للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: عبد العزيز محمد


أميل القرن التاسع عشر
(٢٠) من هيلانة إلي أراسم في ٣١ يونية سنة - ١٨٥
أكتب إليك أيها العزيز أراسم قيامًا بما أخذته على نفسي من إحاطتك علمًا بما
أفعل وما أرى وما أسمع , فأقول:
اتفق لي منذ بضعة أسابيع أن كنت في بيت صديقك الدكتور فرأيت عنده رجلاً
من أيقوسيا وهو شيخ طويل نحيف , علمت أنه من أصدقاء ذلك البيت، وأنه غادر
بلاده لأسباب مجهولة عندي، ولكونه لا يستطيع المعيشة بعيدًا عن منظر البحر
والصخور والرمال قد نزل بكورنواي إلى حين. يبدي هذا الرجل من التنطع والتشدد
في آدابه وهيئات أفعاله ما لو أبصرته الفرنساويات لضحك عليه كثير منهن على ما
أرى، فإنه إذا سعل يسعل بانتظام وإذا دخلت عليه سيدة في قاعة الاستقبال وثب
قائمًا كأنه حرك بلولب وأقبل بوجه فيه من تكلف الوقار والرزانة ما يحاكي تكلفه في
شد رباط عنقه وإتقانه، ومهما كانت حاله فهو هنا محترم مبجل ولا غرو، فإنه
ساح في كثير من البلدان ويحسن التكلم بالفرنساوية، ولديه بحسب ما أرى ذخر
عظيم من المعارف، يسمّى الرجل السر جون سانت أندروز وأخص ما اشتغل في
سياحته البحث في التربية وزيارة مدارس إنكلترا وأيقوسيا وقارة أوربا , وجملة
قولي فيه: إن حديثه يهمني ويفيدني، ولما كنت أعلم أن موضوع أنظاره وأبحاثه
داخل في نوع ما تبحث فيه وتشتغل به أصغيت إليه لأجلي وأجلك.
فممّا قاله لي: إان الناس في بريطانيا العظمى يهتمون قبل كل شيء بإنماء
القوى الجسدية في الناشئين، فبالرياضات البدنية تنشأ أعضاؤهم من صغرهم قوية
تناسب الرجولية وتهيئ أجسامهم لخدمة عقولهم وعزائمهم؛ وهذا هو سبب عنايتهم
بالرياضات والألعاب التي تخالف ما عندنا مخالفة جوهرية.
نعم إنه يوجد في المدارس الإنكليزية ما نسميه في مدارسنا الفرنساوية فن
التمرين البدني (الجمباز) إلا أن التلامذة الإنكليز لا يرغبون فيه كثيرًا ويفضلون ما
يكون في ألعابهم من التمرن والارتياض على ما في هذا الفن من أنواع التدريب
المنتظمة التي تحصل عن أمر المعلم وتحت رعايته، فهم يختارون بكمال حريتهم ما
ترتاح إليه نفوسهم من ألعاب المصارعة والمغالبة، فلهم في ألعاب الكرة التي منها
ضربها بالصولجان، ومنها دحرجتها على الأرض، وفي العدو والملاكمة وغيرها
من طرق التسلي وسائل متنوعة تنمي فيهم قوة الأعضاء وتجعلهم يزدادون بالتعب
شدة وصلابة.
فأنّى يوجد بعد هذا رعايا أكمل من الإنكليز استعدادًا للمصارعة والكفاح؟ أليس
الإنكليز هم أول الناس اقتحامًا لقمم أعلى الجبال المعروفة؟ أليسوا هم في الهند
وأستراليا وزيلاندا الجديدة وفي جميع بقاع الأرض التي فيها أخطار تقتحم يقاومون
صعوبة الإقليم والعوارض الكونية والأمم الوحشية؟ فأيّ أثر للعقبات الطبيعية في
تلك العزائم الثابتة التي تقوم لها بمطالبها عضلات هي الحديد بأسًا
وشدة.
لم يوضع القانون في معاهد التعليم والتربية الإنكليزية إلا لما تدعو إليه
الضرورة المطلقة من حفظ النظام فيها، يدلك على ذلك أن مدير مدرسة من المدارس
الكبرى كان قد أمر مرة على خلاف عادته أن تراقب التلامذة في ملعبهم، لكنه لم
يلبث أن تبين خطأه في هذا الأمر، وندم عليه واعترف من ذلك الحين بأن هذا
التضييق كان يميل بأنفس الناشئين إلى الانحطاط ميلاً ظاهرًا.
