للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


فتاوى المنار

حكم من يتجسس على المسلمين من توبة وإمامة وغيرهما
(ص ٤٧ - ٥٣) من صاحب الإمضاء في الجزائر
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
حضرة صاحب الفضيلة العلامة شيخ الإسلام الأستاذ سيدي محمد رشيد رضا
حرسه الله تعالى وحفظه لدين الإسلام، آمين.
بعد واجب السلام والاحترام، فأرجو من فضيلتكم الجواب عن الأسئلة الآتية:
ما حكم الشرع في رجل مسلم كان في أثناء الحرب العظمى متوظفًا عند دولة
أوربية مسيحية إمامًا يصلي على قتلى رعاياها من المسلمين، ثم هذه الدولة
المسيحية أرسلته جاسوسًا لها في بلاد إسلامية، وقد علمت دولة إسلامية بتجسسه
وعزمت على إلقاء القبض عليه وشنقه، ومع الأسف قد علم بذلك وهرب إلى تراب
الدولة المسيحية التي يتجسس لها، ثم بعدما قضت هذه الدولة مآربها به أرجعته
لوطنه وأعطته في مستعمرتها وظيفة إمام في مسجد إسلامي جزاء لخدمته إياها وهو
إلى الآن يصلي خلفه المسلمون ويُدعى مصلحًا! ! !
(١) هل من فعل هذه الجرائم يُقبل إسلامه؟ (٢) هل يقتله الشرع
الإسلامي؟ (٣) هل تجوز الصلاة خلفه؟ (٤) هل توبته (وفيها ريب) تقبل
بعدما تجسس لدولة مسيحية على إخوانه المسلمين؟ (٥) هل صلاته وصومه
يكفر عنه هذه السيئات، ويعد مؤمنًا بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟
(٦) هل يجوز للمسلم أن يتجسس على إخوانه المسلمين لينال حطام الدنيا، ثم
بعد ذلك يتوب توبة نصوحًا؟ هل تُقبل منه وتُغفر سيئاته؟ (٧) هل يجوز للمسلمين
أن يسمعوا إرشادات خائنين مثل هذا الجاسوس التائب؟
نرجو من فضيلتكم الجواب الكافي، لقد كثر بوطننا أنواع هذا الخائن لأمتهم
ودينهم حتى تكشف خزعبلات هؤلاء الجناة وينقطع تيارهم، فهم أكثر سبب
مصائبنا ودمارنا، ولولا هؤلاء الخائنين لما وصلنا إلى ما نحن فيه، وإننا منتظرون
الجواب بالمنار الأغر ودمتم للإسلام والمسلمين.
... ... ... ... ... ... ... ... ... السائل
... ... ... ... ... ... ... ... عبد القادر الجزائري
(ج) من يرضى لنفسه أن يكون جاسوسًا لأعداء المسلمين في حربهم لهم
يبين لهم عورات المسلمين ومواضع ضعفهم وقوتهم وغير ذلك مما يُعَدُّ من أسباب
فتكهم بهم وانتصارهم عليهم - لا يُعقل أن يكون مؤمنًا صادقًا؛ لأن هذه ولاية لأعداء
المسلمين عليهم في الحرب {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ
الظَّالِمِينَ} (المائدة: ٥١) فهو في الغالب منهم في دينهم ومذهبهم أو منافق يُعَدُّ
منهم في الكفر الجامع بينهم والفاصل بينه وبين الإسلام، كما قال تعالى في منافقي
المدينة {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَئِنْ
أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ} (الحشر:
١١) الآية.
