للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: صالح بن علي اليافعي


رد الشبهات على النسخ وكون السنة من الدين
لليافعي
(٤)

بحث أحاديث الآحاد وهل هي من أصول الدين
قال الفاضل حفظه الله: الكلمة الرابعة بيان أسباب أن أحاديث الآحاد لا تفيد
اليقين. ونحن نقول: هذه دعوى قد سبقه بها كثير ممن لم يبعد غوره في طلب هذه
المسألة، وكان الأجدر بهؤلاء الباحثين أن يبحثوا عن جري الإنسان النظري
الطبيعي، أهو مفطورعلى الصدق والتصديق، أم على الكذب والتكذيب؟ إن من
أمعن النظر وحققه، وجرب الواقع ومحصه، يرى أن الانسان مجبول على قول
الصدق، ومفطورعلى تصديق كل ما سمع. هذه هي حالته الطبيعية؛ لما نرى أن
الصغار الذين هم في حالة السذاجة وعلى الجري الفطري الطبيعي الذين لم تملهم
الحوادث والطوارئ والأحوال المكتسبة - لا يكادون يكذبون خبرًا ولا يكذبون في
خبر. نعم، قد نرى من بعضهم في بعض الأحيان ما يشوش هذا الخلق الطاهر؛
كالذهول والنسيان؛ ولكننا إذا اعتنينا بهذه النكتة السوداء المكدرة لصفاء هذا
المجراء الطاهر المستقيم، نرى ذلك مرضًا من الأمراض العارضة المختلفة
باختلاف أسبابها، وباختلاف المتأثر والقابل، فالنسيان بأقسامه؛ قد يظن بعض
الناس أنه لازم طبيعي للبشر، وليس الأمر كذلك، وإنما هو مرض أو أشبه
بالمرض، ويصح أن يقال: إن كل ما انتقش في الحافظة لا يزول ويمحى بالكلية،
وإنما إذ صرفت همة الإنسان وقصده الشواغل، فهو يذهل عن بعض ما انتقش في
حفظه، فإذا استعجل وترك التفتيش عما في الخزانة المحكمة المصونة، ولم يميز
ما يأخذ منها، فربما ركبت له هذه الحركة الفكرية الخفية الغير المنتظمة صورة بدل
صورة، أو صورة مركبة مما في هذه الخزانة لما قدمنا أو لأنه ضعف أخذه لها
حين حفظها لضعف قصده ونحوه، وحينئذ إذا أراد أن يخبر عن ذلك وقع في خبره
الخلل. ودواء ذلك صدق القصد ابتداء واستمرارًا وانتهاء أي: وحينما يريد أن
يحدث بذلك. وذلك يكون بالمراجعة والمذاكرة مع من يشاركه في ذلك، وعلى
الأقل بالرجوع إلى نحو كتاب؛ دفعًا للطوارئ التي تتناوبه وتشوش استمرار شعوره
بما حفظ. يوضح ذلك أن الإنسان كثيرًا ما يتذكر ما نسيه، والوجدان شاهد ذلك ٠
وكما أن الذهول يكون فيما حفظه الإنسان، كذلك يكون فيما يتلقاه ويشاهده في
الخارج والواقع. وانتقاش الأشياء في الحفظ يختلف قوة وضعفًا باختلاف الاستعداد
والتوجه، وقوة الاكتساب حين الأخذ. فظهر بذلك أن النسيان ليس بوصف ذاتي
لكل إنسان لا ينفك عنه؛ إذ لو كان كذلك لم تحفظ شيئًا؛ لامتناع قيام الشيء الذاتي
ونقيضه بمحل واحد، فالقوة التي تحفظ بها ليست هي قوة النسيان ولا سببه، وإنما
النسيان ذهولنا عن تمييز ما حفظناه لسبب ما - مما قدمناه- وإذا كان الصدق
والتصديق هو أصل الفطرة، فما يعارضه من نسيان وكذب، فإنما يكون لأسباب
طوارئ وعوارض لمن انحرف ومال عن مقتضى الفطرة الطبيعية، وقد عرفت
دواء النسيان ودواء الكذب الذي لا يضاهيه دواء: هو استشعار خوف الله المطلع
على كل خفية. وعليه فلا يبعد أن يقول: يمكن أن يكون مضى على البشر زمان
لا يعرفون فيه غير الصدق والتصديق؛ لعدم أسبابه أو ضعفها ٠ وعليه فما نراه من
تصديق بعضهم بعضًا في جميع شؤونهم هو إرث بقاء، ولذا نراهم يستهجنون
الكذب والكذابين، حتى رسخت قباحته وصارت من الضروريات، واستحسنوا
الصدق حتى صار من المستحسنات وبما قررناه يثبت: أن الاصل في أخبار الآحاد
هو إفادة العلم واليقين. إلا إن فساد الأخلاق قد غير من ذلك كثيرًا ممن خرج عن
الفطرة وعن الدين. لكن لا يجب أن لا يبقى من ذلك شيء يفيد الصدق، إذا كان
المخبر والمخبر ممن تهذبت فطرتهم، وقوي تمكنهم بالدين مع استعمالهم لجميع
الأدوية المانعة لطروّ مرض النسيان، فليتأمل الناظر.
فقول الفاضل: (إن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين) إن أراد أن بعضها لا تفيد
ذلك لضعف حامله؛ إما لأنه عُرف بالخلط والخبط في أخباره، أو لأنه كان مظنة
لذلك؛ فهو صحيح في بعض الحالات لا في بعضها الآخر، حيث يعلم أنه يشارك
المخبر في مضرة الكذب، وأنه لا غرض له فيه، أو أنه يخاف عقاب المخبر إن
كذب عليه، ففي هذه الصورة قد يفيد خبر الواحد الفاسق الظن الراجح أو العلم
لبعض الناس؛ ولذلك لم يأمر الله برد خبره ولا قوله إلا بعد التبين , وإن أراد
حضرته أن كل فرد فرد من أخبار الآحاد وأحاديثهم لا تفيد كل فرد فرد من المخبَرين
(بفتح الباء) العلم، فالواقع والعقل يكذب هذه الدعوة. ولا عبرة بقول من تقدمه
بهذا الإطلاق كائنًا من كان. نقول ذلك إيثارًا للحق والحقيقة غير طاعنين في ذواتهم
وفضلهم.