التلامذة الإنكليز في ساعات الاستراحة من الدرس أحرار، فلهم أن يخرجوا
ويتنزهوا في المدينة التي يكونون فيها أو في المزارع، غير محتاجين في ذلك إلى
أحد يرشدهم أو يراقبهم، فيمضي كل منهم إلى حيث يشاء، ولا يطالبهم معلموهم إلا
بأمر واحد وهو أن يكونوا في سيرتهم كما يكون سراة الناس أدبًا ولطف معاملة،
والكلمة المقابلة في اللغة الإنكليزية للفظ سراة هي (جنتلمين) ومن الصعب ترجمتها
بالفرنساوية ويعني بها مَن بلغوا غاية الكمال في التربية والتهذيب، فإن وصف
الشرف والسيادة يستفاد من التربية أكثر من استفادته من النسب، فقد ينسلخ عمن ناله
من جهة النسب ولو في نظر غيره إذا هو تلبس بسافل العادات وسفساف الأخلاق،
من أجل هذا كان الخوف من انحطاط القدر وسقوط المنزلة في أعين أهل الفضل
والأدب له من السلطان حتى على نفوس الناشئين ما لا تبلغه جميع أنواع المراقبة التي
يتصورها العقل، يقول الإنكليز: (إذا أردت أن يصبح ابنك رجلاً في طفوليته فعامله
معاملة الرجال) وهذا هو الأصل الذي يجرون عليه في التربية.
إني أخالك تندهش إذا لاقيت عددًا عظيمًا من الغلمان الإنكليز في السفن
البخارية والمركبات العامة وأرتال السكك الحديدية يسيحون وحدهم بإذن أهليهم
زمن عطلة المدارس وهم في حداثة السن، ولكنهم على ما في هذا من الخطر
يعرفون كيف يتوقون المعاطب وكيف يعودون إلى مواطنهم، ويقول الإنكليز تعليلاً
لذلك - فوق ما تقدم - أنه هو الوسيلة إلى استقلال هؤلاء الغلمان يومًا ما بسلوك
طريق الحياة في هذه الدنيا.
يثق الإنكليز بالأطفال ثقة عظمى، فإذا أخلّ بها هؤلاء أحيانًا فلا بدع في ذلك
لأن مَن يرجو منهم أن يكونوا من الحكمة والدراية في درجة أعلى مما يقتضيه سنهم
فهو واهم في معرفة الطبيعة البشرية إلا أنه قد شوهد أن ما يقع منهم من الخطأ يسهل
أن تسد ثلمته، أما تثقيف ما اعوجّ من الطباع بسبب سوء الظن والقهر فهو في غاية
الصعوبة.
لا بد أن يكون لهذا النوع من التربية قوة معنوية تتأثر بها نفوس الناشئين، فإني
أراهم هنا أهلاً لأن يديروا بعض أعمال تقتضي كثيرًا من وفرة العقل وتمامه، وقد
ضرب لي في هذا الموضوع مثلٌ بتاجر من كبار التجار في لوندرة كان مذ بلغ
الرابعة عشرة من عمره يجوب شوارع المدينة متأبطًا محفظة مملوءة بأوراق
المصارف (بنك نوت) ويعامل وهو في هذا السن عدة من المحال التجارية باسم
أبيه، وليس ما يلقيه الإنكليز في أذهان أولادهم وهم صغار من الثقة بأنفسهم
والاعتماد عليها قاصرًا على ما يكلونه إليهم من الأعمال التجارية والصناعية، بل
إنه يشمل أيضًا الفنون العقلية كالشعر والإنشاء وغيرهما من الصناعات الفكرية،
نعم إن الإنكليز ليسوا بلا ريب أحسن ولا أعلم من غيرهم، ولكنهم لتعودهم من
نعومة أظفارهم الاستقلال في سيرهم بمعارفهم الذاتية وتحملهم تبعة أعمالهم -
يظهرون في كل شيء أكثر مِنَّا قيامًا بأنفسهم، وإذا لم أُبالِ بالتصريح بكل ما أريده
قلت: إنهم أقل مِنَّا شبهًا بخراف بانورج [١] .
الساعات المقررة للدروس في المدارس الإنكليزية هي في الجملة أقصر منها
في المدارس الفرنساوية، ويؤكد الناس هنا أن هذا الأمر لا ينقص من نجاح التلامذة
ولا يضر بتقدمهم كما قد نتوهمه؛ لأن الطفل لا يقتصر في تعلمه على ما في الكتب،
بل إنه يتعلم كذلك مما يراه أثناء تنزهه في المشاهد الجميلة والمناظر الأنيقة
ويستفيد استفادة حقيقية مما يكون بينه وبين رفاقه من المحاورات والمحادثات وما
يتلقاه من أهله من الدروس النافعة في المعيشة اليومية، فهل من الضرورة المؤكدة أن
يغلّ عقل الطفل من الصباح إلى المساء حتى يكون من مشاهير الرجال؟ ! لا يعتقد
جيراننا ذلك قطعًا بل يرون أن في راحة التلامذة - أي ترويح نفوسهم بالألعاب
الرياضية المتنوعة - شحذًا لأذهانهم وتقوية لعقولهم.