وقد استدل عمر بن الخطاب على نفاق حاطب بن أبي بلتعة (رضي الله
عنهما) بإرساله كتابًا إلى مشركي مكة يخبرهم فيه بعزم النبي صلى الله عليه وسلم
على فتح مكة ليتخذ له يدًا عندهم، مع اعتقاده أن الله تعالى لابد أن ينصر رسوله
عليهم علموا أو لم يعلموا، واستأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله فلم يأذن له
بذلك، لما ثبت عنده صلى الله عليه وسلم من إيمان أهل بدر (وكان حاطب منهم)
ومن مغفرة الله لهم، وسأل حاطبًا عن سبب إرسال الكتاب فاعتذر له وقبل عذره،
وفي هذه المسألة نزلت صورة الممتحنة، ويؤخذ منها أن بعض القرائن التي تدل
على الكفر والنفاق قد تكون دلالتها غير قطعية في الباطن، مهما تكن واضحة في
الظاهر؛ لأن صاحبها قد يكون متأولاً، وقد تكون له نية صحيحة في التجسس بأن
تكون لدرء الضرر عن المسلمين الذين يتجسس عليهم، فهذا الفعل نفسه معصية لا
كفر، ولكن قد يكون سببه الكفر، ولا يجوز لأحد من الناس قتله بسابق عمله؛
وإنما يرجح حسن الظن في الرجل الذي يكون حاله في الاعتصام بدينه قبل ذلك
وبعده قويًّا ظاهرًا، وقليل ما هم.
حدَّثني المعاون المسلم لوالي (بنارس الهندية) في بنارس وكنت ضيفًا عنده،
وهو أفغاني الأصل أن حكومة الهند الإنكليزية جعلته من الرجال الذين يقومون
بخدمة الأمير حبيب الله خان أمير الأفغان مدة زيارته لبلاد الهند، وأن غرضها من
ذلك أن يكون جاسوسًا عليه.
قلت له: وكيف اعتمدت عليك حكومة الهند في هذا وأنت مسلم مستمسك بعروة
دينك وأفغاني الأصل، وهي تعلم أن الأفغان من أشد الناس تعصبًا لدينهم ولجنسهم
كما علمنا نحن من حكيمهم بل حكيم الإسلام والشرق السيد جمال الدين الحسيني
رحمه الله تعالى؟ قال: نعم إن الحكومة كانت تعلم أنني لا يمكن أن أخبرها بشيء
يضر الأمير، وتعلم مع هذا أنني لا أكذب، فكل فائدتها أن أقول الحق فيما لا يضر
فإنه ينفعها في تمحيص ما يخبرها به سائر الجواسيس الذين كانوا يحفُّون من حول
الأمير.
وأما توبة الجاسوس من ذنبه، والمنافق من نفاقه، والكافر من كفره فهي
صحيحة مقبولة إذا كانت توبة نصوحًا، ويترتب عليها صحة صلاته والصلاة خلفه؛
ولكن لا يجوز لمسلم أن يُقْدِم على مثل هذا التجسس طمعًا في حطام الدنيا
واعتمادًا على التوبة بعد ذلك، كما أنه لا يجوز فعل أي ذنب ومعصية اتكالاً على
التوبة والمغفرة؛ ولكنه إن فعل وكان صحيح الإيمان على ضعف فيه فلا يبقى
أمامه إلا التوبة والإكثار من الأعمال الصالحة رجاء في قوله تعالى: {إِنَّ
الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} (هود: ١١٤) وقوله: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ
وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} (طه: ٨٢) .
وأما سماع المسلمين لإرشاده ونصحه بعد علمهم بما سبق من جرمه، فيتوقف
على ما يظهر لهم من حاله بعد التوبة، فمن ثبت عنده صدق توبته وحسن حاله
بعدم اجتراحه لما يجعله محلاًّ للتهمة فلا بأس بسماعه لنصحه وإرشاده فيما لا محل
له فيه للشك والتهمة، ومن كان لا يزال يسيء الظن به فهو بالضرورة يعرض عن
سماع نصحه، وينبغي للجمهور أن يظهروا المقت من سابق عمله فيما لا مفسدة فيه
ليكون ذلك عبرة لغيره.
***
تفسير الشيخ طنطاوي جوهري
(س٥٤) من حاضرة تونس لصاحب الإمضاء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، محمد بن عبد الله، وآله
ومن والاه.
