للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: عبد الحميد الزهراوي


تتمة نقد كتاب التعليم والإرشاد

كلامه في العلوم
إن المؤلف تكلم في العلوم اللسانية والدينية ووصف من كتبها وعلمائها وحالها
الماضي والحاضر ما بعضه صواب وبعضه خطأ كبير.
وإذا ذهبنا نستقصي كل عباراته في هذه المواضع ونبين ما فيها تبعد علينا
المسافة وحسب القارئ أننا ذكرنا له نموذجًا من عباراته المملوءة غلطًا، فنوجز من
بعد في محاسبة المؤلف على كل ما في عباراته ونكتفي بحسابه على خطئه بالجملة.

الخطأ الخامس عشر
قد عرفت أن المؤلف ناقض نفسه في علم التوحيد فعدَّه مرة من العلوم
الضارة ومرة جعله ثاني المقصودين من كل العلوم، وقد أتاه هذا من أنه لم يفرق
بين علم التوحيد وعلم الكلام، وهو يعرف أن الاصطلاح والواقع فرَّقا بينهما. فعلم
التوحيد هو الذي يرشد إلى تلقين العقائد من غير فلسفة المتكلمين ولم يُجِد هذه
الطريقة إلا الذين نصر هو مذهبهم أعني أهل السنة أتباع السلف لا الأشاعرة الذين
احتكروا هذا اللقب، وقد أصاب هو فيما صنع من التنويه بمذهب السلف وأخطأ في
شدة انحائه على علم الكلام والمتكلمين، وهذا ما نحسبه عليه هنا ونناقشه فيه.
لا أنقل هنا عبارة من عباراته في هذا المعنى لما أسلفت من الاعتذار فليعلم
القارئ إجمالاً أن الكاتب بالغ في الحملة على علم الكلام والمتكلمين وأفاضت عليه
الخطابة ما أفاضت فصوَّر مسائل هذا العلم بصورة معاول لهدم الدين وصور أهله
قومًا نشيطين بالضرب بهذه المعاول. والخطابة إذا فاضت على قريحة تكبر وتصغر
وتوجد وتعدم، وبالجملة قد تطمس على صاحبها وسامعيه معالم الحقائق، ولا بأس
بأن يرجع القارئ إلى ما كتبه هذا الكاتب ليرى ما وصفنا وخذ رأينا في هذا العلم
وأهله.
إن الدين كما يعرف العارفون - ولا أقول كل أحد - هو مجموع نصوص
منقولة عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بعضها قال الرسول: إنها من قول الله
وبعضها لم يقل فيها هذا القول، أما التي هي من قول الله فالمشهور أنها نُقلت كلها
نقلاً متواترًا على اختلاف في قراءتها وأن هذه المصاحف المعروفة تجمع بين دفتيها
كل ما قال الله لرسوله وأما الأقوال الأخرى فهي المعروفة بأنها أقوال الرسول نفسه،
وهي التي تجمعها كتب الحديث. فأما المصاحف فلا جدال بين المسلمين -
والحمد لله - في أن ما فيها هي أقوال الله وأما كتب الحديث ففيها جدال ويصدق
بعض العلماء منها ما يكذب البعض، ونفرض أن كل ما سماه المسمي صحيحًا
صار صحيحًا وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ما أسنده إليه المسندون، فإنا
لا نريد فتح باب المناقشة بالنقل من حيث هو، بل نريد أن نقول: إن هذه
النصوص المنقولة كلها لا يمكن أن يسلم سامعوها من الاختلاف في فهمها؛ لأن في
الكلام حقيقةً ومجازًا وكنايةً وللكلام أساليب وفنون، والذي تكلم لم يعين ما أراد بكل
كلمة ولم ينصب رجلاً أو رجالاً لتعيين مراده فالاختلاف وقع لأنه لابد من وقوعه
والمنصف إذا زعم أنه ظفر بالحقيقة لا يسوغ لنفسه أن يسلب حق النظر من
مناظره.
الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فهموا من النصوص ما فهموا
وأكثرهم لم يسمعوا أكثرها، ولم يكن في وقتهم فراغ إلا لإقامة ما أمروا أن يقيموه،
بل كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى فيهم تشوفًا إلى البحث ينهاهم. والذين
جاءوا من بعد وجَدوا في أنفسهم حاجة لتفهم بعض الأشياء فوقع البحث فيها قبل أن
تترجم الفلسفة اليونانية، والذين لا يعرفون هذا يظنون أنه لم يبتدع علم الكلام إلا
بعد أن ترجمت الفلسفة، كلا، بل هي أمور لابد منها لذلك ظهرت من القوم أنفسهم
بمقدار ما سمح الوقت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ظن أن البحث في
مسائل الاعتقاد لم يكن في عصر النبي نفسه فهو لا يعرف التاريخ بل لا يعرف
القرآن.
وإذا جاز لنا أن نقول: إنهم أخطأوا في كل ما ذهبوا إليه من المذاهب لا
يجوز لنا أن نقول إنهم أخطأوا بما صنعوه من البحث والنظر والتفاهم؛ لأن الحاظر
على رجل وظيفة عقله وطبيعة فكره كالحاظر عليه وظيفة سمعه وبصره وطبيعة
حسه، وإذا كان مثل هذا الحظر يعاقب عليه القانون فمثل ذلك الحظر يعاتب عليه
العلم.
ماذا صنع المتكلمون؟ رأوا أن صفات الله التي نقلت إليهم من أقوال الله
وأقوال رسوله تشبه صفات الإنسان كلها ورأوا في جملة ما نقل إليهم من الأقوال
قول الله في نفسه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} (الشورى: ١١) ووجدوا هذا القول
يشهد له العقل فقالوا: إذا كانت صفات الله وأعضاؤه غير صفات الإنسان وأعضائه،
فلابد لهذه الكلمات التي وضعت لها من معانٍ غير المعاني التي نفهمها من صفاتنا
وأعضائنا. ضرورة أنها لا تخلو من معنى فالتمسوا لها معاني مما تساعد عليه اللغة،
ربما كانوا مخطئين في تفاسيرهم؛ لأنه لا يعرف الله حق المعرفة إلا هو ولكن
لا أرى في هذا الصنيع هدمًا للدين وهم لا يزالون يعترفون بأن الله صانع العلم
ومدبره ومرسل الرسل وشارع الأحكام.
ماذا صنع المتكلمون؟ رأوا أن الكائنات كلها بإرادته وأعمال العباد من جملة
الكائنات فحاروا في هذه المسألة جملة وتفصيلاً وخاضوا في بحرها فلم يجدوا ساحلاً،
سار هذا مشرقًا وسار ذاك مغربًا وكلهم يلتمسون المخلص من هذه المحارة، وهي
أن الله هل يريد كفر الكافر وفجور الفاجر أم لا يريده؟ ! فإذا أراده وجب أن يكون
فلا يستطيع الكافر أن لا يكفر فكيف يحاسبه وإذا لم يرده فكيف يقع في ملكه ما لا
يريد؟
ماذا صنع المتكلمون؟ رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بصوت
وحرف، ثم قال: هذا كلام الله، فحاروا، هل كلام الله هذا الصوت الذي سمع من
فيّ الرسول أم شيء غيره يليق بتنزه الخالق عن الصوت؟ ! . فتناظروا وتنافروا
وكان ما كان.
ماذا صنع المتكلمون؟ رأوا أن الله لا تدركه الأبصار ثم رأوا أن الوجوه إليه
ناظرة يوم القيامة فالتمسوا لنظر الوجوه إليه معنى يليق بتنزهه عن أن تدركه
الأبصار.
ماذا صنع المتكلمون؟ رأوا أن ذرات المادة التي تتركب منها الجسوم تتداخل
في جسوم أخرى، وأن لا علاقة لها بعالم الغيب كما للروح، ورأوا أن المعاد كائن
والجزاء واقع فاختلفوا هل تُجازَى الأرواح وحدها أو تركب الأرواح في أجسام
تصنع لها؟ ! وقال قائلون: بل تعاد كل تلك الذرات التي كانت الجسوم تتركب
منها على تداخلها في جسوم متعددة.
نحن قلنا: إن المتكلمين رأوا ما رأوا مما وصفنا، والحقيقة أن كثيرًا من
أفراد الأمة كانوا يسألون عن مثل هذا ولم يكن المتكلمون إلا أهل العلم الذين يُرجع
إليهم.