وهم في تأييد هذا الرأي يضربون مثلاً مدارس قللت أيضًا في هذه الأيام الأخيرة ساعات الدروس في فرقها وشغلت التلامذة فيما وفرته منها بأعمال
يدوية نافعة، فضاعفت بذلك فيهم قوتي التنبه والحكم، إذا كان هذا كذلك كان ما
صرف من الزمن في تلك الأعمال غير ضائع، بل عائدًا بالربح على التلامذة في
استفادتهم من الدروس لأن نجاحهم لا يقدر بطولها، وإنما يقدر بسهولة إدراكهم ما
فيها من العلوم وتحققهم بها.
إن أخص غاية يرمي إليها الإنكليز في التربية هي سلامة العقل، وهم يقولون
ساخرين: ما أجمل ما يعود على الطفل من الفوائد والمزايا إذا كان القائمون على
تربيته يُضعفون فيه الأعصاب المعدة للإدراك والفهم بالإفراط في إجهادها ويغيضون
ما في عيون قريحته من مادة الذكاء الغزيرة بِحَثِّه على العمل لإحراز ما لا ثمرة فيه
من قصب السبق في امتحاناته، فكم من السابقين في هذه الامتحانات يأكلون بهذه
الطريقة ما يزرعون قبل إبان صلاحه أعني أنهم ينفقون كل ما لديهم من المواهب
العقلية قبل أن يصلوا إلى ثمرتها.
ليست العبرة عند الإنكليز بتعليم المعلمين، بل العبرة بما يعمله التلميذ ويتعلمه
بنفسه، ومما يحكى تأييدًا لصدق هذه القضية أنه كان يوجد في إحدى دوائر الخوارنة
بأيقوسيا مدرسة فيها قسمان من التلامذة داخلي وخارجي، وكان جل عناية صاحبها
موجهًا للقسم الأول ضرورة أنه هو الذي كان يعتمد عليه أولاً في إنماء كسبه، ومن
أجل هذا كان يقضي مع تلامذته كل سهرته في إعدادهم لتلقي درس الغد , ولكن
أتدري ماذا كان يحصل في مدرسته؟ كانت تلامذة القسم الثاني وهم من أبناء فقراء المزارعين الذين يسكنون الكفور والخصاص المجاورة للمدرسة على ما هم
فيه من حرمانهم من مُعيد يُكرر لهم الدروس واشتغالهم بأعمالهم المدرسية في
زوايا تلك الخصاص على ضوء نارها في غفلة من أهليهم عنهم - كانوا يَظهرون
عادة على تلامذة القسم الأول ويفوقونهم كثيرًا مع إجهاد مدير المدرسة نفسه في
تقويمهم وتمرينهم، فعظمت بذلك دهشة ذلك الرجل ولكنه لما كان ذا لُب وفكر أخذ
يبحث عن سبب هذا الأمر الذي ملأه سآمة وضجرًا، فلم يلبث أن عرفه وهو أن
التلامذة الداخليين كانوا يفرطون في الاعتماد على تعليمه إياهم التعليم الآلي الذي
لا عمل لفكرهم فيه، ويشتغلون لكن لا بأنفسهم بل كآلات يديرها محركها، وأما
التلامذة الفقراء سكان الأكواخ فلما كانوا مضطرين إلى حل رموز ما يتعسر عليهم
فهمه من المسائل بأنفسهم كانت أذهانهم في تيقظ، ولذلك كانوا يشحذون قرائحهم
ويقوّون مداركهم بالمناقشة والمنافسة، وكان في انقطاع المعلم عن رعايتهم أثناء
مدارستهم الليلة مزية لهم، فلا جرم أنهم سبقوا إلى المقاعد الأولى في فرقهم نهارًا،
استفاد المعلم من هذه الحكمة التي أهدتها له التجربة فترك من ذلك الحين التلامذة
الداخليين وشأنهم مقتصرًا على أن يعطيهم كغيرهم مواد العمل وأدواته مثل كتاب في
النحو وقاموس، وكان من وراء ذلك أنهم لم يلبثوا أن ساووا أقرانهم في درجتهم،
تعلم من ذلك أن شأن جيراننا في التربية كشأنهم في جميع الأمور الدنيوية، وهو أنهم
يرجون من عمل المرء بنفسه من الخير ما لا يرجونه من وسائل المعونة والمساعدة
كائنة ما كانت، فشعارهم فيها هو (استعن بنفسك يعنك معلمك) .
ربما كان أهل إيقوسيا أيضًا أكمل من الإنكليز عناية بأمر التربية، فقد اشتغلوا
به كثيرًا في هذه الأيام الأخيرة.