حضرة صاحب الفضيلة العالم الهمام، مرشد الأنام لحقيقة الإسلام، سيدي
محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار الغراء، حاطه الله بالرعاية وأطال له البقاء،
آمين.
بعد إهداء طيب سلامي، وأداء لائق احترامي، لسامي مقامكم، وشريف
قدركم الأسنى، فأنهي لجنابكم الأعلى، أني طالعت بعض ما كتبه الشيخ سيدي
طنطاوي جوهري المحترم على سورة البقرة ووسمه بالتفسير، وبما أن نفسي لم
تطمئن لبعض ما قرأته فيه لتطبيقه الآيات على الاختراعات العصرية، والسنن
الطبيعية، مما يظهر لمثلي القاصر أن آي الذكر الحكيم، وحديث رسوله الكريم،
بعيدة كل البعد عن هذا المسلك الذي سلكه الشيخ المذكور، وبناء على ظني بأنكم
اطلعتم على كله أو جله لاهتمامكم المتزايد وغيرتكم على السنة والكتاب الحكيم
وتسرون بخدمتها الخدمة المرضية، كما أنكم تفحمون من يتنكب الصراط السوي،
تقدمت لفضيلتكم مؤملاً أن تبينوا لنا ولجميع قراء المنار الأغر رأيكم وحكم الله في
التفسير المذكور بيانًا شافيًا واضحًا حتى يصح لنا أن نقول بأن كل ما خطه قلم
الشيخ طنطاوي الموقر وجزم بأنه مأخوذ من الآيات القرآنية، ومستمد من الأحاديث
النبوية، هو في محله موافق لما أراد الله من الآية، مطابق لمغزى حديث رسوله
صلى الله عليه وسلم مقبول من لدن العلماء الفضلاء ولا محل لنقده، ولا سبيل
لتفنيده، بل عمله هذا مصيب فيه كل الإصابة، الجائز عليه الثواب والإثابة،
يوجب من المسلمين له الشكر والثناء الجزيل، ويرغب النشء وغيرهم مطالعته،
والتعويل على كتابته، مع إدامة النظر والاعتبار في دقائقه، وختامًا نكرر القول
بأننا نترجى الجواب السريع الشافي، والحكم النزيه الوافي، من رأيكم المصيب،
وإنصافكم المعهود، ولكم من الله جزيل الشكر والإحسان، والثواب والإعانة من الله
الرحمن.
... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد خوجه
(ج) إنني كنت رأيت الجزء الأول من هذا التفسير في دار صديق لي منذ
بضع سنين، وقلبت بعض أوراقه في بضع دقائق فرأيته أحق بأن يوصف بما
وصف به بعض الفضلاء تفسير الفخر الرازي بقوله: فيه كل شيء إلا التفسير،
وقد ظُلم الرازي بهذا القول فإن في تفسيره خلاصة حسنة من أشهر التفاسير التي
كانت منتشرة في عصره، مع بعض المباحث والآراء الخاصة به، كما أن فيه
استطرادات طويلة من العلوم الطبيعية والعقلية والفلكية والجدليات الكلامية التي بها
أعطي لقب (الإمام) لرواج سوقها في عصره. والأستاذ الشيخ طنطاوي مغرم
بالعلوم والفنون التي هي قطب رحى الصناعات والثروة والسيادة في هذا العصر،
ويعتقد بحق أن المسلمين ما ضعفوا وافتقروا واستعبدهم الأقوياء إلا بجهلها، وأنهم
لن يقووا ويثروا ويستعيدوا استقلالهم المفقود إلا بتعلمها على الوجه العملي بحذقها
مع محافظتهم على عقائد دينهم وآدابه وعباراته وتشريعه، ويعتقد حقًا أن الإسلام
يرشدهم إلى هذا، بل يوجبه عليهم، فألَّف أولاً كتبًا صغيرة في الحث على هذه
العلوم والفنون والتشويق إليها من طريق الدين وتقوية الإسلام بدلائل العلم، ثم
توسع في ذلك بوضع هذا التفسير الذي يرجو أن يجذب طلاب فهم القرآن إلى العلم،
ومحبي العلم إلى هدي القرآن في الجملة والإقناع بأنه يحث على العلم، لا كما
يدعي الجامدون من تحريمه له أو صده عنه؛ ولكن الأمر الأول هو الأهم عنده،
فهو لم يعن ببيان معاني الآيات كلها وما فيها من الهدى والأحكام والحِكَم بقدر ما
عني به من سرد المسائل العلمية وأسرار الكون وعجائبه (ولهذا قلنا إنه أحق من
تفسير الرازي بتلك الكلمة التي قيلت فيه) .