الخطأ السادس عشر
يقول صاحبنا (ص٥٠) : (إنه لم يكن مخالفو الرسل ومكذبوهم يطعنون في
نفس الشرائع التي جاء بها الرسل) ، ونحن لا نحاسبه هنا على خطئه في الإيهام
بأنه يعرف كل الشرائع وكل المجادلات التي جرت بين الرسل مما قال الرسل
لأممهم، وما أجابهم الأمم به فإننا إذا حاسبناه على مثل هذا احتجنا أن نكتب كتابًا
أكبر من كتابه؛ لأن هذا الإيهام مع الحكم على الكل من غير استقراء ولو ناقصًا
يراهما القارئ أنَّى ساح في فدافد هذا الكتاب القاصية.
كلا، فإن المحاسبة على هذا في كل موضع تضيع علينا وقتًا هو أثمن من أن
يصرف في مثل هذا. ولكنا نحاسبه هنا على الخطأ في هذا المعنى وهو (أن
مخالفي الرسل ومكذِّبيهم لم يكونوا يطعنون في الشرائع التي جاء بها الرسل) فنقول
ولا نريد به إلا أن يحاسب المؤلف نفسه بعد هذه المرة حينما يكتب - إن القرآن
المجيد مملوء بما كانت الأمم تعترض به على أشخاص الرسل وعلى ما جاءوا به،
فاعتراضهم على أشخاص الرسل رد للأصل فيتبعه الفرع، واعتراضهم على ما
جاءوا به صريح في رد الشرائع نفسها. وابتعادًا عن التطويل، نورد من هذا شيئًا
قليلاً ثم نوصي المؤلف أن يقرأ المصحف الشريف.
إن اعتراضات الأمم على الحشر وكل الرسل جاءوا بالدعوة إلى الإيمان به
أكثر من أن يستوفيها كتاب كبير، فمن ذلك ما حكاه القرآن المجيد من قول بعضهم:
{هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} (سبأ:
٧) ومن ذلك قول بعضهم: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} (المؤمنون: ٨٢) .. إلخ، والكلام في القرآن عن إنكارهم البعث وتكذيبهم الرسل
فيه كثير جدًّا. واعتراضات الأمم على عبادة الخالق وحده وترك عبادة الأوثان -
ولم يجيء الرسل كلهم إلا لها - أشهر من أن تذكر، فمنهم قوم نوح: {وَلاَ تَذَرُنَّ
وَدًًا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} (نوح: ٢٣) ومنهم قوم إبراهيم:
{قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} (الشعراء: ٧١) إلخ، ومنهم قوم شعيب:
{قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا
نَشَاءُ} (هود: ٨٧) ، ومقالات قريش في نبينا عليه الصلاة والسلام لا نذكرها؛
لأنَّا لا نظن المؤلف نسيها.
واعتراضات الأمم على ما كلفهم به رسلهم من الأخذ بأعمال البر كإعطاء
الأموال للفقراء وترك أعمال الشر كغصب الأموال وأكلها بالباطل معروفة أيضًا
كقول قوم شعيب: {أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء} (هود: ٨٧) وقول العرب:
{إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} (البقرة: ٢٧٥) .
فماذا بقي من أقسام الشرائع مما لم تعترض الأمم به على رسلها وأي رسول لم
يقولوا فيه مجنون أو ساحر أو شاعر أو كذاب، أليست هذه الصفات التي كانوا
يعتقدون في الرسل من جملة ازدرائهم بما جاءوا به وتكذيبه من أصله؟
كلامه في أصول الفقه
الخطأ السابع عشر والثامن عشر
تكلم المؤلف على أصول الفقه فأسهب وأصاب في مواضع وأخطأ في مواضع
وإنما نعد له خطأين في النتيجة وهما:
(١) أن علم أصول الفقه إنما يحتاج إليه المجتهد فقط.
و (٢) أنه غير لازم لهؤلاء المقلدين.
إن قصد أن المجتهد يحتاج إلى أصول الفقه على النحو الذي يعرفه الطلبة
وهو ما كان بصدده، فليس بصحيح. وإن قصد أن هؤلاء المقلدين لا يلزم لهم أن
يقرأوا علوم العربية وعلوم الحديث وهي التي يتألف منها علم أصول الفقه فقد شهد
نفسه أنه غير صحيح بدليل أنه حصر الفائدة كلها في تعلم العربية والفقه ولم ينهَ
عن علم الحديث.
فماذا يرى من بعد هذا في قراءة كتاب أو كتب تجمع شيئًا من علوم العربية
وعلوم الحديث، فتمرن هؤلاء المقلدين على ما تعلموه وتساعدهم على ما كلفوا أن
يحفظوه من فروع الفقه.