يوجد في إيدنبورج على ما سمعت مدارس ابتدائية لا يكتفي فيها المعلمون
بتعليم التلامذة مواد العلوم، بل إنهم يبذلون قصارى جهدهم في تأديب طباعهم
وتهذيب أخلاقهم، فهم يعملون لتطهير نفوسهم من خبيث الرذائل كالأثرة والغش
والظلم والكذب والقسوة على الحيوانات، وليست طريقتهم في ذلك مجرد إلقاء
القواعد والتعاليم المبهمة المجملة، بل إنهم يرجعونهم إلى وجدانهم الفطري،
ويذكرونهم بشرف الإنسان وسموّ منزلته على سائر أنواع الحيوان، فالأطفال في
هذه المدارس هم الذين يحكم بعضهم على بعض في كثير من الأحوال، ويقدرون
بأنفسهم درجة أفعالهم في الحسن أو القبح.
ولو شئت لسردت لك كثيرًا من الحكايات في هذا الموضوع، ولكني أكتفي بأن
أقص عليك واحدة منها ليكون في ذهنك صورة لتلك الطريقة فأقول:
تأخر تلميذان ذات يوم عن الوقت المقرر لدخول المدرسة بربع ساعة وهما
أخوان في الرابعة أو الخامسة من عمرهما، فقرر المدير أن يُسئلا عن سبب التأخر
ويُقبلا في فرقتهما بلا عقاب إن أبديَا عذرًا صحيحًا، وجعل الحكم على صحة العذر
وفساده للمدرسة بتمامها كما هي العادة عنده في جعلها محكمة شرف تقضي على
التلامذة ولهم فيما يفعلون، فلما مَثُل المتهمان الصغيران أمام هذه المحكمة اعتذرا
متعاقبين عن تأخرهما بأنهما صادفا في طريقهما دودة غليظة لم يكونا رَأيَا لها نظيرًا
في حياتهما؛ فراعهما منظرها ومُلِئا منها عجبًا؛ لأن هذه الحشرة كانت تتمثل في
أشكال وأوضاع غير معهودة لهما، فكانت تارة تقف على ذيلها وطورًا تمتد على
الأرض وآونة تكون ذات أثناء ملتوية، وأنهما بينما كانا يصرفان زمنهما في
مشاهدتها كانت تنساب حتى بلغت عوسجًا فغاب عنهما أثرها فيه , فلم يمهلهما المدير
ريثما يتمان قولهما، بل سألهما: لماذا لم تقتلا هذه الدودة؟ فحدّق إليه الغلامان ولم
يحيرا جوابًا، فاستأنف السؤال قائلاً: أما كان لديكما من الوسائل ما يعينكما على قتلها
حتى كنتما بذلك تقطعان سبب إبطائكما في الطريق؟ فقال له أكبرهما: بلى كنا
قادرين على قتلها من غير شك، ولكنّا لو كنا أتيناه لكان ذلك مِنَّا شرًّا وقسوة، فقوبلت
هذه الكلمات من جميع الحاضرين بالاستحسان والتحبيذ وحكم ببراءتهما من التقصير.
من ذا الذي لا يرى في محاكمة الطفل إلى لداته وأقرانه جرثومة وضع
المحلفين [٢] الذي يعتبره جميع العارفين به معقلاً يذاد فيه عن حِمى الحرية بجميع
أنواعها في إنكلترا وأيقوسيا؟
لا شك أن هذا أخذ بالناشئين في طريق الوصول إليه وإشراف بهم عليه من بعيد
ولا بدع، فإن جيراننا يزعمون أن التبكير في تربية وجدان التكليف في نفس الطفل لا
إفراط فيه يذم مهما توسع في التعجل به، ففي رأيهم أنه متى أريد أن تكون الحكومة
على صورة ما يجب أن تهيأ لقبولها نفوس الناشئين، وأن ما يحفظ القانون ويضمن
بقاءه من أنواع الكفالات لا يستقر إلا بارتياض الناس به من بداية عمرهم ودوام
اعتيادهم عليه، ومما أذكره هنا ما قاله لي الشيخ الأيقوسي الذي حدثتك عنه وهو:
(أنا لا أشير على أي بلد باختيار طريقتنا في التربية ما لم يقارنه زرع ما لدينا
من ضروب الحرية في نفوس أهله، فنحن في بلادنا نحتاج إلى رجال مطبوعين
على حب الاستقلال موافقة لما تقتضيه قوانينا وأوضاعنا أكفاء لإطالة مدة بقائها بما
يكون منهم في سبيل ذلك من المجاهدة الشديدة، وإن طريقتنا في تربية الأطفال إذا
اتبعت في غير بلادنا نشأت عنها رعية يتعذر حكمها وسياستها) . اهـ
((يتبع بمقال تالٍ))