للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


حجة الإسلام
أبو حامد الغزالي
(٤)

تتمة الكلام في رأيه في العلوم الدنيوية
(تابع لما في الجزء التاسع)
(مقدمة رابعة) [١] من عظائم حيل هؤلاء في الاستدراج إذا ورد عليهم
إشكال في معرض الحجاج قولهم: إن هذه العلوم الإلهية غامضة خفية وهي
أعصى العلوم على الأفهام الذكية؛ ولا يتوصل إلى معرفة الجواب عن هذه
الإشكاليات إلا بتقديم الرياضيات والمنطقيات. فمن يقلدهم في كفرهم إن خطر له
إشكالٌ على مذهبهم يحسن الظن بهم ويقول: لا شك أن علومهم مشتملة على
حله؛ وإنما يعسر عليَّ دركُه لأني لم أحكم المنطقيات ولم أحصل الرياضيات.
(فنقول) أما الرياضيات التي هي نظر في الكم المنفصل وهو الحساب
فلا تعلق لها بالإلهيات، وقول القائل إن الإلهيات تحتاج إليها خرق كقول القائل:
إن الطب والنحو واللغة يحتاج إليها الحساب أو الحساب يحتاج إلى الطب. وأما
الهندسيات التي هي نظر في الكم المتصل يرجع حاصله إلى بيان أن السموات
وما تحتها إلى المركز كروي الشكل وبيان عدد طبقاتها أو بيان عدد الأكر
المتحرّكة في الأفلاك، وبيان مقدار حركاتها، فلنسلم لهم جميع ذلك جدلاً أو
اعتقادًا فلا يحتاجون إلى إقامة البراهين عليه ولا يقدح ذلك في شيء من النظر
الإلهي؛ وهو كقول القائل: (العلم بأن هذا البيت حصل بصنع صانع بناء عالم
مريد قادر حي يفتقر إلى أن يعرف أن البيت مسدس أو مثمن وأن يعرف عدد
جذوعه وعدد لبناته) وهو هَذَيَانٌ لا يخفى فساده وكقول القائل: (لا يعرف
كون هذه البصلة حادثة ما لم يعرف عدد طبقاتها ولا يعرف كون هذه الرمانة
حادثة ما لم يعرف عدد حباتها) وهو هجر من الكلام مستعبث عند كل عاقل.
نعم قولهم: إن المنطقيات لا بد من أحكامها، هو صحيح. ولكن المنطق
ليس مخصوصًا بهم؛ وإنما هو الأصل الذي نسميه في فن الكلام: (كتاب
النظر) فغيروا عبارته إلى المنطق تهويلاً، وقد نسميه كتاب الجدل وقد نسميه
مدارك العقول، فإذا سمع المتكايس والمستضعف اسم المنطق ظنَّ أنه فن
غريب لا يعرفه المتكلمون ولا يطلع عليه إلا الفلاسفة، ونحن لدفع هذا الخيال
واستئصال هذه الحيلة في الإضلال نرى أن نفرد القول في مدارك العقول في
غير هذا الكتاب ونهجر فيه ألفاظ المتكلمين والأصوليين؛ بل نوردها بعبارات
المنطقيين ونَصُبُّهَا في قوالبهم ونقتفي آثارهم لفظًا لفظًا ونناظرهم في هذا
الكتاب بلغتهم - أعني بعباراتهم في المنطق - ونوضح أن ما شرطوه في
صورته في كتاب القياس وما وضعوه من الأوضاع فى إيساغوجي
وقاطيغورياس [٢] التي هي من أجزاء المنطق ومقدماته لم يتمكنوا من الوفاء
بشيء منه في علومهم الإلهية؛ ولكنَّا نرى أن نفرد مدارك العقول في غير هذا
الكتاب فإنه كالآلة لدرك مقصود هذا الكتاب ونفرد له كتابًا مفردًا، يرجع إليه
ولكن رُبَّ ناظرٍ يستغني عنه في الفَهْمِ فيُؤَخِرَهُ حتى يعرض عنه من لا يحتاج إليه
ومَنْ لا يفهم ألفاظنا في آحاد المسائل في الرَّدِ عليهم. فينبغي أن يبتدئ أولاً بحفظ
الكتاب الذي سميناه معيار العلم الذي هو الملقب بالمنطق عندهم. اهـ كلام أبي حامد
الغزالي في فاتحة كتابه (تهافت الفلاسفة) وذكر بعد ذلك فهرس المسائل التي
أظهر تناقض مذهب الفلاسفة فيها وهي عشرون مسألة ثم قال ما نصه:
(فهذا ما أردنا أن نذكر تناقضهم فيه من جملة علومهم الإلهية، وأما
الرياضيات فلا معنى لإِنْكَارِهَا ولا للمخالفة فيها، فإنها ترجع إلى الحساب
والهندسة، وأما المنطقيات فهي نظر في آلة الفكر في المعقولات، ولا يتفق فيه
خلاف به مبالاة) وقد علم مما نقلناه عن كتابه (المنقذ من الضلال) أن المسائل
العشرين من الفلسفة الإلهية التي بَيَّنَ في هذا الكتاب تناقضهم فيها ليست إلا
أغلاطًا وابتداعات إلا ثلاث مسائل عدها من الكفر وهي:
(١) إنكارهم البعث الجسماني زاعمين أن الثواب والعقاب في
الآخرة يكونان على الأرواح المجردة.