أنا لا أقول: إن التقيد بهذه الطرائق فيه الخير كل الخير، ولكني أقول: إن
تعلم هؤلاء المقلدين لأصول الفقه ولو على هذه الطرائق يخفف شيئًا من جهلهم الذي
يلازمهم بملازمتهم للفروع وحدها.
الخطأ التاسع عشر
وبما ذكرناه في الأصول يعرف المطلع عليه أن المؤلف أخطأ في تعظيم شأن
علم فروع الفقه حتى قال (ص١٣٣) : إننا في حاجة تامة لقراءة كتب الفقه.
الخطأ العشرون والحادي والعشرون
والثاني والعشرون
يحض المؤلف على قراءة كتب فروع الفقه ثم لا يرى التقيد بمذهب من
المذاهب الأربعة صالحًا بل يراه ضارًّا وهو يكره - كما نكره - هذه الكتب التي
للمتوسطين والمتأخرين ويحب - كما نحب - تلك الكتب التي للمتقدمين، وفي
مجموع كلامه في هذا الباب نجد الصواب كثيرًا ولكنا رأيناه يخطئ في ثلاثة أشياء:
(١) في تنويهه بكتب الفروع وهو يعرف أن الذين سموا بالأئمة كانوا
يكثرون من الرجوع عما يفتون به، وأن الدين يكره تعظيم الأحبار إلى هذه
الدرجة، وهو أن تكون أقوالهم شرعًا لكل زمان وكل مكان مع أن الرب الأعلى كان
ينسخ بعض شرائعه ببعض.
و (٢) في ترجيحه التعب بمراجعة كتب الأئمة كلهم والبحث في المفاضلة
بين نصوصها على التعب في ورود الشريعة من مواردها.
و (٣) في ترجيحه التقييد والأغلال التي كانت للعلم على فكه وإطلاقه وهو
يعرف أن من محاسن ديننا الشريف رفع الآصار والأغلال.
إن المؤلف في هذا الباب كاد يدرك الحقيقة ولكن تراءى له ما يخيف فنفر كما
ينفر الظبي في الفلاة رأى شبحًا مخيفًا! .. تراءى للمؤلف أن الاجتهاد يوسع دائرة
الخلاف بين المسلمين ونحن في حاجة إلى الاتفاق، فسأبين له ولغيره هنا أن هذا
الحذر ليس في موضعه.
إن الدين فنون كثيرة تجمعها أربعة أقسام:
(١) العقيدة و (٢) العبادة و (٣) الأحكام القضائية و (٤) الآداب.
أما العقيدة، فمهما أراد المسلمون اليوم أن يختلفوا لا يأتون بشيء واحد زائد
على ما وقع فيه الاختلاف وقد أسلفنا أن هذا من طبيعة الفكر مع طبيعة النص وأنه
لا يجوز الحظر فيه إنما وظيفتنا فيه أن نتواصى بتحري الحق بالإخلاص وأن
نناظر بالتي هي أحسن.
وأما العبادة فلا تحتمل الاجتهاد ونظر العقل وإنما مبلغ الناس فيها أن يبحثوا
فيما صح عن النبي تقريره بقول أو عمل، وكذلك لا يخشى مهما اختلفوا أن لا
يزيدوا على خلاف الأئمة إذا اتقوا الابتداع بزيادة أو نقص، والمشهورون من أهل
النظر والاجتهاد اليوم لا يجوزون لأنفسهم الزيادة أو النقص في العبادة عن نظر
واجتهاد لأنهم لا يجوزونهما هنا بل يقفون مع النقل فقط وللعلماء منهم معرفة حسنة
بما نقل.
وأما الأحكام القضائية وهي التي ينظر في مثلها القضاة والحكام فهي محل
الاجتهاد والخلاف فيها لا يؤثر إذا اختارت الحكومات جماعات من صالحي العلماء
يجمعون لهم الأحكام من الكتاب والسنة والقياس والنظر ويصير حكم ما يكتبونه
كحكم كتب الفقه التي يمارسها الناس اليوم.
وأما الآداب فالمعروف بيّن والمنكر بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن
كثير من الناس يرجع فيها إلى المتبحرين في علوم النفس والاجتماع.
