للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


العسر المالي والربا والبنوك

أصيبت بلاد مصر في هذه السنة بنقص في المال، وعُسر في التجارة بالعقار
والعروض، وغلت دونها أيدي أصحاب البيوت المالية في أوربا فأفلس كثير من
الأغنياء فيها، ولم يبق صنف من أهلها إلا وقد ذاق مرارة العسر، ومسه ألم الضر،
وينتظر الناس الآن موسم القطن - الذي تقدر قيمته في السنة بثلاثين ألف ألف
جنيه أو تزيد إلى خمسة وثلاثين - وهم بين الخوف والرجاء - وإنما يخافون أن
يعبث بالموسم الماليون الأوربيون، فيعظم الخطب ويعم الكرب.
لقد صرنا إلى زمن لم يعرف له نظير في التاريخ - زمن يقبض على أعنة
جميع مصالحه ومرافقه وسياسته أصحاب النقود فيصرفونها كيف شاؤوا، زمن صار
فيه العلم بتصريف الأموال من أوسع العلوم وأدقها، زمن صارت فيه الأمم الفقيرة
أذل الأمم، ودولها أضعف الدول، فالمال في هذا الزمان هو أساس القوة والعزة،
وآلة السيادة والسلطة.
يعسر على أمة تبغي النجاح في تحصيل الثروة ومباراة الأمم العزيزة بالغنى
أن تصل إلى ما تريد من ذلك، ما لم تسلك سبل تلك الأمم، وإنها لسبل معبدة: منها
القصد ومنها الجائر. وما الجائر إلا سبيل القمار والربا لا سيما المضاعف أو
المركب، والقمار والربا محرمان في الإسلام تحريمًا غليظًا. فمن ثم كانت الشعوب
الإسلامية اليوم في حيرة، لا تدري كيف تعيش مع هذه الأمم الإفرنجية التي
تنازعها الوجود مع عدم مجاراتها في سبل الثروة، ولا كيف تجاريها مع الاحتراس
من الربا بأنواعه.
لو أن للإسلام دولاً قوية، وشعوبًا غنية يمكنها أن تستغني عن أوربا، أو أن
تجعلها تابعة لقوانينها، أو تلجئها إلى اتباع مدنيتها؛ لسهل عليها أن تسلك في جمع
الثروة والتصرف فيها مسلكًا يقرن المصلحة بالفضيلة؛ فضيلة الرأفة بالبائس الفقير،
وإسعاده في الأمر العسير، وما الحيلة وليس لنا دولة عزيزة قوية، في أمة عالمة
غنية، وأوربا تمتص دماءنا حتى كادت تذهب بلحومنا.
لم يجد حكامنا حيلة لمنع الربا فأباحوه لرعيتهم في قوانينهم، وتعاملت به
دولهم حتى إن السلطان عبد الحميد الذي حرص على لقب الخلافة حرصًا لم يسبقه
به سابق، يأكل الربا ويؤكله، ومثله في ذلك أمير مصر. وأكثر المسلمين لا
يأكلون الربا. ولكنهم يؤكلونه فيدلون بأموالهم إلى الأجانب، وذلك شر من أكل الربا
منهم، بل شر الأقسام التي تتصور في معاملة الربا وأشدها ضررًا وأعظمها خطرًا.
ذلك أن لهذه المعاملة صورًا نذكر أهمها ومنه يعلم باقيها - أحدها أن لا تأكل من
أحد ولا تؤكل أحدًا - ثانيها أن تأكل من الأجنبي خاصة ولا تؤكل أحدًا - ثالثها أن
تأكل من الأجنبي وغيره ولا تؤكلهما - رابعها أن تأكل منهما جميعًا وتؤكل الثاني
دون الأول - خامسها أن تأكل منهما جميعًا وتؤكلهما كذلك - سادسها أن تأكل منهما
وتؤكل الأجنبي فقط - سابعها أن تؤكل غير الأجنبي ولا تأكل من أحد - ثامنها أن
تؤكل الأجنبي خاصة ولا تأكل منه. فأفضل هذه الأقسام وأشرفها أولها. وأخسها
وأشدها ضررًا ثامنها. وما بينهما من الأقسام مرتبة على حسب درجاتها من الضرر
في الأمة، الثالث شر من الثاني وهكذا، وأكثر المسلمين الذين يتعاملون بالربا، قد
اختاروا شرها على الإطلاق، ثم ما يقرب منه.