(٢) زعمهم أن العالم قديم أزلي.
(٣) زعمهم أن الله تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات (راجع ص
٦٩٩) وأما الرياضيات والمنطقيات فليس فيها شيء يسمى بدعة ولا كفرًا؛
بل هي علوم حقيقة نافعة، وكذلك الطبيعيات وإن كثرت فيها إلى عهده النظريات.
ولعمري إنه لولا تساهله وتسامحه لاستخرج أكثر من هذا من أغلاطهم
المبنية على نظرياتهم الفاسدة، وما حمله على تلك الحملة عليهم إلا ما رآه من
كسر كثير من المغرورين بعلومهم لقيود التقوى وتبجحهم بضروب الفخر
وزخرف الدعوى حتى كادت تعم بفتنتهم البلوى، ولم يكن لها في عصره فائدة
دنيوية تذكر.
وقد كان - رحمه الله - فليسوفًا علميًّا لا نظريًّا فقط، ألم تر كيف جعل
المسائل الطبيعية من لباب الدين بما نفخ فيها من روحه في كتاب التفكر من
الإحياء؛ إذ يبحث فيه عن أعضاء الإنسان ووظائفها وحكمها، ومما تتألف منه
على طريقة الأطباء حتى إنه يذكر عدد عظام العضو. كذلك يبحث في الأرض
والهواء والبحار والحيوان والنبات بحثًا يدل على أنه كان واقفًا على علوم
التاريخ الطبيعي، كما انتهى إليه علم الفلاسفة في عصره إلى ما له هو من الرأي
المبتكر فيه، ومنه أن الماء ليس عنصرًا بسيطًا كما كانوا يقولون؛ بل هو مركب،
وقد حقق رأيَّه المتأخرون.
ومما بينه من طبائع الحيوان قوله في الكلام على أصناف الحيوانات من
كتاب التفكر (لو أردنا أن نذكر عجائب البقة أو النملة أو النحلة أو العنكبوت
وهي من صغار الحيوانات في بنائها بيتها وفي جمعها غذاءها وفي إلفها
لزوجها، وفي ادخارها لقوتها وفي حذقها في هندسة بيتها وفي هدايتها إلى
حاجتها - لم نقدر على ذلك، فترى العنكبوت يبني بيته على طرف نهر فيطلب
أولاً موضعين متقاربين بينهما فرجة بمقدار ذراع فما دونه حتى يمكنه أن
يصل بالخيط بين طرفيه ثم يلقي اللعاب الذي هو خيطه على جانب ليلصق به
ثم يغدو إلى الجانب الآخر فيحكم الطرف الآخر من الخيط ثم كذلك يتردد ثانيًا
وثالثًا، ويجعل بُعْدَ ما بينهما متناسبًا تناسبًا هندسيًّا حتى إذا أحكم معاقد القمط
ورتب الخيوط كالسَّدَى اشتعل باللُّحْمَةِ فيضع اللحمة على السَّدَى ويراعي في
جميع ذلك تناسب الهندسة ويجعل ذلك شبكة يقع فيها البق والذباب، ويقعد في
زاوية مترصدًا لوقوع الصيد في الشبكة، فإذا وقع الصيد بادر إلى أخذه وأكله.