أرأيتك من بعد هذا التفصيل تجد في نفسك حرجًا من ترجيح ورود الشريعة
من مواردها على ورودها في فتاوى الأئمة التي كانوا يرجعون عنها؟
الخطأ الثالث والعشرون
وقد بالغ صاحبنا في حصر الفائدة في علم الفقه حتى زعم أن كل علوم
العربية وسائل له لا ثمرة لها قط إلا أن تساعد على تعلمه، وقد سبقه في مثل هذا
الخطأ كثيرون لا يحصون فوقع فيما وقعوا فيه حين قلدهم، والصحيح أن لعلوم
العربية ثمرات أخرى يعرفها أقل الناس معرفة وترى مواطنينا المسيحيين أكثر
نشاطًا منا في تعلم هذه العلوم، ولم يقصدوا قط أن يحفظوا بها فقه أبي حنيفة وابن
إدريس ومالك وابن حنبل.
الخطأ الرابع والعشرون والخامس والعشرون والسادس والعشرون
(كلامه في العلوم التي أراد الشيخ محمد عبده إدخالها إلى الأزهر) :
ومن أكبر خطأ صاحب هذا الكتاب إنكاره على الشيخ محمد عبده ما قصد
إليه من إدخال بعض العلوم الضرورية إلى الأزهر كقليل من الجغرافيا والحساب
وحسن الخط والتاريخ، وله في هذا الباب جملة من الخطيئات نلخصها في ثلاثة
أشياء:
(١) في أن هذه العلوم تعيق عن تحصيل علوم العربية والدين.
و (٢) في أن خلو الأزهر من هذه العلوم خير له ولطلبته.
و (٣) في أن إدخال هذه العلوم كانت من أكبر أغلاط المرحوم الشيخ.
كنت لا أظن أن يقوم شاب من شبان هذا العصر يعيد أقوال بعض الشيوخ
التي قيلت في وقت إدخال العلوم فعجبت أشد العجب لما وقفت لصاحبنا الذي نحن
بصدده على هذا الرأي! .
لو أعطيت لقلمي ما يعطيه الخطباء والشعراء لألسنتهم وأقلامهم لأبكيت
السامعين في رثائى لهذه الأمة التي لا يزال فيها شبان هم كالشيوخ يكابرون في
مسائل هي والشمس في الظهور سواء.
العلوم العربية وحدها - يا أيها الأخ - لا تهيئ للإنسان أفكارًا يستطيع أن
يعيش بها في هذا المجتمع أرقى من الخروف! .
وهي - مع علوم الدين - لا تحتاج من الزمان اثنتي عشرة سنة وقليل من
الجغرافيا والحساب والتاريخ وحسن الخط وكلها ضروريات لا تعيق عن تحصيلها
بل تعين، ولا تشين صاحبها بل هي تزين وعدمها يشين.
كنت أظنك تعرف أن مئات من الشبان درسوا في مدارس الأميركان
والجزويت يعرفون العربية أحسن مما يعرفها الشيوخ في هذه المدرسة التي يشرفها
الناس كلما عبروا عنها ويعرفون مع العربية لغة أو لغتين أو أكثر من لغات أوربا
ويعرفون مع هذه اللغات كل الفنون التي تعد مبادئ وهم مع هذا كله لا يقرأون في
المدارس إلا بضع سنين فترى أن تعدد هذه العلوم مع حسن الترتيب في الدروس لم
يمنعهم من تحصيلها كلها ومنهم من يتعلم معها علوم الدين المسيحي فلا تعيقه.
لو ناقشت على ما وراء العبارة لقلت لك: إن ما تخفيه من إرادة دفع العيب عن
الذين يجهلون هذه العلوم ظاهر لم يحجب عن أحد فلا تجشِّم نفسك التعب إنه لا
يعاب أحد من الشيوخ بجهله مثل هذا من العلوم وإنما يعاب بإصراره على جهله
وبمكابرته في أوضح الواضحات.
أما تحامل المؤلف على الشيخ محمد عبده فكان ينبغي أن لا نعده مع الخطأ؛
لأن الخطأ هو الذي يقع من المرء عن ذهول أو عدم معرفة وليس ما كتبه في الشيخ
محمد عبده من هذا القبيل، بل هو شيء متعمد، نجده يعد من أغلاطه الكبرى
إدخاله هذه العلوم وقد عرفت ما في هذا القول من مكابرة الواضحات ثم نجده ينزل
نفسه في منزلة أستاذ عظيم في كل الفنون العصرية يميز بين من يعرفها وبين من
لا يعرفها فيحكم على الشيخ محمد عبده بأنه ما كان يعرف هذه العلوم التي قد أدخلها
وإن عرف شيئًا فدون القليل وأقل من الطفيف ثم نجده يقول: إنه كان ذا تفريط
وقليل اهتمام بالعلوم الدينية (لا تنس قوله أيضًا: قضى حياته بإحيائها) ثم نجده
يقول فيه: إنه كان يحابي بإعطاء الشهادات لغاية في نفسه؛ لأن الغاية عنده تبرر
الواسطة.