إنه مهما قال من خالف ما ذهبنا إليه، ومهما جهد في التشكيك والتشويش مما
يظن أنه تحقيق، فإنه لا يستطيع أن يغير الفطرة التي لا يكاد أن يخرج عنها فرد
من البشر مختارًا أو ملجأ، وإن من خالفنا فإنه لا وجود لخلافه لا في الواقع ونفس
الأمر، ولا في الاعتقاد، وخلافه لا يتحقق بأكثر من الوجود في القول والعبارة؛
لأن الإنسان ملجأ بالضرورة في أكثر شئونه إن لم نقل في كلها إلى من يعتمد عليه
في التعاون، ولا واسطة لذلك تقوم مقام الإفهام والتفاهم في الأمر والأخبار.
ولما كان الإنسان مدنيًّا بالطبع، كان التصديق في الإفهام والتفاهم طبيعيًّا له.
ولما كان الارتفاق والاجتماع البشري يشتمل على كثير من العلوم أكثرها ضروري
له، فمن اشترط لهذه العلوم غير طرقها، كان محصل قوله ونتيجته إنكار هذه
العلوم وإهمالها الذي من لازمه تفكيك هذا الاجتماع البشري، ومحو علوم هذا
الارتفاق وهو غالط. ومنشأ هذا الغلط أخذ المتأخر قول من تقدمه أصلاً ثابتًا بدون
نقد، وتثبت فيه كما يقال: إن العلم واحد لا يكون بعضه أقوى من بعض، أو إنه
لا يقبل الزيادة والنقصان، أو إنه لا يتفاوت في جزئياته أي: لا يتفاوت في من قام
به من الأشخاص، أو أن الطرق المؤدية إليه شرائطها واحدة، وإن مقدماتها لا
تقبل احتمال التغير، حتى بفرض المانع الذي لم يتحقق وجوده، ونحن لا نقبل هذه
الأقوال ونحوها على إطلاقها، لكن بعد التفصيل والتقييد. فمن اشترط في علم
المعلوم تحقق علته وسببه في نفس الأمر، وصفاته ولوازمه كذلك، وعدم الموانع
كذلك، فقد كلف نفسه ما لا تطيقه، وطمع فيما يكاد أن لا يكون للبشر فيه مطمع،
والعبرة عندنا في ذلك اطمئنان النفس، فإن كان ذلك كسبيًّا فلا بد من بذل الجهد في
الدليل بحسب الاستطاعة. والحاصل أن العلوم كثيرة والطرق المؤدية إليها كذلك؛
وهي مختلفة وطرقها كذلك، ولكل شرائط لا يمكن التزامها في الأخرى، فعلوم
الاجتماع والارتفاق: كاللغات ومتعلقاتها، وعلوم الشرائع والأديان وملحقاتها،
وكذلك علوم الآثار والتاريخ والطب، ونحو ذلك، لا يمكن كل أحد أن يكتسبها
بالعقل أو بالحواس مباشرة ودائمًا، فلا بد من الواسطة، فنشترط فيها أن تكون مما
تطمئن النفس إليها لا مطلقًا، بل بعد بذل الجهد المستطاع، وبناء على ذلك فمن
بلغه حديث ولم يقصر عادة ثم اطمأنت إليه نفسه، فقد حصل له العلم واليقين، ولا
عبرة باحتمالات لم تشوش جزمه، واطمئنان نفسه، والمسلمون تطمئن أنفسهم إلى
هذه الأحاديث المكتوبة عن الثقات الضابطين والأئمة العارفين، فهي تفيد أكثرهم
العلم.
ونقول لحضرة الفاضل ومن قال بقوله: ما دليلكم على أن أحاديث الآحاد لا
تفيد اليقين؟ فإذا قال: إن كل فرد فرد من البشر يجوز منه وعليه الكذب والذهول
والنسيان، وكل من جاز عليه ذلك جاز أن ينسى الخبر ويكذب فيه، واستنتج أن
كل فرد فرد من البشر يجوز أن ينسى خبره أو يكذب فيه. فإذًا ترتب على ذلك
كبرى وهي: كل من كان كذلك فخبره يحتمل أن يكون منسيًّا أو محفوظًا، وكذبًا
أو صدقًا، فالنتيجة أن كل فرد من البشر يحتمل أن يكون خبره منسيًّا أو
محفوظًا، وكذبًا أو صدقًا. هذا غاية ما يمكن أن يقولوه في الاستدلال، وهو كما
تراه يفيد أن خبر كل فرد فرد يحتمل الصدق والكذب. ونحن لا نسلم صحة الكبرى
التي أسس عليها، وأهل المنطق لم يقولوا بذلك، بل قالوا: القضية قول يصح أن
يقال لقائله: إنه صادق فيه أو كاذب. ولم يتعرضوا لنسبة ذلك إلى المخبر فتفكر.