فإن عجز عن الصيد كذلك طلب لنفسه زاوية من حائط ووصل بين طرفي
الزاوية بخيط ثم علق نفسه فيها بخيط آخر وبقي منكسًا في الهواء ينتظر ذبابة
تطير فإذا طارت رمى بنفسه إليه [٣] فأخذه ولفَّ خَيْطَه على رجليه وأحكمه ثم
أكله.
وما من حيوان صغير ولا كبير إلا وفيه من العجائب ما لا يُحْصَى. أفترى
أنه تَعَلَّمَ هذه الصنعة من نفسه أو كوّنه آدمي أو علمه؟ أو لا هادي له ولا
معلم؟ أفيشك ذو بصيرة في أنه مسكين ضعيف عاجز؟ بل الفيل - العظيم
شخصه الظاهرة قوتُه - عاجز عن أمر نفسه فكيف هذا الحيوان الضعيف؟ أفلا
يشهد هو بشكله وصورته وحركته وهدايته وعجائب صنعته لفاطره الحكيم
وخالقه القادر العليم؟ فالبصير يرى في هذا الحيوان الصغير من عظمة
الخالق المدبر وجلاله وكمالِ قدرتِه وحكمته ما تَتَحَيَّرَ فيه الألبابُ والعقولُ
فضلاً عن سائر الحيوانات. وهذا الباب أيضًا لا حَصْرَ له فإن الحيوانات
وأشكالها وأخلاقها وطباعها غير محصورة، وإنَّما سقط تعجب القلوب منه
لأنسها بكثرة المشاهدة. نعم إذا رأى (الإنسان) حيوانًا غريبًا ولو دودًا تجدد
عجبه وقال: سبحان الله ما أعجبه! والإنسان أعجب الحيوانات وليس يتعجب
من نفسه) . اهـ
فعلم من كلِّ ما تقدم أن رَأْيَ الغزالي في العلوم الدنيوية بطريق التفصيل
هو أن كل علم يحتاج إليه الناس في معايشهم ومصالحهم فهو من فروض
الكفاية، وما زاد عن الحاجة من مباحثه الكمالية يُعَدُّ فضيلةً لا فريضة كما
صرَّح به في الكلام على علم الحساب من الإحياء وما لا يحتاج إليه منها إلا
لنحو تسلية فهو مباح ما لم يكن فيه ضَرَرٌ أو مفسدةٌ دينية أو دنيوية. وأنَّ ما كان
ضارًّا منها فهو محرم كالسحر والتلبيس والدجل. وأن العلوم الرياضية لا ضررَ
في شيءٍ منها، وأن العلوم الطبيعية إذا قُرِنَتْ بالعبرة وتنبيه الذهن إلى ما فيها
من الحِكَمِ الدالة على علم الخالق وحكمته ورحمته، تكون من علومِ الدين التي
حثَّ عليها القرآن، وإذا اتُّبعتْ فيها الطريقة النظرية اليونانية تكون قليلة الجدوى
كثيرة الأغلاط؛ ولكن الغلط فيها لا يصادم عقيدة الإسلام، ولا يقتضي خروج
صاحبه من الدين. وإن في الفلسفة الإلهية ثلاث مسائلَ تُعَدُّ من الكفر الصريح.
وقد ذكرناها آنِفًا. وإن عِلْمَ المَنْطِقِ من مقدمات علم الكلام، وأما علم الكلام فهو
ضار بالعوام، ويجب أن لا يوجه إلا لمن عرضت لهم الشبه في عقائدهم أو
لمجادلة من يوجهون الشبه إلي المسلمين لتشكيكهم في دينهم كما سيأتي. وهو
عنده، وعند علماء الصوفية العارفين غير علم التوحيد، ولذلك جعل للتوحيد
والتوكل كتابًا في الإحياء غير كتاب قواعد العقائد. على أن ما كتبه في قواعد
العقائد ليس فيه من جدل المتكلمين إلا قليل بقدر الضرورة، وقد علمت أن
المتكلمين مزجوا بين جميع العلوم الطبيعية والفلسفة اليونانية وبين العقائد
الإسلامية وسموا ذلك كلَّه علمَ الكلام، ولذلك قيل إن موضوع علم الكلام هو
الوجود، والغزالي لا يعده من علوم الدين.
