للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


التربية والتعليم

ذكرنا في العدد السابق من جريدتنا مقالة مضمونها: أن مَن ينظر في تاريخ
الأمم ويكتنه شؤونها يتجلى له أن القوة والمنعة والغنى وبسطة الملك وسائر موارد
السعادة مناطها تعميم التربية والتعليم على الوجه الذي ينبغي.
وهذا الأمر وإن كان بديهيًّا عند العارفين بالتاريخ؛ لأن الوجود الإنساني كله
شاهد به ودليل عليه، فالسواد الأعظم من أمتنا غافل عنه لا يرجع إليه طرفًا، ولا
يصيخ له سمعًا، والمتنبهون أفراد قلائل يرددون الصيحات والنبآت، ولا ملبي ولا
مجيب {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} (البقرة: ١٧١) .
وإن تعجب فعجب قول من سمع الصيحة منهم: إن هذا لا ينفع ولا يفيد.
ويحتجون بحجج داحضة، ذكرنا في المحاورة السابقة منها: حجة الجبر وسلب
الاختيار، وأتينا على تزييفها بما يقطع ألسنة المثرثرين بها بقدر ما يحتمله المقام،
وبقي لهم حجج أخرى واهية، تنبئ عن قلة الاختبار. وإننا قبل بسط الكلام على
التربية والتعليم نورد ما يثرثر به الكثير من الناس في الاحتجاج على عدم الفائدة
منهما، ونبين فساده؛ ليكون ذلك أدعى إلى تأمله والنظر إليه بعين الاعتبار، ومن
الغريب أن ما ادعيناه في المقالة السابقة [*] من أن سعادة الأمة في التربية
والتعليم مبني على المشاهدة والاختبار التام، وكذلك شبه هؤلاء على عدم فائدتها
تستند على اختبار ومشاهدة، لَكِنْ ناقصين غير تامين، وإنني مورده عليك
فاستمع لما يتلى.
احتجاجهم على عدم فائدة التعليم في إصلاح الأمة:
قالوا: إنا رأينا كثيرًا ممن درج في حجر المكاتب، ثم عرج منها إلى حجرات
المدارس العالية، فتلقى العلوم والفنون، وظهرت عليه أمارات النجابة، حتى صار
قبلة آمال الوطن، ومنتهى رجاء أهله، ثم لما ألقيت إليه مقاليد الأمر فيه كان كلاً
على كاهله، وقذى في عينه، بل كان جائحة متلفة لثماره، وصاعقة منقضة على
دياره، لا يسعى إلا لمنفعة شخصه، وتنمية ماله وإن تلفت في سبيله مصالح
العالمين.
ومنهم من كان عونًا للأجنبي، وعتادًا على امتلاك بلاده، يمهد له الصعاب،
ويزيل من أمامه العواثير والعقاب، ويسهل احتمال سلطته على النفوس، بل منهم
من باع للأجنبي بلاده بثمن بخس (وكل ثمن تُباع به الأوطان فهو بخس) ، أو
وعد بأن ينيط به بعض الوظائف، أو يكون مقربًا من جنابه الرفيع. فما أغنت
التربية عن أمثال هؤلاء، وماذا أفادهم التعليم، أما والله لو لم يتعلموا لما تسنى لهم
اقتراف هذه المنكرات، ولما فطنوا لأساليبها واهتدوا إلى طرقها، ولكانت مضراتهم
محصورة في دائرة ضيقة مخصوصة بنفر قليل.
هذا بالنسبة للذين تعلموا العلوم السياسية والحقوقية، وأما الذين تعلموا العلوم
الشرعية الإسلامية، فإننا نرى الكثير منهم أيضًا قد اتخذها فخًّا لصيد الدنيا. يحتال
ويعلم الناس الحيل لهضم حقوق الله وحقوق العباد، وإذا تبوأ منصبًا (كقضاء
أو إفتاء) ، أو صار محاميًا، لا يأتي أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقًّا، ليشتري
به ثمنًا قليلاً، فويل لهم مما كسبت أيديهم، وياليتهم لم يكونوا من المتعلمين.