وما ذكره الفاضل - حفظه الله - فإما أن يكون مراده: أنها لا تفيد اليقين في
حد ذاتها أعم من الواقع والذهن، وإما أن يريد أنها لا تفيد ذلك في أحدهما. وعلى
كل تقدير فهو ترجيح لأحد الاحتمالين بلا مرجح؛ لأن لا دليله يفيد ولا ينتج إلا أنه
يمكن أن تفيد اليقين، ويمكن أن لا تفيده، كما أن صريحه أنه يحتمل أن تكون
الأخبار صادقة ويحتمل أن تكون كاذبة فالاقتصار على أحد الاحتمالين مغالطة،
وهذا إن سلم إنما يكون قبل الاختيار والفحص في المعنيات الخارجية. أما إذا نظر
في ذلك وفرضناها في الخارج فهي لا تكون إلا صادقة أو كاذبة. فإن قال: مرادنا
أن ما كان محتملاً للصدق والكذب لا يفيدنا أحدهما اليقين بذاته، فصح قولنا: خبر
الآحاد لا يفيدنا اليقين، كما أنه لا يفيدنا نقيضه. قلنا: هذا لا يصح إلا بعد ثبوت
وتسليم أشياء كثيرة: فمنها ثبوت أن كل فرد من المخبرين (بفتح الباء) يجب
أن يستشعر احتمال النسيان والذهول والكذب وجوازه في كل أخبار المخبرين
(بكسر الياء) ودون القول بوجوب ذلك ووجوده في الواقع كذلك خرط القتاد،
لجواز أن يكون فيهم من لا يستشعر ذلك أصلاً أو يستشعرها. لكنها تكون عنده
ضعيفة بحيث لا تمنعه عن التصديق بخبر الآحاد؛ لأن الواقع والمشاهد أن أكثر
الناس يجزم بخبر الآحاد ويصدقون بها. وما ذلك إلا لما ذكرناه وأنه دليل على
صحة ما قدمناه؛ من أن من فطرة الإنسان وطبيعته الصدق والتصديق، وأن ما
يعرض لذلك من احتمال النسيان والكذب طوارئ عارضة نادرة، والنادر قل أن
يلتفت إليه في أكثر أمور العامة وأكثر الناس عامةً.
وأيضًا هذه الطوارئ العارضة، قد عرف الناس أنها لا تكون إلا لأسباب:
إما أعراض للكاذب، أو تقصير في الضبط والحفظ، وما لم يقو احتمال وجودها لا
تقوى أن تكون مانعة للجزم والتصديق بالخبر إلى غير ذلك. فإن أبى إلا المناقشة،
وقال: لا عبرة بالعوام إذا كان التحقيق عند المحققين أن هذه الاحتمالات عارضة
ومانعة عن التصديق بأخبار الآحاد. قلنا: يلزمك أولاً - أن كل ما يجزم به العوام
من كل ما أدركوه كذلك أن لا يكون علمًا في حقهم، وثانيًا - أنا لا نسلم اتفاق
المحققين على ما ذكرت، بل أكثرهم يعطون كل خبر مما يوجد في الخارج ما
يستحقه، وهم يعلمون أن بعض المخبرين صادقون وبعضهم كاذبون وكذلك أخبارهم
إن سلمنا أن بعضهم يقول: إن خبر الآحاد يفيد الظن الراجح أو إنه لا يفيد العلم،
فإنما يقول: إن ذلك شأنه في حد ذاته لا بالنظر إلى حال المخبرين والواقع في
نفس الأمر. وإن أراد بعضهم غير ذلك فقوله عندنا ركيك، ولا بد أن يكون فعله
وعمله يكذب قوله، ولا خير في قول يكذبه فعل قائله.
ونقول أيضًا: إنا لا نسلم الصغرى التي أسست عليها دليلك لا كلية ولا دائمة
بيانه أن الكاذب لا يجب أن يكذب دائمًا، ونحن يمكن أن نميز كذبه في بعض
الأحيان، وإذا كان يجوز أن نعرف ما يحتمل أن يكون كذبًا وما لا يحتمل، لم تصح
أن تصدق الصغرى كلية دائمة، وإذا كان يوجد كثير من الناس أهل كمال وفضائل
لا يكذبون، ونحن نعرفهم بسيماهم وبالتجربة الصحيحة، بطل صدق الكذب في
أخبار الآحاد كلية، فالأخبار التي لا تؤخذ إلا من مثل هؤلاء لا يصح أن يفرض
فيها احتمال كذب الراوي، فهي صادقة وسالمة عن أن يشوشها احتمال الكذب.
أما احتمال الذهول والنسيان فقد قررنا أنه: إما أن يكون سببه مرض طارئ
وحادث، ومن كان مصابًا بمرض في حافظته لا بد وأن يكثر ذهوله ونسيانه، ومن
كان كذلك حاله فهو يعرف لكل من عاشره وخالطه، وإما أن يكون سببه تقصير في
الحفظ والضبط، وهذا يعرفه من قارنه وصاحبه في الطلب والتلقي حين المذاكرة
والمراجعة. وكل من عرف بما ذكرناه فحديثه مردود عند أهل الحديث، إلا أن
الثاني قد يتقوى بالشواهد والقرائن في بعض الحالات، فظهر أنه مع ندور طروء
هذه العوارض، يمكن أن نميز من تكون هذه الاحتمالات في أخباره ومن لا.
ونقول: إذا صح أن يوجد في البشر من يجب أن يكون صادقًا لتُقاه وورعه
وعدالته، ولا نظن أن حضرة الدكتور ينكر وجود هؤلاء بالكلية، فإذا سلم قلنا له
إنه يمكن الاحتراز عن الذهول والنسيان بأشياء وطرق كثيرة: كالمراجعة
والمذاكرة والكتابة والدرس والتدريس وكثرة الحاجة إلى العمل. وهذه موانع للنسيان
ومعينة على الحفظ مع سلامة المحل وصدق القصد، وهذه من المجربات الذي اتفق
على تجريبها كل الناس وشهدوا بصحتها، فمن نازعنا في ذلك ألزمناه أن يطعن في
جميع المجربات، بل في المحسوسات بلازمات لا محيص له عنها إن شاء الله.
فظهر ظهورًا لا غبار عليه أن قول المعارض الفاضل - حفظه الله -: إن كل فرد
فرد من البشر الآحاد يجوز عليه الذهول والنسيان في خبره، لا يصح لا دائمًا ولا
كلية، لا في المخبرين (بالكسر) ولا في المخبرين (بالفتح) ولا في الخبر كذلك
كما تقدم، وإذا بطل دليلهم ثبت أن بعض أخبار الآحاد تفيد بعض الناس العلم وهو
المراد.