ولا يمكن أن يقال إن كل ما أورده فيه يصح أن يسمى تفسيرًا له، ولا أنه
مراد الله تعالى من آياته، وما أظن أنه هو يعتقد هذا، إذ يصح أن يقال حينئذ إنه
يمكن تفسير كلمة {رَبِّ العَالَمِينَ} (الفاتحة: ٢) بألف سفر أو أكثر من الأسفار
الكبار تضعه جمعيات كثيرة كل جمعية تعنى بعالم من العالمين، فتدون كل ما يصل
إليه علم البشر فيه، ولا يمكن أن يقال إنه لا يمكن انتقاده، بل الانتقاد على ما فيه
من التفسير ومن مسائل العلوم ممكن {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} (يوسف: ٧٦)
وقد قلنا إنه لم يعن بقسم التفسير منه كثيرًا ولا سيما التفسير المأثور، وأما هذه
العلوم فالبشر يتوسعون فيها عامًا بعد عام، فينقضون اليوم بعض ما أبرموا بالأمس،
فليس كل ما دوَّنه أهلها صحيحًا في نفسه، فضلاً عن كونه مرادًا لله من كتابه،
وإنما أُنزل الكتاب هدى للناس لا لبيان ما يصلون إليه بكسبهم من العلوم
والصناعات؛ ولكنه أرشد إلى النظر والتفكر فيها ليزداد الناظرون المتفكرون إيمانًا
بخالقها، وعلمًا بصفاته وحكمه.
وأما السؤال عن رضاء الله عنه وإثابته عليه فلا يقدر بشر على الجواب عنه
بالتحقيق؛ لأن علمه عند الله تعالى وحده؛ وإنما نقول بحسب قواعد الشرع الإلهي
إنه إذا كان قد ألَّفه لوجه الله تعالى وابتغاء مرضاته فإن الله تعالى يثيبه عليه، فما
أصاب فيه فله عليه أجران، أجر الإصابة وأجر الاجتهاد وحسن النية، وما أخطأ
فيه فله عليه الأجر الثاني مع رجاء العفو عن الخطأ، وهذا ما نظنه فيه.
وجملة القول إن هذا الكتاب نافع من الوجهين اللذين أشرنا إليهما في أول هذا
الجواب، وصاحبه جدير بالشكر عليه والدعاء له؛ ولكن لا يُعوَّل عليه في فهم
حقائق التفسير وفقه القرآن لمن أراده؛ فإنه إنما يذكر منه شيئًا مختصرًا منقولاً من
بعض التفاسير المتداولة، ولا يُعتمد على ما يذكره فيه من الأحاديث المرفوعة
والآثار لأنه لا يلتزم نقل الصحيح، ولا ذكر مخرِّجي الحديث ليُرجع إلى كتبهم
فلابد من مراجعتها في مظانها، وما ينفرد به من التأويلات فهو يعلم أنه يخالف فيه
جماهير العلماء وهم يخالفونه؛ وإنما راجعت بعضه في أثناء كتابة هذا الجواب
فزادني ثقة بما قلته فيه من قبل، والله أعلم.
***
جدال في شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم
ودعائه والاستغاثة به
(س ٥٥) من صاحب الإمضاء في عدن
حضرة السيد الفاضل الأجلّ العلامة السيد محمد رشيد رضا، أمتع الله بحياته
الإسلام والمسلمين.
