداد له، ورضوا
بعجزه عن الزحف على العقبة، وإبقاء مسألتها معلقة.
وقد ثارت في وجهه اليوم الفتنة السوءى، الطامة الكبرى، وهي استجماع
قوى جزيرة العرب الجنوبية كلها في اليمن، وتوجيهها إلى قتاله في عسير فالحجاز
ونجد، وتوجيه قواه كلها إلى مكافحتها ومقاتلتها، ودبت عقارب الدسائس لإثارة
الفتن في الحجاز والعراق مرة أخرى، حتى إذا اشتجر في الجنوب الأقران والأقتال،
واستحر بين القوتين الكبريين القتال، تم للإنكليز اقتحام العقبة في الشمال، ويقال:
إن فتنة ابن رفادة عادت سيرتها الأولى، وإن رسولاً تسلل من شرق الأردن إلى
زعيم أو زعيمين من قبائل الحجاز سراء ولا تزال الأراجيف تترى.
إن أفضل ما يعمل الآن هو السعي لإصلاح ذات البين، وعقد المحالفة بين
الإمامين، على الأساس الذي اتفقا عليه وعقدا مؤتمر أبها لأجله، وقد سبق إلى ذلك
بالقول والفعل وفد المؤتمر الإسلامي العام، فخاطب السيد أمين الحسيني كلا من
الإمامين في عيد الأضحى، وجاءتني منه برقية بالخير كلفني فيها الإبراق إليهما
بتأييد وساطة المؤتمر الإسلامي، ووصلت إليَّ هذه البرقية يوم الخميس ٢٩ مارس
ونشر خبرها في جريدة الجهاد الغراء، ثم نشرت الجرائد برقيات أخرى من
سماحته إلى بعض الأمراء والكبراء في مصر وغيرها، (وقد ألف الوفد بالفعل
فسافر بعد كتابة ما تقدم للمنار وقبل نشره) وأيده بالبرقيات أشهر أمراء مصر
وزعمائها.
فالواجب على المخلصين ممن أظهروا الرغبة في إرسال وفد أو وفود أخرى
أن يؤيدوا ذلك الوفد ويضعوا ثقتهم فيه وحده؛ إذ لا حاجة إلى إرسال غيره،
فرجاله ثقات معروفون بأنفسهم لا ببرقياتهم وألقابهم، ولا يخالفهم إلا من يريد
إحباط عملهم، و {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ} (يونس: ٨١) .
((يتبع بمقال تالٍ))