ونقول: إن من ذهب إلى أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين- أي العلم - فقد خالف
البرهان وخالف ما اتفق عليه الناس في جميع شؤونهم. ألا ترى اعتماد كل فرد منهم
واطمئنانه إلى خبر أبيه وأمه، وزوجه وإخوانه، وأقاربه وأقرانه، وأصدقائه
وجيرانه، وغيرهم. ونراهم يرسلون أموالهم مع هؤلاء، ومع الخدم والأعوان
والأولاد الصغار المميزين؛ اعتمادًا ووثوقًا بأخبارهم، لا فرق بين المرسل والمرسل
إليه، يكون ذلك مع الاطمئنان الكامل، والطمأنينة لا توجد مع احتمال النقيض. إن
التاجر ونحوه، والمرابي البخيل المقتر يعتمد على مثل ذلك في معاملاته ومراسلاته،
وفي مصدره ومورده من أموره وثروته التي هي عند بعضهم أعز عليه من نفسه،
فلولا حصول العلم الذي تطمئن إليه نفسه لم يقدرعلى فعل وترك ما ترك؛ اعتمادًا
على أخبار لا يثق بها، بل هي تحتمل الصدق والكذب، مثل من ذكرناهم جميع
البشر في جميع شئونهم، فإذا رأينا من يشكك بالقول دون الفعل يبدي احتمالات قد
تصدق على بعض الأخبار بعد تعيينها، فهل يصح أن نقول: يجب أن تكون جميع
الأخبار كذلك، في الواقع تحتمل ذلك، أو أن نقول: إنه لا يوجد من يصدق بأخبار
الآحاد وتفيده اليقين؟ وهل يجوز لنا اعتماد قول هذا القائل لاسيما إذا كان قوله
يخالفه فعله؟ وهل يوجد فرد من البشر سليم العقل لا يحصل له العلم، ولا يعتمد
على خبر الآحاد في جميع حالاته.
نحن لا ننكر أنه يكون في بعض أخبار الآحاد ما يفيد الظن، بل بعضها لا تفيد
أكثر من الشك، وبعضها نقطع بكذبه إلا أنا لا نكابر الواقع، ونقول: إن كل فرد
فرد دائمًا لا يفيد العلم واليقين مطلقًا لما عرفت أنا إن قلنا بهذا القول فقد أسأنا
الظن بأفراد الإنسان كلهم حتى الأمراء والعلماء، ولئن جزمنا بذلك فمع مخالفتنا
للعقل، فإنا لا يمكنا أن نعيش بينهم بعيشة طيبة. ومن الأدلة على ما ذكرناه فوق
ما تقدم؛ أن الله أرسل أكثر رسله فردًا فردًا ولم يرسلهم دفعة إلى الناس كجمع
التواتر الذي يزعمه التواترية؛ وما ذلك إلا لأن خبر الآحاد الذي ذكرناه قد يفيد
العلم. فإن قيل: إن الرسول مؤيد بالمعجزة، قلنا: إن التأييد بالمعجزة إنما يكون
في بعض الأحيان. وأيضًا ليست هي شرطًا في الإرسال؛ لأنها إنما تكون إذا وجد
الجاحد المكذب أو من حصل له الشك أو نحوه. أما على قول التواترية فذلك لا
يصح، ومن لازمه أن لا يحكموا بإيمان من آمن برسول من رسل الله عليهم السلام
إلا بعد أن يرى المعجزة أو غيره بها عدد التواتر، ويتحقق أنها معجزة لأن ما سوى
ذلك لا يفيد العلم واليقين. لكنه خلاف المعلوم بالضرورة من سيد الأنبياء - عليهم
السلام - وخلاف ما علمناه بالضرورة من تلقي البشر عنهم وتصديقهم، والإيمان بهم
وبشرائعهم.
أفليس من المعلوم أن الرجل الواحد من البدو الأعراب وغيرهم، كان يأتي
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيؤمن به، ورسول الله صلى الله عليه وسلم
يحكم بإيمانه، وأكثر أولئك وغالبهم لم يروا معجزة ولم يسألوا عنها، غايته أن
بعضهم له فراسة تدله على أن هذا الرجل صلى الله عليه وسلم صادق؛ لأنه يدعو
إلى البر والعدل، فبذلك حصل لأكثرهم الإيمان، وبعضهم حَلَّفَ النبيَّ صلى الله
عليه وسلم واكتفى بذلك، حيث اطمأنت إليه نفسه، وأولئك أعلى المؤمنين بعد
الأنبياء إيمانًا، حتى إنهم بذلوا أنفسهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا؛ ولتكون
كلمة الله هي العليا. إن من يشترط التواتر في إفادة الأخبارِ العلمَ واليقينَ، يلزمه
أن يقول: إن هؤلاء السادات لا يصح إيمانهم، وإنهم لم يحصل لهم إيمانا. نحن لا
نقول: إن حضرة الدكتور يقول ذلك ويلتزمه لا هو ولا من وافقه من العلماء،
يقولون: إن أخبار الآحاد تفيد الظن، ولكنا نقول: إن اختياره ذلك تبعًا لهم هفوة
من لازمها ما ذكرناه، وما استلزم الباطل فهو مثله ويجب الرجوع عنه.
ونقول أيضًا: لو صح ما قلتم، لم يصح أن يوصف أحد من أفراد البشر غير
المعصومين بأنه صادق؛ لأن المتكلم بغير الواقع في الأخبارلا يكون صادقًا،
والقول بذلك يناقض ما دل عليه القرآن الكريم مثل قوله تعالى: {وَكُونُوا مَعَ
الصَّادِقِينَ} (التوبة: ١١٩) ، وأخبر بأنه ينجي الصادقين بصدقهم، فوصفهم
بالصدق، وأنه ينجيهم بصدقهم الموجود، ومدح الذي جاء بالصدق والذي صدق به،
وأن الصدق ينفع يوم القيامة، ومدح الصادقين والصادقات، وذم وتوعد الذي
يكذب بالصدق إذا جاءه والذي يعرض عن الصدق. وبعض هذه الآيات هي وإن
كان سبب نزولها خاصًّا. لكن في العدول إلى الألفاظ العامة ما يؤيد ما تقرر عند
أهل الأصول أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ٠ فظهر بذلك أن الصادق
والصدق الذي هو العلم موجود، وأنا مأمورون بقبول ذلك واتباعه، وما ذكره الله
مما قدمناه: إنما هو الصادق والصدق من الآحاد ولو كان العام واليقين والصدق لا
يحصل إلا من أخبار الجموع المتواترة لم يصح أن يوصف الواحد والاثنين، بل
ولا العدد المعين بصفة الصدق، وهذا بين البطلان عرفًا وعادة ونقلاً وعقلاً.