سلامًا واحترامًا، سيدي العلامة الفاضل، أولاً أرجوكم أن تعذروني ولا
تؤاخذوني إذا وجدتم في كتابي هذا لحنًا أو ركاكة أو سوءًا في التعبير لأني قبل كل
شيء عدني، والتعليم عندنا لا يكاد يكون له وجود.
كثر عندنا في هذه الأيام لفظ المتوهبين - لا الوهابيين - وزاد، وليس عندنا
من ينكر على الإمام محمد بن عبد الوهاب مذهبه؛ ولكن لسوء الحظ أوقع القدر لهذا
المذهب بين ناس يجهلون حقيقته حق الجهل، وإليكم ما صار اليوم في محفل كان
يضم جمعًا من الناس.
قام رجل من القوم بعد جلوس طويل أضناه قائلاً: يا رسول الله أنت لها.
فاعترضه أحد المتوهبين بقوله: إن الرسول له الشفاعة لا غير، قال له نعم،
قال ولا يمكن لرسول الله أن يشفع إلا بإذن ربه، قال نعم، ثم رجع قائلاً الرجل
الأول إن رسول الله هو الشفيع المشفع يوم القيامة ورددها نحو مرتين أو ثلاثًا، إلا
أن ذلك الرجل المتوهب كما يسمي نفسه كلما سمع ذلك الرجل يلفظ بهذه الكلمات
ويأتي إلى يوم القيامة إلا ويلحقه: بإذن ربه، وهكذا عدة مرات فردَّ عليه بأن
الشفاعة حقيقة بإذن الله، وهذا معلوم أن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله، فلم يرق هذا
الجواب في عين صاحبنا المتوهب، وقال: لا يمكن أن تلفظ بتلك الكلمات ما لم تلفظ
بالإذن، فأجاب ذلك الرجل على متوهبنا: حسبما يظهر أن تعقيبك (بإذن الله) هو
كرهك لأن تسمع هذه الخصوصيات خالية من ذكر (بإذن الله) مع أنه معروف،
فأجابه لا، ولكن بقي ذلك الرجل يردد كلمات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
هو الشفيع المشفع فلم يتركه ذلك الرجل إلا لاحقًا به في كل مرة: (بإذن الله) .
فما الذي يفهمه سيادة مولانا من هذا الرجل بلفظه تلك الكلمات خالية من (بإذن
الله) محذور عليه فيها؟ وهل مجبور ذلك بتلفظها؟ وهل يُفهم من حضرة المتوهب
أنه يريد إفهام من حضر أنه لا يمكن للرسول أن يشفع إلا بإذن الله مع معرفتهم
لذلك ومصارحتهم له به مرارًا؟ أو المراد به أنه لا يطيق هذا سماع تلك الكلمة
خالية من (بإذن الله) لئلا يتوهم أن النبي يشفع بدون إذن الله؟
ثم طار البحث إلى أن توصلوا إلى فضل رسول الله وجاهه العظيم عند الله
وأن الله سبحانه وتعالى يغار على رسوله من كل ما يمس كرامته، فلم يسع ذلك
المتوهب إلا أن قال لأحد الحاضرين عندما قام من مجلسه وقال (يا رسول الله) إلى
أن قال له ماذا تعني بذلك؟ أتظن أن رسول الله يقدر ينفعك أو يرد عنك أي مُلمة؟
ها أنا الآن في مُلمة ادع رسول الله الآن يحضر يريحني منها، وهل في وسعه ذلك؟
فلم يسع أولئك القوم عندما سمعوا ذلك التهكم إلا أن قالوا إن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لا يضر ولا ينفع، وأن النافع والضار هو الله، وإنما محبتنا للرسول
دائمًا تجعلنا نناديه ونصلي عليه، وما كان أليق بك يا حضرة الواهب تطلب
حضور رسول الله لأن يدفع عنك الملمة لتمتحن اقتداره وقدرته، هذا ما صار
بحضورنا وجمع من الناس ورجانا من سيدي الإمام حرسه الله أن يفيدنا بما يراه في
