للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


أعداء الإسلام المحاربون له في هذا العهد

للإسلام أعداء كثيرون من أهله ومن غير أهله، كلهم يحاربونه ويسعون
لإطفاء نوره، وخضد شوكته، وتمكين أعدائه من مقاتله. منهم من يسعى لهذا
عالمًا به متعمدًا له، ومنهم الجاهل غير المتعمد، والجاهل الذي يظن أن ينصره
ويدافع عنه.
ويمكننا أن نحصر هنا هؤلاء المحاربين للإسلام في تسعة جيوش: ثلاثة من
الأجانب، وخمسة من المسلمين - وأعني المسلمين الجغرافيين أو الرسميين - أي
الذين يعدون في الإحصاء العام لأهل كل قطر من المسلمين.
فأما الأجانب منهم فهم: المستعمرون والمبشرون (دعاة النصرانية)
والمعلمون منهم لأولانا في مدارسهم ومدارسنا.
وأما المسلمون الجغرافيون فقسمان: منهم قدماء طال عليه العهد وهم مقلدة
الكتب الجامدون ومشايخ الطرق المبتدعون , وقسمان منهم حدثوا بعد ذلك وهم:
المتفرنجون والملحدون , والقسم الثامن دعاة التجديد والثقافة الناسخة لما قبلها، وهو
آخر جيش تألف لمحاربة الأديان كافة والإسلام خاصة , والقسم التاسع المتفرنجات
من النساء وهو الآن في طور التكوين، على أن هذه الأقسام يتداخل بعضها في
بعض.
من المفروض على المنار أن يكافح جميع أعداء الإسلام المهاجمين له في
عقائده وتشريعه وآدابه وملكه ولغته، وهو منذ أنشئ قائم بأعباء هذه الفريضة
على قلة النصير والظهير، وقد بدأنا في السنين الأولى بجهاد أعداء دينهم وأنفسهم
من المسلمين، فدعوناهم إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلناهم بالتي
هي أحسن، ثم خضنا معامع مهاجمي الأجانب ولا سيما دعاة النصرانية
(المبشرين) ، فكان من أبواب المنار المفتوحة في كل جزء باب (شبهات
النصارى وحجج الإسلام) ، كما كان من أبوابه فيها باب (البدع والخرافات
والتقاليد والعادات) ، وفي أثناء ذلك كنا نلم المرة بعد المرة بمضار التفرنج
الصورية والمعنوية والاجتماعية، ثم ظهرت مفاسد الملاحدة من المتفرنجين؛
بمجاهرتهم بمهاجمة الدين في المحاورات والخطب تلقى في المحافل، والمقالات
تنشر في الجرائد، فنهد إليهم المنار متتبعا عوارهم مقلمًا أظفارهم، مبينًا مفاسدهم
ومضارهم.
وماذا عسى أن يبلي قلم واحد في صحيفة واحدة؛ يناضل هؤلاء المهاجمين
الكثيرين؟ جهد المقل، وأداء فرض كفاية أو فروض كفايات، تأثم الأمة الإسلامية
كلها بتركها، وما كان عمل المنار بدافع هذا الإثم عن جميع شعوبها في جميع
أقطار الأرض التي ظهرت فيها تلك الإغواءات النصرانية والإلحادية والبدعية،
وإنما كان يغني عنهم ويدفع لو كان منتشرًا كانتشارها، يصل إلى كل من تصل إليه
منهم بنفسه أو بترجمة ما ينشره، على أن هذه المفاسد تظهر في كل بلد أو قطر؛
بشكل قد يحتاج في رده وبيان بطلانه إلى عبارات وحجج غير التي يحصل بها
المراد في قطر آخر.
نعم.. إن بعض الجرائد الهندية كانت أكثر الجرائد الإسلامية عناية بالترجمة
عن المنار، وإن بعض أصدقائه قد نهض بمساعدته في تفنيد شبهات المبشرين،
وإبطال دعوتهم، وتخسير دعايتهم، وفي الرد على ملاحدة المسلمين أيضًا - ألا
وهو الطبيب محمد توفيق صدقي تغمده الله تعالى برحمته، وكل ما نشر لغيره من
أصدقاء المنار في مجلداته الثمانية والعشرين، لا يوازي بعض ما نشر له في مجلد
واحد، إنما الذي يفوقه قدرًا وتأثيرًا؛ ما نشرناه لشيخنا الأستاذ الإمام أجزل الله
ثوابه، ولا سيما مقالات الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية.
ولم يكن هذا التقصير من قلة حملة الأقلام من طلاب الإصلاح الإسلامي الذي
يدعو إليه المنار، فإنه أنشئ ليكون صحيفتهم، وقد كثروا بدعوته - ولله الحمد -
ولكن أكثرهم يرى خطأ أن اضطلاع منشئه يغنيه عن مظاهرتهم له، وبعضهم
غافل عن وجوب هذا التعاون.