لا ندري ما العذر المقبول لمن سمع قوله تعالى: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} (التوبة: ١١٩) إذا رد خبر الصادق الذي قد عرف صدقه وأنه من الصادقين
العدول؟ فإن قيل كيف نعرف أنه صادق، وصدق الشخص في بعض الأمور مما
يصح أن يخفى علينا؟ قلت: قدمنا الكلام في أنه هل يمكن أن نعرف الكذب
والكاذب أم لا؟ وسيأتي مزيد كلام عليه، أما كون الشخص ممن عرف بالصدق
فذلك بين، وهو لا يسمى صادقًا إلا بعد أن يعرف بالتجربة ويتصف بالتقوى؛ لأن
التصديق والإيمان قد اعتبر معرفتها بالدلائل الظاهرة، وذلك من باب الاستدلال
بالأثرعلى المؤثر، وبلازم الشيء على الشيء، كما قال تعالى: ?? {فَإِنْ
عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكُفَّارِ} (الممتحنة: ١٠) الآية، ونحن لا
نعلم ما في القلوب، لكن لما كان الإيمان بالأنبياء وشرائعهم من لوازمه أشياء ظاهرة،
يتعين أن لا يوجد بعضها إلا بسبب الإيمان، ساغ أن يستدل بها على وجود
الإيمان، فكان العلم بها علمًا بالإيمان.
ونقول أيضًا: إن الله - جل وعلا - كما أمرنا بأن نصدق الصادقين، لم
يأمرنا برد خبر الفاسق بمجرد سماعه، بل أمرنا بالتبين كما قال تعالى: {إِن
جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات: ٦) الآية، وفي ذلك من الحقائق الدقيقة
والجليلة ما لا يقدر قدره إلا من رزقه الله الفهم في كتابه، كما قال بعضهم: كأنه
تعالى يعلمنا ويرشدنا إلى قواعد هي من أصول العدل، وأنفع خلال الاجتماع
والارتفاق، وأعظم أسباب الظفر والسلامة، فقوله تعالى: {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ
فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات: ٦) هو أمر بالتأني والتبصر في خبر الفاسق صراحة،
وإلى ما شاركه وماثله من بعض الوجوه إشارة؛ وما ذلك إلا لأن الفاسق قد يصدق،
فلا يليق أن يهمل خبره بالكلية، بل لا بد من التنبه والحزامة والاستعداد، فلا نبقى
في غفلة وسبات ربما أضرت بنا، ولا نصدقه فيما يضر بمن أخبر عنهم؛ لئلا
نندم على ما فرط منا؛ ولئلا نخسر مودة أعوان وأنصار ونحوهم، والتبين والتأني
في نحو ما ذكرناه هو؛ كالاقتصاد في الأخذ والعطاء ونحوه من أمور الثروة
والاقتصاد.
قلت: ولما كان المخبر لا يخلو؛ إما أن يكون معتبرًا في الرواية وهو الثقة
الضابط أو لا يكون كذلك وهو الفاسق في الأخبار والرواية. وإما أن يكون بين بين
وهو غير المعروف حاله، فالثاني صرح بحكمه في هذه الآية، ولما كان مفهوم
حكم الفاسق يتناول الشيئين اللذين ذكرناهما لم يوجب التبين والتأني، بل ترك ذلك
إلى عرفنا وما تطمئن إليه أنفسنا، وهذه حكمة بالغة في تأسيس القواعد تفهم من
حكم واقعة شخصية معينة في القرآن. ومن جهة أخرى نحن إذا عرفنا حكم الفاسق
فكأنه نبه به على حكم مقابله وهو: الضابط الثقة العدل؛ لأنه قد انغرس في الفطر
والعقول أن الشيء يعطى نقيض حكم مقابله، وذلك مقتضى التقابل. ومفهوم الأمر
بالتبين. إما النهي عنه كما عرفت وهو حكم المقابل، وإما الندب إلى عدمه، وإما
الإباحة، وإما الإرشاد إلى أن حكم ذلك راجع إلى العرف وما تطمئن إليه النفس كما
قدمنا ذلك، وعلى كل تقدير فمفهوم هذه الآية مخالف لما ذهب إليه حضرة الفاضل:
من أن أخبارالآحاد لا تفيد اليقين، أو أنها تفيد الظن المذموم، وذلك ظاهر لا نطيل
بتفصيل وجوهه.
نحن أشرنا إلى الاحتجاج بعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر
الأنبياء عليهم السلام في إرسالهم الآحاد للتبليغ عنهم، وتلك حجة لا مناص لمن
يشترط التواتر في ذلك عنها، وحضرة الدكتور الفاضل لم يجب عن ذلك ولا عن
غيره بجواب شافٍ، فأما قولك: إن أولئك كانوا نوابًا وولاة أمور ولاهم الرسول
صلى الله عليه وسلم، فليس الأمر كذلك، بل فيهم من ليس كذلك. ولو سلم فليس
طاعة ولاة الأمور في الدينيات بآكد من طاعة العلماء. بل المعروف من دين
الإسلام أن من لم يعلم شيئًا، فالواجب عليه أن يسأل أهل العلم لا فرق في ذلك بين
أمير ومأمور، على أنه قد دل القرآن الكريم على وجوب الدعوة إلى دين الله، وقد
تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بذلك، وقد أجاز وأمر بالتبليغ عنه
إجازة عامة لكل أحد؛ بشرط أن لا يكذب عليه، وكل عالم هو في الحقيقة نائب في
التبليغ عن النبي صلى الله عليه وسلم، وطاعته فيما يبلغ عن الله ورسوله صلى الله
عليه وسلم واجبة.