إذا كان كل ما اشترطه الفقهاء في جواز المعاملات المالية، كالبيع والصرف
والقرض والحوالة والشركة دينًا يجب اتباعه في كل زمان ومكان، ويكون التارك
لشيء منه عرضة لغضب الرحمن، فما أشد الحرج على المسلمين في هذا الزمان،
بل ما أكثر الفسوق فيهم والعصيان، فإنه لا يكاد يوجد في الألف أو الألوف من
التجار وغير التجار واحد يراعي تلك الشروط والأحكام في معاملاته، وما ذاك إلا
أن في مراعاتها حرجًا شديدا، وعسراً عظيما، وإذا قلت أيضا: إن في معرفتها
لحرجًا، لم تكن بعيدًا من الصواب، ولولا الحرج لما قل العالمون بها، وقل
العاملون في هؤلاء العالمين أو فقدوا.
السواد الأعظم من المسلمين يسلمون بأن تلك الأحكام الفقهية كلها دين إلهي.
ولكن هذا التسليم مبني على أساس التقليد الواهن لا سلطان له على النفس، ولذلك لم
تعمل به، ولما كان الاعتقاد بحرمة الربا اعتقادًا صحيحًا مؤيدًا بنص الكتاب العزيز
ترى أنه يقل في المسلمين من يقدم على أكل الربا، ولا تقل: وكيف يؤكلونه بما
يقترضون، ولا يأكلون بما يقرضون؟ فإنك تعلم أن الاقتراض بالربا لم يرد به
نص الكتاب، وإنما جاء تحريمه في الحديث. وقد يستنبط من الكتاب استنباطًا
ومكان ذلك من النفوس دون مكان النص قوة وتأثيرًا، ثم إن الضرورة قد تلجئ
المحتاج إلى الاقتراض، ولا ضرورة تلجئ الغني إلى الاقتراض، فإن كان الفقيه لا
يرى تلك الضرورة صحيحة شرعًا فإن المقترض يراها صحيحة، وهو مسوق
للعمل بما يرى ويعتقد دون ما يرى غيره، ولا ينفك خاصة الناس وعامتهم يجتهدون
فيما يعرض لهم، ويعملون باجتهادهم مهما ضيقت مقلدة الفقهاء في منع الاجتهاد،
ولا يمنع ذلك أن يكون التقليد هو الغالب عليهم.
لولا التقليد لوجد المسلمون المخرج في شريعتهم من كل حرج وعسر، فإن
من قواعدها الأساسية في نص الكتاب: نفي الحرج والعسر في الأحكام وإرادة اليسر
فيها. قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} (المائدة: ٦) وقال:
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} (البقرة: ١٨٥) وفي الحديث (لا
ضرر ولا ضرار) رواه مالك في الموطأ مرسلاً وأحمد، وقال الحاكم: صحيح
على شرط مسلم، ومن ثم كان من قواعد الفقه أن المشقة تجلب التيسير وأن
الضرورات تبيح المحظورات، وأنه إذا ضاق الأمر اتسع.
يقول كثير من أهل الرأي: إن العسر المالي الذي مدت في البلاد أطنابه،
وضربت في أرضها أوتاده، ويخشى أن يصير شره المستطيل مستطيرًا، فيجعل
ثروة الأمة هباءً منثورًا، يمكن مقاومته بإنشاء بنك وطني ينتزع بأيدي أغنياء البلاد
بعض ما عليه ماليو الأجانب من الأثرة والاستبداد، والتحكم في معايش العباد،
فقام في وجوههم آخرون يقولون: إن دين الإسلام لا يسمح لأهله بأن ينشئوا لهم
بنكًا؛ لأن البنوك هي بيوت الربا كل معاملاتها أو جلها بالربا، فرد ذلك بعض
المقترحين قائلاً: إن البنك الذي نقترحه ليس من نوع بنوك الصيارف التي تنشأ؛
لأجل الإقراض بالربا الفاحش أو غير الفاحش. وإنما هو من نوع البنوك الكبرى
التي هي واسطة بين أرباب الأموال في مداولتها بينهم بقبول حوالة هذا، وتحصيلها
من ذلك بأجرة معينة، وإيصال ما يريد إرساله أهل بلد إلى آخر بأجرة أيضًا،
وليس هذا من الربا المحرم علينا بالنص، ولا نريد بنكًا أكثر من هذا. قال بعض
المعترضين: إننا نشك في كون هذا ليس من الربا المحرم، وإننا نطلب من العلماء
بيان ذلك.