كلام الفريقين، وهل يليق التعريض لكرامة الرسول إلى هذه الدرجة؟ أفيدونا حزتم
خير الدنيا والآخرة سواء بالكتابة إلينا حسب عنواننا أو في مجلتكم الغرَّاء حفظكم
الله.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الداعي لكم بالخير
... ... ... ... ... ... جعفرعلي
(ج) هذه الملاحاة والمجادلة والمماراة قبيحة يمقتها الله تعالى والمؤمنون
العارفون بدينهم، وقد أخطأ فيها الفريقان: أخطأ هذا الرجل الذي تسمونه المتوهب
في صفة إنكاره العنيف، وفي قوله إنه لا يجوز لأحد أن يسند الشفاعة إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلا مقترنة بكلمة (بإذن الله تعالى) وإننا نجد علماء السنة
من الحنابلة الوهابيين ومن سائر المنتمين إلى المذاهب والمجتهدين يذكرون شفاعته
صلى الله عليه وسلم عند المناسبة بدون وصلها بهذا القيد الذي يعتقدونه لقوله تعالى:
{مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} (البقرة: ٢٥٥) كما يعتقدون أن المشفوع
له لابد أن يكون ممن ارتضى له هذه الشفاعة لقوله: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ
ارْتَضَى} (الأنبياء: ٢٨) فلماذا لم يوجب هذا الرجل هذا القيد أيضًا؟
وأما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بما يُعَدُّ منافيًا لكرامته عرفًا ولو بالأسلوب
دون النص ففيه خطر عظيم على الإيمان، وقد حرَّم الله تعالى أن يُدعى باسمه في
حياته، ولم يكن الأعراب الذين كانوا ينادونه (يا محمد) يقصدون الإخلال
بالتعظيم الواجب له صلى الله عليه وسلم؛ ولكنه مخل به في عرف أدباء الحضارة
ولذلك علمهم الله تعالى ما يجب عليهم من الأدب بنهيهم عن ذلك في قوله: {لاَ
تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً} (النور: ٦٣) وكون النافع
الضار بالذات هو الله تعالى لا ينافي نفع المخلوقات بالسببية قال الله تعالى:
{وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ} (الذاريات: ٥٥) وقال حكاية عن امرأة
فرعون التي شهد بإيمانها {عَسَى أَن يَنفَعَنَا} (القصص: ٩) تعني موسى عليه
السلام، وقد نهى الله ورسوله عن المضارة، وهي المشاركة في الفعل الضار.
وأخطأ ذلك الرجل في ملاحاته ومماراته المثيرة للغضب بالتكرار وباتهامه
بأنه لا يحب أن يسمع وصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالشفيع ... إلخ،
وكلمته الأولى التي أنكرها المتوهب وهي (يا رسول الله أنت لها) لا يفهم منها
الشفاعة يوم القيامة إلا بقرينة سابقة، وهي تستعمل عند الجاهلين بحقيقة التوحيد
المصابين بدخائل الشرك، بمعنى الاستغاثة والدعاء الذي هو عين العبادة بنص
الحديث ونصوص القرآن أيضًا.
فدعاء الأنبياء والصالحين بعد موتهم لقضاء الحاجات عبادة لهم؛ لأنه ليس
من الأسباب التي يكون فيها الدعاء والطلب من العادات، وهو غير دعاء الأحياء
فيما هو داخل في العادات والأسباب كما شرحناه مرارًا كثيرة، وهذا هو الذي أنكره
الرجل لما يعهده من كثير من الجاهلين من جعله كدعاء الله تعالى؛ لأنه في غير
الأسباب التي مكَّن الله الناس منها.