أما قول الفاضل فوجوب طاعتهم إنما هي لأنهم ولاة أمور. فجوابه إنا لم
يكن بحثنا في وجوب الطاعة، وإنما البحث في التصديق بالخبر في أمر ديني
محض، ومن المعروف شرعًا أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، على أنه
قد اختلف المفسرون في المراد من أولي الأمر في قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (النساء: ٥٩) فمنهم من قال: هم الأمراء، ومنهم من قال:
هم العلماء. أما قوله: إن الرسول يمكن أن يعلمه الله بالوحي فيتدارك الخلل في
أقرب وقت إلى آخره، فنقول: هذا لا يمنع استدلالنا على وجوب العمل بأخبار
الآحاد؛ لأنه إذا وجب التصديق على المرسل إليهم، أو من بلغهم الحكم، فاستدراك
ذلك بالتكذيب والعزل ونحوه لا يضرنا في الاستدلال؛ لأنه على كل تقدير وقع
للمخبرين (بالفتح) العلم بخبر هؤلاء، وعلى الأقل وجب عليهم العمل بذلك وهو
المطلوب. ونقول أيضًا: إنه لم يتبين بالوحي كذب هؤلاء كمن مات النبي صلى
الله عليه وسلم وهو على ولايته، أيا ترى ماذا يفعل الناس؟ أليس من لازم ذلك
أنك ألصقت بالدين تهمة شنيعة وهي: وجوب طاعة الأمراء في كل شيء حتى
الدينيات المحضة، وهذا مما لم يوجبه لأنفسهم الأمراء المستبدون، وإنما يتداخلون
في هذه الأمور بتوسط فتاوى العلماء، فيا خيبة الأحرار، وياللبشرى للمستبدين من
رواج هذا المذهب، ولنكتف بالتنبيه على مثل ذلك لظهور فساده، فإن دعت حاجة
عدنا بالتفصيل التام لهذا المقام، إن شاء الله.
ونقول أيضًا: إنه قد تواتر النقل الذي لم يشذ عنه فرد من الأمة الإسلامية،
أن الأصحاب الكرام رضي الله عنهم قد احتجوا على من بعدهم وبعضهم على بعض
بما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كان العمل لا يجب بخبر الآحاد، ولا
يلزم التصديق به، لم يسغ لأحد منهم الاستدلال والإنكار واللوم إلا إذا كان معه عدد
كثير يؤيدون خبره، بأن يكونوا مثله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحيث
يكن ذلك لا من المخبر ولا المخبر (بالفتح) علم أن من اشترط التواتر في
وجوب العمل بالأخبار، قد خالف طريقهم التي درجوا ومضوا عليها وأمرهم الله
ورسوله صلى الله عليه وسلم بسلوكها في التبليغ، ولو كان ما زعمه حضرة
الدكتور الفاضل صحيحًا لا نسد باب التبليغ عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال حضرة الفاضل في الكلمة الرابعة: أولاً - قد يكون الراوي كذوبًا
لكنه منافق ومتظاهر بالصلاح إلى آخره، وأقول: إن أراد أن ذلك قد يكون شاذًّا
ونادرًا، وأن أهل الحديث يعرفون ذلك، فذلك مسلَّم، وقد وجد من هذا حاله ليشكك
المسلمين في الرواية وغيرها، وقد أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، لكن
أهل الحديث قد عرفوا هؤلاء وكشفوا عن حالهم، ومن كان بهذه الصفة هو مهما
بالغ في التستر، فلا يمكنه أن يروج حيلته عليهم؛ لأنه لم يعرف بعد الفحص أن
أحدًا من أئمة الحديث اعتمد ووثق من بان أن حاله كذلك، فمثل من هذا حاله إنما
يعمد إلى العوام، حيث يكون بعيدًا عن العارفين من أهل الحديث، فحديثه لو وجد
فإنما يوجد فيما يتتبعونه من الشواذ المناكير ونحوها التي إذا كتبوها يفردون لها كتبًا
مخصوصة؛ لئلا يغتر بها أحد من العامة في العمل بها، أما في الرواية المعتبرة
عندهم فمثل ذلك معروف تركه، ومن عرف طريقة المحدثين في الأخذ والتحمل
والأداء؛ وشرائطهم في الرواية والرواة الذين يطلقون على ما رووه الصحة
والتحسين، يعرف أنه لا يمكن الدخيل أن يدس فيه كذبًا أو يروج فيه زورًا، ومن
ذا الذي يمكنه أن يمضي كل عمره في التستر وكتمان جميع أسراره، حتى من
أصدقائه وخلانه الذين يمكن أن تفلت على أحدهم ساقطة من أمره. إنه لا يمكنه
إرضاء الناس كلهم؛ ليستروا عليه لاسيما أهل الورع، على أنه إن كان لأحد الناس
القدرة على ذلك، فإن لأهل الحديث طرقًا يعرف بها حال أمثال هؤلاء؛ لأن من
شرط الراوي الثقة: أن يكون معروف الاسم والنسب، والذي لا يعرف كذلك هو
مجهول عندهم. وأما ما يرى من أن بعض الرواة غير منسوب في بعض كتب
المحدثين، فذلك نادر وهم لا يكتفون بذلك إلا فيمن عرف حاله، ومن تتبع ذلك
عرفه.