والجواب عن هذا واضح: وهو أن هؤلاء وإن تلقنوا بعض الفنون إلا أنهم لم
يتربوا تربية صحيحة، يغارون بها على دينهم ووطنهم، والعلم من حيث إنه إدراك
لصور المعلومات لا تقتضي العمل، ولئن اقتضى العمل فهو لا يستلزم أن يكون في
وجوه الخير والمنفعة لبلاد العامل إلا إذا تربى على ذلك. ثم ما يدريك أن المعلمين
لهؤلاء الخائنين والمربين لهم في المدارس كانوا من الأجانب أو ممن اصطنعهم
الأجانب فصبغوهم بصبغتهم، وجذبوا أعنة قلوبهم فقادوها إلى محبتهم، وعلموهم
كيف يعملون لمنفعتهم، أو غرسوا في نفوسهم اعتقاد عظمتهم وقدرتهم، وأنه لا
يتعاصى عليهم أمر، ولا يعز عليهم مطلب، فذللوهم بذلك واستعملوهم كما تستعمل
السوائم من الأنعام، أو أقنعوهم بأن السعادة لا تنال إلا بأيديهم، وأن الإصلاح لا
يأتي إلا على أيديهم، وأن قطرًا لم يحتلوه محروم من المدنية ورفاهة العيش، لا
ترى فيه القصور المشيدة، والسرر المنضدة، والطرق الفسيحة، ولا تنشأ فيه
الحانات والمواخير (أي مواضع الريبة، وليس هذا من التهكم؛ فإن السكر والفحش
من لوازم التمدن الحديث) ، إلى غير ذلك من المحسنات فعملوا ما عملوا بناءً على
هذا الاقتناع، فهم مجتهدون بأنهم ينفعون أمتهم من حيث ينتفعون بأنفسهم، وفي كل
صورة من هذه الصور ترى أن التربية والتعليم أفادا المعلم والمربي، فاجتنى بهما
ثمرات المنافع من خصمه ومناصبه، فكيف يكون أثرهما من مجانسه ومناسبه،
لعَمْرك إنه لعظيم.
احتجاجهم على عدم الفائدة من التربية:
قالوا: نرى كثيرًا من الولدان يهمل أمر تربيتهم الوالدان، فلا ينتهرونهم،
ولا يضربونهم، ومع ذلك ترى عندهم الدعة ولين الجانب والدماثة والصدق والوفاء
والأمانة، إلى غير ذلك من محاسن الأخلاق والأعمال، وبعكس ذلك نرى بعض
الناس يعامله والده بالشدة والغلظة، ولا يضحك في وجهه، ولا ينبسط له، وإذا
عمل عملاً قبيحًا صب عليه سوط عذاب، أو كما يقول بعض العامة في بلاد الشام:
(لعب العصا بجلدو) ، ومع ذلك تراه كذوبًا مرائيًا شرسًا أحمقَ خائنًا ماكرًا فاحشًا
متفحشًا سبابًا لعانًا، وبالجملة: منغمسًا في الرذائل، ملطخًا بحمأة المقاذر،
مسترسلاً في الفجور، ولولا الاعتناء بتربيته لما بلغ هذا المدى، ولا انتهى في
الفساد إلى هذه الغاية.
والنتيجة من هذه المشاهدات: أن الأخلاق مواهب وحظوظ،
وليست بالتربية. وأن التربية ربما عادت على صاحبها بالخذلان، وكانت كالدواء
لم يصادف محله فأودى بمتناوله وأورده مورد الهلكة.