بل من رأيه أن علم الأحكام الذي يسمونه الفقه من علوم الدنيا لا من علوم الدين
وأن طلاب الآخرة يكتفون من هذا العلم بقدر ما يحتاج إليه في القضاء والإفتاء،
ولا يشتغلون باستنباط ما لا تدعو الحاجة إليه؛ بل يصرفون سائر الوقت
في علم الدين والعمل الذي يقرب العبد من ربه عز وجل كما نُفَصِّلُ ذلك في الفصل
الآتي.
* * *
رأيه في العلوم الشرعية
قسم العلوم في الباب الثاني من كتاب العلم من الإحياء إلى محمودة ومذمومة.
والمحمودة إلى شرعية وغير شرعية. وقد تقدم بيان رأيه في العلوم غير الشرعية
وأن منها ما هو فريضة وما هو فضيلة وما هو مباح. وقال: (وأما المذموم منه
فعلم السحر والطلسمات وعلم الشعوذة والتلبيسات) ثم تكلم بعد ذلك في العلوم
الشرعية، وقبل أن نذكر تفصيل رأيه فيها نذكر رأيه في العلم الذي هو فرض
عين.
العلم الذي هو فرض عين:
وذكر في أول الباب الثاني اختلاف العلماء في العلم الذي هو فرض عين على
كل مكلف، وزعْم كل من غلب عليه علم من التفسير والحديث والكلام والفقه
والتصوف أن علمه هو فرض العين. وجزم هو بأن فرض العين هو العلم
بمعنى كلمتي الشهادة وما يتبعه من العقائد السمعية من غير شك ولا اضطراب،
والعلم بالطهارة وأحكام الصلاة عند دخول وقتها، وبأحكام الزكاة عند وجوبها
على المكلَّف، وكذلك الحج، وبأحكام الصوم عند مجيء رمضان، وكذلك
حكم كل ما يكون بصدد العمل به، فإذا تصدى للتجارة وجب عليه معرفة ما
يحترس به من الوقوع في الحرام بقدر الحاجة، حتى إنه قيَّد وجوب تعلم الحذر
من الربا بشيوعه في البلد. وكذلك تحريم أكل الخنزير ونحوه، وهو يقول في
مواضع من كتبه: إن المكلَّف إذا مات قبل أن يعلم شيئًا مما يذكره المتكلمون في
صفات الله تعالى كعلمه وكلامه هل هي عين الذات أو غير الذات وهل هي قديمة أو
حادثة بأن لم يفكر في ذلك أصلاً وقبل أن يعلم بتحريم كثير من المحرمات التي لم
يكن عرضة للوقوع فيها - فلا يكون ناقصًا في دينه ولا مسؤولاً يوم القيامة عمَّا
جهله من ذلك ونحوه.
وبعد تفصيل في ذلك قال: (وهذا هو الحق في العلم الذي هو فرض عين
ومعناه العلم بكيفية العمل الواجب، فمن عَلِمَ الواجب وقت وجوبه فقد علم العلم الذي
هو فرض عين) .
وما ذكره الصوفية من فهم خواطر العدو (الشيطان) ولمة الملك حق أيضًا،
ولكن في حق من يتصدى له. فإذا كان الغالب أن الإنسان لا ينفك عن دواعي الشر
والرياء والحسد فيلزمه أن يتعلم من ربع المهلكات [٤] ما يرى نفسه محتاجا إليه.
وكيف لا يجب وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثَلاَثٌ مُهْلِكَاتٌ: شُحٌ
مُطَاعٌ وَهَوَىً مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ) [٥] ولا ينفك عنها بشر. وبقية ما سنذكره
من مذمومات أحوال القلب كالكبر والعجب [٦] وأخواتها تتبع هذه الثلاث المهلكات،
وإزالتها فرض عين، ولا يمكن إزالتها إلا بمعرفة حدودها ومعرفة أسبابها
ومعرفة علامتها ومعرفة علاجها؛ فإن من لا يعرف الشر يقع فيه، والعلاج هو
مقابلة السبب بضده وكيف يمكن دون معرفة السبب والمسبب؟ فأكثر ما ذكرناه في
ربع المهلكات من فروض الأعيان وقد تركها الناس كافة اشتغالاً بما لا يُغني.
((يتبع بمقال تالٍ))