ولهم طريق أخرى في معرفة المتستر المشار إليه، وذلك بمعرفة بلده ومنشئه
وأخرى أن يكون ممن عرف بالطلب والأخذ عن أهل هذا الفن المشهورين، قال
بعضهم: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون لا يؤخذ عنهم الحديث، يقال: إنهم ليس
من أهله، وأخرى: وهي أن لا يكون ما يرويه مخالفًا لما رواه المعروفون عن ذلك
الشيخ، وأخرى: وهي أنه لا بد يكون الراوي ممن عرف بالفهم والمعرفة وكثرة
السماع والمذاكرة، وأخرى: وهي ما إذا كان لذلك الشيخ رواة فشُرط أن لا يتفرد
برواية شيء دونهم، وأخرى أن لا تكون في مروياته نكارة. أقول: والمنافق الذي
يريد أن يشكك المسلمين ويشوش عليهم دينهم لا يسلم من وجود النكارة في حديثه؛
لأن ذلك غرضه الذي تظاهر بالصلاح والتقوى لأجله، وإن لم يفعل فتستره لم يعد
عليه بفائدة، فظهر أن ما يسميه أهل الحديث بالصحة، وما يعتمدون عليه في
الاحتجاج، لا يصح أن يوجد فيه ما يروى عن المنافقين، ولا ما هو مكذوب لا
أصل له، وفوق كل ذلك لطف الله وعفوه عن الخطأ والنسيان {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن
نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} (البقرة: ٢٨٦) وقد صح أن الله قال: (قد قبلت) .
أما تجويز كون بعض الرواة قد يخطئ المراد إذا حدث بالمعنى، فجوابه أنهم
(رحمهم الله) لم يهملوا ذلك، بل اشترطوا للتحديث بالمعنى شروطًا لا يمكن لأحد
منهم أن يروي الحديث بالمعنى بدونها: فمنها أن يكون ممن عرف بمعرفة معاني
الحديث، ذا اقتدارعلى اختيار الألفاظ العربية الصالحة لذلك، فإن قيل: كيف
نعرف أنه فعل الواجب المشروط. قلت: لأنه ثقة ضابط من أهل الصدق والإيمان
فهو يتحرى الصواب؛ تدينًا وخوفًا من الله، تعالى. فلا بد - والحالة هذه - أن
يرى ما هذا حاله، إما بالشك أو أنه إذا أوجس من نفسه قصورًا في التعبير، يصرح
بأن هذا نقل بالمعنى؛ كأن يقول أظن معناه كذا، وحينئذ ينظر حال الراوي المذكور،
فإن كان ممن عرف بالمعرفة مستكملاً للشروط قبل حديثه وإلا رد، وفوق كل ذلك
نعرف خطأه إن أخطأ في التعبير بالمعنى؛ بأن ننظر في الأحاديث التي رواها عن
شيخه غير هذا الراوي، فإن وافق معناها معناه وإلا عد حديثه من الشواذ أو
المناكير، فهذه طريقة فوق ما تقدم تشترط عندهم في من يحدث بالمعنى، وبها
يعرف خطؤه إذا ضعفت معرفته المشروطة بعض الضعف، وبذلك يكون مطعونًا،
فإن كثر منه ذلك تركها. فلا خوف على الحديث من الكذب ونحوه، وقد نقاه الأئمة
الكبار والحفاظ الأبرار، وكتبوه بعد التحري وكمال الفحص مطابقًا لشرائطهم،
ولبعضهم شرائط أكثر من غيرها، وما ذكرناه هو المجمع عليه عندهم وهذه الكتب
التي كتبوها قد نقلتها عنهم الأمة نقلاً عامًّا، وأجمع أهل العلم بعد الفحص على أكثر
الصحيح، ووسموا كل حديث بسمته وبينوا حاله، وقربوا البعيد لمن يريده بغاية
السهولة، وبما ذكرناه يندفع كل طعن يمكن أن يقال.
قال: وقد ينسى شيئًا مما سمعه ويقع في الغفلة بسبب ذلك بدون أن يشعر به.
وقد قدمنا الكلام على مسألة النسيان، ونقول: أولاً - إن الأئمة الحفاظ الثقات
والعدول الأثبات لا يكاد مسلم يسيئ الظن بحيث يتهمهم بإهمال ما سمعوه من حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يعرضوه للذهول والنسيان؛ لأنا نعلم من
اعتنى وتعهد ما سمعه بالمذاكرة والمراجعة ونحوها كالكتابة؛ فإذا حدث مع كمال
الاحتياط والأناة والتأني والتبيين، لا يقبل العقل عدم شعوره بالنسيان البعيد التوقع؛
إن وقع علمنا ذلك بالتجربة الصحيحة المطردة التي أجمع عليها البشر كلهم كما
قدمنا الكلام على ذلك، إن من يقع له السهو في أمر ما، فإنا جازمون بأنه لم يقع له
ذلك إلا بتقصير وقع منه فليتهم نفسه. ولذا قلنا غير مرة: إن الراوي الثقة إن وقع
له سهو نادر فهو يذكر المروي بالشك، ما لم يتبين.
إن من لم يكن بالحالة التي عرفت ليس عند أهل الحديث من الأثبات، فهم لا
يأخذون بحديثه ولا يصححونه ولا يقبلون مروياته، فما فرضه الفاضل إنما يكون
في غير رواة الحديث الصحيح المحتج به، فالإيراد ليس في محله وليس رجال
الحديث الصحيح إلا مثل من قد جربته من خلانك الذين طالت صحبتك معهم، حتى
عرفتهم وعرفت صدقهم ونصحهم، فإذا أرسلت أحد هؤلاء برسالة تلقاها منك حتى
حفظها، ثم لم يزل يرددها على لسانه وقلبه، فإن كان له شريك فهو يتذاكر في ذلك
معه أو يتصفحها في مكتوب عنده، أفلا يكون مطمئنًّا بخبره عنك من عرف حاله
مثل معرفتك؟ فإذا كان خبر مثل هذا مما تطمئن النفس إليه، ولا يقبل التشكيك فيه،
فما بالك برجال ثقات، ضباط، علماء، أتقياء، حفظوا حديث رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وجعلوه شغلهم لا يرحلون ولا يقيمون إلا في خدمته، وحفظه،
وتنقيته مما يشوبه، قد انقطعوا لذلك، ووقفوا أنفسهم عليه بالكتابة، والمراجعة،
والمذاكرة، والدرس، والتدريس، والدعوة إليه، والعمل به، يأتمرون بأمره،
وينتهون وينهون لنهيه، صدقوا بخبره، ووعظوا واتعظوا بعبره، امتلأت قلوبهم
رهبةً وخوفًا من مخالفته، والكذب عليه صلى الله عليه وسلم معتقدين أنه هو الدين،
الذي هو حق اليقين.