فموسى الذي رباه فرعون مُرْسَل ... وموسى الذي رباه جبريل كافر
والجواب عن هذا في غاية الظهور وإليك البيان: إن معاملة الوليد باللين
والرفق وأخذه بالرأفة والحلم، وعدم إهانته بالسب والشتم، كل ذلك من أفضل
أساليب التربية وأنجعها وأنجحها، إذا لم ينتهِ إلى حد الإهمال وإرسال الحبل
على الغارب، وإن الشدة والقسوة والإهانة بنبز الألقاب، وضروب الإيلام
مفسدة للأخلاق، ومدعاة للشرور والفجور، وإن أمهات الرذائل كالكذب
والخيانة والمكر والاحتيال والمداهنة لا تتولد إلا من الظلم والضغط على
الحرية الشخصية، كما سنوضحه فيما بعد.
فهذه الحجة دليل على نفع التربية وفائدتها، لا على ضررها، على أن
زمام التربية ليس بأيدي الوالدين والمعلمين دائمًا، بل ربما كان بأيدي
الخلطاء والمعاشرين أكثر مما هو بأيديهم. وهناك أمر آخر حقيق بالاعتبار، وهو
ناموس الوراثة، وكل ذلك سنفصله تفصيلاً.
وأما قولهم: فموسى الذي رباه فرعون ... إلخ، البيت المار فهو من حجج
الشعراء التي لا يتبعهم عليها إلا كل غوي مبين. ويعنون بموسى الذي رباه جبريل
السامري الذي اتخذ العجل لبني إسرائيل، ودعواهم تربية جبريل له باطلة وأفيكة،
انتحلها هذا الشاعر الغوي الذي جعلوه قدوة لهم ولعمري إن فيها غميزة بمقام روح
القدس وأمين الوحي عليه السلام. والحق أن جبريل إنما ربى موسى الرسول؛ لأنه
هو الروح الذي يؤيد الله تعالى به الرسل والأنبياء، لا الغواة الأشقياء (نعوذ بالله
من غلبة الجهل) .
ويا ليت شعري هل يقولون بأن تربية فرعون لموسى كان لها دخل في ارتقائه
إلى مقام الرسالة، لا وإنما يحتجون بذلك على عدم وجود فائدة للتربية بالكلية،
وجَهِلَ هؤلاء الحمقى أن الذين اجتنوا فوائد التربية من أهل أوربا وثبتت لديهم
بالاختبار والمشاهدة، اللذين هما أقوى الأدلة والبراهين، قد جعل بعض ملاحدتهم
كلام الشاعر شبهة على الطعن بنبوة موسى عليه الصلاة والسلام، وزعموا أن
نشوءه في بيت الملك، وتربيته في حِضْن السياسة والشريعة المصرية قد نبها فكرته
للقيام بتلك الدعوة التي حرر بها أمته، وأن ما جاء به من الشريعة مقتبس من
شريعة المصريين، مع تنقيح وتحوير يناسب حال شعب إسرائيل (نعوذ بالله من
هذا الضلال البعيد) ، وليس المقام هنا مقام رد شبه الملاحدة، ولكن لا بد من كلمة
تحول دون تمكن الشبهة من فكر الجاهل، وهي إذا جاز أن يأخذ موسى (عليه
السلام) شريعته من شريعة المصريين، فهل يجوز أن يكون ما جاء به من
المعجزات التي أدهشتهم وأبطلت السحر الذي كانوا يخدعون به الناس مأخوذًا من
المصريين، كلا بل سول لهم الكفر ما يأفكون.
ثم إن التربية والتعليم متلازمان بمعنى: أن الثاني لازم للأول، لا يتم إلا به
بل هو جزء منه؛ لأن التربية على ثلاثة ضروب: تربية الجسم، وتربية النفس،
وتربية العقل، وهذا الأخير هو عين التعليم، ثم كل منها يحتاج للعلم والتعليم،
ولكننا نفرد للتعليم مقالات مخصوصة نبين فيها وظائف المعلم والمتعلم، وكيفية
التعليم، ويدخل في هذا البحثُ في المصنفات وأساليبها، ونبدأ بالكلام على القسم
المهم من التربية، وهو: تربية النفس، المعبر عنه بتهذيب الأخلاق، وموعدنا
الأعداد الآتية، إن شاء الله تعالى.