هذا ما كان من قبل حرب المدنية الكبرى، ثم كان من عقابيل هذه الحرب أن
اشتدت وطأة جميع أعداء الإسلام، كل يحاول الإجهاز عليه من جهته، وينصر
بعض الأجانب منهم بعضًا عليه، فكان من عدوان المستعمرين الظافرين ما كان،
وشرحناه مرارًا آخرها ما أجملناه في فاتحة هذا المجلد إجمالاً أشد تأثيرًا من
التفصيل، وكان من جرأة المبشرين عقد المؤتمر في تلو المؤتمر جوار المسجد
الأقصى؛ لجمع كلمة الشعوب النصرانية، وتنظيم عمل الدعاة للإجهاز على الدين
الإسلامي، ونشر عبادة المسيح في جزيرة العرب عامةً والحرمين الشريفين خاصةً.
وأما مكافحو الإسلام من المتفرنجين والزنادقة الملحدين، فقد ابتدعوا دعاية
شرًا من دعاية المبشرين، وهي دعوة جمهور الأمة إلى التعطيل والإلحاد، وعلى
ما يترتب عليهما من الزندقة وإباحة الأعراض والأموال، وانتهاك حرمات الفضائل
والآداب، وحل جميع الروابط التي تتكون بها الأمة من مقومات ومشخصات، لا
يراعي في شيء من اقتراف هذه المفاسد والمخازي إلا اتقاء عقاب الحكومة على
مخالفة قوانينها وإنما يراعي هذا من يخاف هذا العقاب لترجيحه اطلاع الحكومة على
جرمه وإثباته عليه وأكثر المجرمين يرجحون إمكان إخفاء جرائمهم أو تعذر إثباتها
في المحاكم - فهم يحاولون هدم الدين الإسلامي من جميع جهاته: الاعتقاد والتشريع
والآداب والفضائل، وكذا هدم سائر مقومات الأمة الإسلامية ولا سيما العربية من:
اللغة والزي؛ حتى لا يكون للأمة شيء من ماضيها تحافظ عليه بل حتى لا تكون
أمة؛ فإن الأمم بماضيها وتاريخها ومقوماتها الصورية والمعنوية بل منهم من يدعوها
جهرًا إلى ترك جنسيتها ووطنيتها والالتحاق بدولة أجنبية قوية كالإنكليز، دع من
يعملون لذلك سرًّا.
وحجتهم على هذا الإفساد كله؛ أن كل ما كانت به الأمة أمة في الماضي، قد
صار قديمًا باليًا ضارًّا، يجب أن يستبدل به غيره من الجديد، يقتبس من النظريات
والآداب والتقاليد والأزياء الأوربية، فهم يدعون إلى كل جديد، وينفرون من كل
قديم. متكلين في رواج دعايتهم على النابتة الجديدة من الشبان والشابات الذين
يتعلقون عادة بكل جديد؛ لطرافته ولذته؛ ولعدم رسوخ عقائدهم وآدابهم واستكمال
عقولهم، ثم على العوام الذين يتلذذون بكسر قيود الصيانة وإباحة الشهوات،
وناهيك بمسلمي بلادنا الذين ليس لهم حكومة تغار على عقائدهم وآدابهم وتربي
أولادهم عليها، وهم على فقدهم للحكومة الإسلامية الموصوفة بما ذكر لا الإسلامية
الرسمية، فاقدون لطبقة أهل الحل والعقد من السروات الذين يحافظون على مقومات
أممهم واستقلالها ورفعة قدرها من جهة، ويقومون لها في كل طور وحال بما
يقتضيه من علم وعمل من جهة أخرى، فأمْر الناس فوضى ليس لديهم قواعد ثابتة
يلوذون بها عند اشتداد عصف هذه الرياح المتناوحة التي تهب عليهم؛ بما ينشر في
الصحف الضارة والمصنفات المفسدة، وقلما توجد في البلاد جريدة أو مجلة تتجنب
ما يضر الجمهور نشره في عقائدهم وآدابهم، وتتحرى ما تعتقد أنه النافع، دع
اختلاف آراء كتّاب هذه الصحف وأفهامهم وشعورهم في الضار والنافع الذي سببه
اختلاف التربية والتعليم والمعاشرة. ولكن يوجد جرائد يومية وأسبوعية ومجلات
تتوخى وتتحرى وتتعمد الدعاية إلى هذا الهدم والتجديد، على تفاوت بينها في
التصريح أو التعريض والتلويح، وأشهرها جريدة السياسة التي يكفلها الحزب الحر
الدستوري؛ المؤلف من أصحاب الدولة والمعالي والسعادة الوزارء والكبراء وكبار
رجال الحكومة.