فإن قيل هذا معروف، ولكن الكتابة كانت نادرة في زمن الصحابة، قلت:
إن كثيرًا من الصحابة كان يكتب أو يستكتب، والبعض الآخر مع كمالهم في الحفظ
والاحتياط زيادة عن غيرهم، فالذي يروى عنهم قليل بالنسبة إلى المكثرين الذين
يكتبون منهم والذين تبعوهم بإحسان رضي الله عنهم، فذلك القليل لا يمكن أن
يحدثوا به مع الذهول بدون أن يشعروا بما فيه من الخلل والنسيان، وليس ما تراه
من الأحاديث هو مرويًّا عن واحد منهم، وإنما هو مروي عن مجموعهم، أما ما
نقله الفاضل حفظه عن عمران بن حصين رضي الله عنه؛ فهو لا يدل على مدعى
الفاضل وغايته إن صح أن يكون جرحًا في من عناه، على أنه يحتمل التأويل؛
لأنه لم يعين المجروح ولا وجه جرح معين، وعمران المذكور رضي الله عنه قد
حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحاديث كثيرة، قال: إن حفظ الأحاديث
إذا كانت طويلةً - إلى قوله - عسير جدًّا، وخصوصًا إذا ألقيت مرة واحدة.
وأقول: لم يوجد حديث واحد من الأحاديث الصحاح طويل مفرط، حتى إنه يندر
أن يوجد فيها ما يقارب المفصل من سور القرآن في الطول، والنبي صلى الله عليه
وسلم لم يلق عليهم هذه الأحاديث دفعةً واحدةً، ولا الرواة يأخذونها عن المشايخ كذلك
بل كان صلى الله عليه وسلم يتخولهم الموعظة، وتارة قد يعيد لهم معنى ما حدثهم به
في الأيام الماضية، فمن سمع ما كان قد سمعه تذكره وأتقنه، ومن سمع جديدًا
حفظه هو أو غيره، وكان صلى الله عليه وسلم يكرر الكلمة حتى يقولوا ليته سكت،
وعادته المطردة أنه كان يكرر الكلمة ثلاثًا لتحفظ عنه، وهم رضوان الله عليهم
يتدارسون ويتذاكرون ما تعلموه منه صلى الله عليه وسلم، وكانوا يجلسون لذلك في
المسجد حلقًا، وكان يتناوبون الحضور لأخذ العلم منه صلى الله عليه وسلم، وإذا
غزا كان يأخذ من كل فرقة منهم طائفة؛ ليخبروا إخوانهم إذا رجعوا إليهم، مع ذلك
كله هم أزكى العرب وأصقلهم أذهانًا، وغير خاف ما امتاز به العرب من قوة الحفظ
وصفاء الأذهان والذكاء المفرط، حتى إنهم كانوا يحفظون القصائد الطوال التي
تنشر في المواسم مرة واحدة لأول وهلة، فهل يستبعد أحد أن يحفظ الواحد من
الصحابة رضي الله عنهم الجملة القليلة من الأحاديث التي يلقيها عليهم الرسول
صلى الله عليه وسلم متفرقة في أيام وسنين وأعوام كثيرة؛ وهم بالصفة التي عرفت،
وهم مع ذلك لا يزالون يتذكرونها تارة من نفس قائلها صلى الله عليه وسلم،
وتارة من أقرانهم وإخوانهم وأصحابهم للعمل والإرشاد وغير ذلك كما تقدم ,
والأحاديث إنما رويت عن مجموعهم رضي الله عنهم، على أن المكثرين منهم قد
صح أنهم كانوا كتبوا واستكتبوا ما سمعوه وحفظوه عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم وبعضهم عن بعض، وكتابتهم لم تكن ككتاب يصنف في هذا الزمان، وإنما
كانوا يكتبون ذلك وقعات، كلما سمعوا شيئًا كتبوه، وبعضها أشبه بدفاتر التجار
اليوم. فاعتراضات حضرة الفاضل الثاني والخامس والسادس؛ هي في الحقيقة
ليست بواردة على ما عندنا من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي
واردة على أحاديث فرضية قدرها الفاضل في ذهنه، وليس الحقيقة والواقع في
الرواية عندنا إلا ما عرفناك فانتبه ولا تغفل.
هذه الاعتراضات هي أشبه شيء بما إذا رأى بعض الناس بناء عظيمًا كمنارة
وقال: كيف نصبت هذه، ومن الذي حملها فنصبها دفعة واحدة، فإذا أخذ هذا
العجبُ، فإنما ذلك لعدم علمه، ولو دري أنها إنما بنيت بالتدريج لم يكن كذلك، كما
يقال: إذا عرف السبب زال العجب.
هذا وإنه ليسوؤنا من حضرة الفاضل حفظه الله إيراد مثل هذه المغالطات مع
علمه بما ذكرناه، ونحن لم نكن نظن أنه بهذه المثابة، وكذلك عجلته على ما ذكر:
من أنه يريد أن يطبع رسالة فيما نحن بصدده؛ قبل أن تتم المناظرة ويتبين له
الصواب من الخطأ، فنرجو من حضرته أن لا يطبع ذلك إلا بعد انتهاء المناظرة،
وبعد أن يتكلم مع شيخ الإسلام السيد محمد رشيد رضا؛ لأجل أن يصلح ما شاء أن
يصلحه، على أن الدين الحق لا يعدم أنصارًا، والله المستعان.
((يتبع بمقال تالٍ))