هذا قول المؤلف وهذه أحكامه في أعظم نابغة وأعظم مصلح من المسلمين في
عصرنا، فعسى أن يتأمل في ذلك لعله يحاسب نفسه.
الخطأ السابع والعشرون والثامن والعشرون والتاسع والعشرون والثلاثون
ومن بعد هذا كله نجد المؤلف قد عظم من شأن الأزهر والحالة هذه تعظيمًا
مملوءًا بالخطأ، وهذا دأب من لم ينظر للواقع قبل الحكم، نجده قال:
(١) إن الأزهر أقدم وأعظم مدرسة إسلامية على وجه الكرة الأرضية.
و (٢) إنه لا يدانيه في شيء من أوصافه جامع بني أمية في دمشق ولا
جامع الزيتونة في تونس ولا جامع السلطان محمد الفاتح في الآستانة ولا مدرسة
عليكره في الهند بل هو خير منها كلها! .
و (٣) إنه توفر فيه من المزايا ما لم يتوفر في غيره من المدارس، ولذلك
كان قبلة الآمال ومحط الرحال وكانت منزلته في العلوم الشرعية كمنزلة الدولة
العثمانية من حيث السياسة الإسلامية.
و (٤) إن لنا فيه من الآمال ما ليس لنا في غيره من المدارس.
وفي كل هذا خطأ.
أما أن الأزهر أقدم مدرسة إسلامية فغير صحيح، وإنما بُني الأزهر مسجدًا
وبعد ذلك بقرون كثيرة صار البعض يلقي فيه دروسًا وكان هذا دأب أهل العلم في
كل المساجد. وأما أنه لا يدانيه في شيء من أوصافه جامع بني أمية وجامع
الزيتونة وجامع السلطان محمد الفاتح ومدرسة عليكره فصحيح إن قصد الأوصاف
الرديئة من القذارة وعدم النظام وتعلم الأطفال فيه ونوم الطلبة في حلقة دروس
الأساتذة إلى آخره، وأما إن قصد أنه مصلى للمسلمين فكل المساجد مصلى لهم،
وإن قصد أنه يتلقى فيه العلم كثيرون فالفرق بين أن تحشر الناس على الصورة
المعهودة في الأزهر وبين أن يتلقوا في مدارس متفرقة يوجب التفضيل لغيره عليه
على أن مسجد الفاتح يفضله بهذا المعنى أيضًا مع تنزهه عن القذارة ونوم الناس فيه،
وأما أنه خيرها كلها فلم أفهمه! ! .
وأما أنه توفر فيه من المزايا ما لم يتوفر في غيره من المدارس فلم أفقهه! !
وأما أن منزلته في العلوم الشرعية كمنزلة الدولة العثمانية من حيث السياسة
الإسلامية فلم أدركه! ! ! .
وأما أنه قبلة الآمال ومحط الرحال وأن لنا فيه من الآمال ما ليس لنا في غيره
من المدارس فلم أعرفه! ! ! .
أبشروا أيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، فإن الأزهر سوف
يُخرج لكم جيوشًا من الصعيد يعرفون النحو والصرف والبيان وفقه أبي حنيفة وابن
إدريس ومالك وابن حنبل على الطريقة الجديدة التي وضعها له مؤلف كتاب التعليم
والإرشاد! .
أبشروا فإن هذه الجيوش المتعلمة هذه العلوم وحدها ستزحزح عنكم ما
تكرهون وتأتيكم بكل ما تحبون! ! ! .
وبعد: فبقيت مواضع أخرى تركناها لقلة الفائدة من ذكرها، في جملتها
حملاته على المدارس النظامية وعلى أساتذتها وتلاميذها معًا، ولا نتعرض للخطأ
القليل الذي وقع في الكتاب من حيث اللغة والتعبير، فإننا نترك مثل هذا لغيرنا وقد
انتهى ما أردنا النظر فيه.
فنسأل الله أن يأخذ بيدنا عن معاثر الفهم ومزالق البيان.