وجملة القول أن دعاء المخلوق للمخلوق لكشف ضر أو جلب نفع إن كان دعاه
لأمر عادي داخل في سنة الله في الأسباب والمسببات كأن يدعو رجلاً حيًّا لمساعدته
على رفع حمل وقع، أو إطفاء نار اشتعلت في داره أو متاعه أو للصدقة عليه،
فهذا يسمى دعاء عادة وسبب لا عبادة للمدعو، وإن كان لأجل ضر أو نفع ليس مما
يقدر عليه المدعو بكسبه أو دعاء لميت قد انقطع عمله الدنيوي بموته؛ فإن دعاءه
يكون عبادة للمدعو سواء كان يعتقد أنه يقدر أن يقضي حاجته بنفسسه أم أنه
يقضيها بوساطته عند الله تعالى، وثبوت الشفاعة يوم القيامة عند الله تعالى بإذنه
لمن ارتضى لا يبيح للمسلم أن يدعو من كان أهلاً لهذه الشفاعة، كما يُدعى الله فيما
لا يقدر عليه إلا الله من أمور هذا العالم، بل هو عين ما أنكره في التنزيل من
المشركين في قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ
هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (يونس: ١٨) فالرجل المتوهب خاف على منادي
الرسول صلى الله عليه وسلم مثل هذا الشرك الفاشي فأنكر عليه، فأغلظ كل منهما
فيما ينكر عليهما وعلى من يشاركهما في جدلهما، فعسى أن يتوب كل منهم إلى الله
تعالى.
***
حكم الأعياد السياسية والوسامات الدولية
(س ٥٦ و ٥٧) من الحجاز
بسم الله الرحمن الرحيم
الحكم الشرعي في عيد جلوس الملك ابن السعود
الأستاذ الحكيم والعلامة العظيم، مولانا السيد محمد رشيد رضا منشئ مجلة
المنار الغرَّاء لا زال في مقام كريم آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد فلما كان سيادتكم الركن الركين للسلفيين أهل السنة والجماعة جئت
مسترشدًا عن جواز عمل الحكومة الحجازية بإحداث عيد ثالث سموه (عيد جلوس
الملك الإمام عبد العزيز السعود) أيَّده الله آمين، وإن ما ورد في السنة من إبطال
النبي صلى الله عليه وسلم للأعياد السابقة وجعله للأمة الإسلامية عيدين: عيد
الفطر والأضحى، وما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه
اقتضاء الصراط المستقيم والإمام ابن شامة في كتابه (الباعث على إنكار البدع
والحوادث) رحمه الله تعالى لا يخفى على فضيلتكم، فأرجو بيان الحكم الشرعي
في المسألة لأن بعض الإخوان السلفيين منكرون لإحداث هذا العيد فعسى أن يظهر
لنا الحكم فيه.
إحداث الأوسمة من غير النقدين الذهب والفضة
هل يجوز إحداث أوسمة مثل سائر الدول تكون من المعدن الجيد غير الذهب
والفضة؛ فإنه يحسن بالحكومة الحجازية النجدية أن تُحْدِث أوسمة تعطيها لمن قام
يخدمها من رجالها ورجال الدولة فهل يسوغ شرعًا أم لا؟
مستفيد من الحجاز
(ج) بلغني أن بعض الإخوان الذين أشار إليهم السائل قالوا بتحريم فعل
هذه الحكومة الإسلامية ما تفعله سائر الحكومات من إحداث الأعياد السياسية، كعيد
جلوس ملك البلاد في الحكومات الملكية، وعيد الجمهورية في الحكومات الجمهورية،
وعيد الاستقلال في البلاد التي استقلت بعد عبودية، وإني لأعجب من جرأة كثير
من العلماء المتقدمين والمتأخرين على التحريم الذي جرَّأ العوام على مثل ذلك،
وهو تشريع ديني من حق رب الناس على عباده، قال تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا
تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ} (النحل:
١١٦) الآية، وقال: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} (الشورى: ٢١) وقد عرَّف علماء الأصول التحريم بأنه (خطاب الله المقتضي
للترك اقتضاء جازمًا) والدليل على اشتراطهم كون دلالة الخطاب الإلهي على
وجوب الترك قطعية - أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم
يعُدُّوا قوله تعالى في الخمر والميسر: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} (البقرة:
٢١٩) تحريما قطعيًّا على الأمة، وفي حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم أن
النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى في خيبر أن يقرب المسجد من أكل شيئًا من
الثوم، فقال الناس: حرمت حرمت، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:
(أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي؛ ولكنها شجرة أكره ريحها) ولكن
الذين يتجرءون على تحريم ما أحل الله تعالى لا يتدبرون هذه الآيات والأحاديث،
وحديث أبي سعيد هذا صريح في أن أكل الثوم مما أحل الله تعالى، والظاهر أنه
أحله بالآيات العامة في إباحة ما أخرجته الأرض، وهي الدليل على كون الأصل
فيها الإباحة من غير نص على كل نوع منها.