لجأوا إلى العلماء المعروفين بالفقهاء، وباب الربا عندهم أوسع من الأرض
والسماء، فإنه يطلق عندهم على جميع البيوع الفاسدة، والمعاملات المالية التي لا
تنطبق على الشروط المدونة. وباب الاجتهاد عندهم مقفل، بل مسدود والفتوى
بالقواعد العامة: كمراعاة المصالح، وتقدير الضرورات من عمل المجتهد المفقود.
على أن الحلال بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ، والرجوع إلى النص وآراء المجتهدين
أمر هين وإن كانوا يريدون من العلماء إقناع العوام، لا معرفة الحلال والحرام،
فما هم بمدركي فتوى رسمية ولا حيلة فقهية.
هذه مسألة من أكبر المصالح العامة التي ينبغي أن تنظر فيها الجماعة، المعبر
عنها في الكتاب بأولي الأمر؛ أي: أصحاب الشأن في الأمة؛ ليستنبطوا حكمها
بمقتضى قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ
يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} (النساء: ٨٣) وليس أصحاب الأمر هم الملوك والأمراء ولا
طائفة الفقهاء؛ إذ لم يكن مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند نزول الآية
ملوك يحكمون، ولا فقهاء يفتون وإنما كان هناك جماعة من أصحاب الشأن في
الأمة العارفين بمصالحها، المعروفين بحسن الرأي فيها، وهم يوجدون في كل أمة
بحسب حالها، فأولو الشأن والرأي في المصريين الآن يتألفون من عدة أصناف
رجال مجلس الشورى، وقضاة المحاكم العليا من شرعية وأهلية، والمحامون
وأصحاب الجرائد، وكبار المدرسين والمزارعين والتجار.
فأقترح أن تتألف لجنة من هؤلاء الأصناف، وتنظر في هذا الأمر، هل هو
ضروري للأمة؟ فإن كان ضروريًّا وضعوا له قانونًا أول مواده منع الربا
المضاعف المحرم بالنص القطعي؛ لشدة ضرره وهو لا ضرورة إليه، ونظروا فيما
عدا ذلك من أعماله التي لابد منها، هل فيها شيء من ربا الفضل الذي حرم؛ لسد
الذريعة إلا لذاته كما في (أعلام الموقعين) ؟ فإن كان فيها شيء من ذلك، فهل
وصلت الضرورة فيه إلى حد يجوز العمل بقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)
أم لا؟
قال الإمام ابن القيم: (الربا نوعان: جلي وخفي. فالجلي حُرِّم لما فيه من
الضرر العظيم، والخفي حُرِّم؛ لأنه ذريعة إلى الجلي. فتحريم الأول قصد،
وتحريم الثاني وسيلة. فأما الجلي فربا النسيئة: وهو الذي كانوا يفعلونه في
الجاهلية مثل: أن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاد في المال، حتى
تصير المائة آلافًا مؤلفة وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا مُعْدَم مُحتاج، فإذا رأى
المستحق يؤخر مطالبته، ويصبر عليه بزيادة يبذلها له، تكلف بذلها ليفتدي من أسر
المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت فيشتد ضرره وتعظم مصيبته، ويعلوه
الدين حتى يستغرق جميع موجوده فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له
ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل،
ويحصل أخوة على غاية الضرر، ثم أطال وأورد آية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا
الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً} (آل عمران: ١٣٠) .
وأورد بعد هذا فصلاً في ربا الفضل الذي حُرِّم لسد الذريعة: وهو أن يبيع
الدرهم بدرهمين مثلا، وذكر الخلاف فيه، وأن بعض الصحابة جَوَّزَه، وبَيَّن أنه
ككل ما حرم لسد الذريعة قد يباح للمصلحة (راجع ص ٢٠٣ من أعلام الموقعين) .
وأنت تعلم أن باب المصلحة أوسع من باب الضرورة. وأساس المعاملات في
الشريعة أن كل محرم ضار، وكل نافع حلال؛ ولذلك علل الكتاب حرمة الربا بقوله:
{لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} (البقرة: ٢٧٩) ولكن أكثر معاملات البنوك لا ظلم
فيها، بل منها ما فيه الرحمة للمتعاملين، فإن العاجز عن الكسب إذا ورث مالاً
وأودعه فيه بربا الفضل، يستفيد هو والبنك معًا.
وتبحث اللجنة في سائر فروع المسألة، وتمضي الأمة ما تقرره اتباعًا لهداية
القرآن، وتثبت للعالمين أن شرع الإسلام موافق لمصالح البشر في كل زمان ومكان.