فإن استدلوا على تحريم هذه الأعياد السياسية بحديث أنس عند النسائي وابن
حبان: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان في كل سنة يلعبون فيهما،
فقال: (قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرًا منهما، يوم الفطر ويوم الأضحى) قلنا إن
الحديث لا يدل على ذلك دلالة قطعية ولا ظنية راجحة، بل غايته أنه أراد صلى
الله عليه وسلم أن يجعلوا العيدين الإسلاميين بدلاً من ذلك العيد الجاهلي، وما ندري
ماذا كانوا يعملون في ذلك اليوم من منكر، وحسبنا أن نعلم أنه من عادات الجاهلية،
وأن من المصلحة إزالتها ونسيانها، والاستغناء عن عيدهم فيها بالعيدين
الإسلاميين اللذين يجمع فيهما بين ذكر الله تعالى بالتكبير وصدقة الفطر والأضاحي،
وبين السرور واللهو المباح كغناء الجاريتين وضربهما الدف عند عائشة رضي
الله عنها بإذنه صلى الله عليه وسلم ورضاه، واللعب المباح كلعب الحبشة في
المسجد.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر حديث أبي سعيد هذا في الفتح وقفى عليه بقوله:
واستنبط منه كراهة الفرح في أعياد المشركين والتشبه بهم، وبالغ الشيخ أبو حفص
الكبير النسفي من الحنفية فقال: من أهدى فيه بيضة إلى مشرك تعظيمًا لليوم فقد
أشرك اهـ. فأمثال هذا الحنفي من الفتانين من المنفرين عن الإسلام بتشديداتهم
بغير علم.
ولا يصح بحال من الأحوال أن تقاس الأعياد السياسية الدنيوية على أعياد
المشركين الدينية؛ وإنما يظهر القياس عليها في أعياد الموالد التي يحتلفون فيها
بتعظيم الأنبياء والصالحين، فيجعلونها من قبيل الشعائر الدينية الإسلامية فهذا من
قبيل التشريع الذي لم يأذن به الله، والأعياد السياسية ليس فيها من هذا المعنى
شيء؛ وإنما يحكم عليها بما يفعل في احتفالاتها، فإن كان فيه منكرات محرمة
كشراب الخمر مثلاً كانت حرامًا وإلا فلا.
فإن قيل: وما تقول في إنفاق المال فيها؟ فالجواب أن إنفاق المال في المباح
مباح، وفيما فيه مصلحة راجحة مستحب، وهذا ظاهر في إنفاق الأفراد لأموالهم،
وأما إنفاق الحكام لأموال الأمة فلا يظهر فيها الأول، بل لابد في حل الإنفاق لولي
الأمر أن يكون فيما يرى فيه مصلحة للأمة.
وكذلك إحداث ما يدل على خدمة بعض الأفراد للأمة وحكومتها من وسام
وغيره إذا ثبت لأولي الأمر أن فيه مصلحة كان جائزًا لهم، أو مستحبًّا، وإن اشتمل
على مفسدة محرمة كان محرمًا، وإن لم تكن فيه مصلحة ولا مفسدة كان عبثًا
مكروها والله أعلم.