ومثلها في ذلك بل أشد مجلة الهلال المشاركة لها في أشهر محرريها، التي
تدعي أنها لسان حال الشبان العصريين، ففي كل جزء من أجزائها عدة مقالات
لدعاة تجديد الإلحاد والزندقة والإباحة المطلقة، وقلما تنشر لغيرهم شيئًا يخالفه،
وحسبك أن سلامة أفندي موسى هو الركن الثابت المتين في تحريرها، وهي لا
تكتفي بما تنشر له من المقالات في ذلك، بل تطبع له في كل عام كتاب في تأييد
هذه الدعاية الهادمة للأمة المصرية؛ ولكل أمة شرقية تغتر بفلسفته المادية الإفسادية،
وترسله هدية إلى قرائها ترغيبًا لهم في قراءته. وقد زاد هذا الرجل على إخوانه
بأنه يدعو إلى خلع ثوبي الجنسية والوطنية، والانضمام إلى دولة أجنبية. ثم إنها
تنشر مجلات أسبوعية مصورة، تجرئ قراءها على نبذ كل عفة وصيانة وفضيلة
سمعنا عنها، وقرأنا في الأخبار من تفنيد لها، وإنه ليعز علينا أن يتنكب زميلنا
أميل أفندي زيدان منهج والده الفاضل في مراعاة العقائد والفضائل الدينية وسائر
مقومات الأمة، ولو في مجلة الهلال وحدها، إذا كان يصعب عليه ترك المال
العظيم الذي يجنيه من مجلاته الأخرى التي تزين للناس اتباع أهوائهم وشهواتهم،
وإننا كنا منذ سنتين ننوي بيان هذا بعد مجاهرته به حتى جاء أوانه.
ثم ظهرت منذ سنتين مجلة أخرى أشد جرأة على هدم الدين؛ والجهد بالطعن
فيه بسخافات من النظريات الفلسفية العصرية، وقد سبق لي تقريظ لها قبل غلوها في
المجاهرة، وأشرت إلى ما أنكره عليها، ثم ظهر من غرور صاحبها في دعوى
العلم والفلسفة ومن معرفة الدين أيضًا ما يقضي العاقل منه العجب. وما له بذلك من
علم ولا فلسفة، هي رأي ومذهب له يقدر أن يثبته ويدافع عنه وكذلك أمثاله، وإنما
يترجمون من بعض الكتب والصحف الإفرنجية بعض آراء أهلها ونظرياتهم،
ويأخذونها قضايا مسلمة بغير علم ولا بصيرة، وحسبنا دليلاً على هذا ما يردون
عليه من أمور الدين، ومنها ما هو افتراء يتبرأ منه الدين.
وقد اقتفت أثر هذه الصحف فيما ذكر مجلة حديثة أنشئت في حلب، فأنكر
عليها بعض الناس هنالك ما نشرته من حكاية طعن في الإسلام؛ لأن أكثرهم لا يزال
غافلاً عما تعنيه بالجديد والحديث والاستغناء به عن القديم، وأن المراد ترك الإسلام
من أساسه.
لا نريد في هذا المقال الرد على هؤلاء، وإنما نريد إعلام قراء المنار بحالهم
وبرواج إفسادهم في البلاد؛ بسبب الجهل بحقيقة الدين وعدم التربية عليه، مع عدم
التربية الاجتماعية والسياسية أيضًا، وأن نعلمهم مع هذا بأن بعض قراء المنار
ومحبيه، يقترح عليه أن نزيد فيه بعض الفصول العلمية والأدبية والمباحث الفنية
العصرية؛ لترغيب القراء من كل الطبقات في قراءته.
أعود إلى أول سياق المقال فأقول: إنه لولا جمود مقلدة الفقهاء الذين احتكروا
التعليم الديني في بلاد الإسلام منذ قرون، ولولا بدع أهل الطرق الصوفية
وخرافاتهم؛ وهم الذين كان سلفهم يعنون بالتربية الدينية؛ ليكون الدين وجدانًا عند
صاحبه لا يقبل البحث والجدل، فانقلب بعدهم إلى إفساد لا يقبل الإصلاح بحيلة من
الحيل؛ لولا هؤلاء وأولئك لما كان لهؤلاء المفسدين ولا للمبشرين أدنى تأثير في
إغواء المسلمين.
لئن كانت مقلدة المذاهب المعروفة هي بقية الآخذين بظواهر الإسلام، فما هذا
بمبرئ لهم من تهمة الجناية عليه والتنفير عنه في هذا العصر؛ باحتكارهم لأنفسهم
الحكم في كل شيء باسم الدين، وإيجابهم على الناس اتباعهم فيه، لتعودهم هذه
الرياسة منذ قرون؛ وهي رياسة ما أنزل الله بها من سلطان، وكان ضررها في
الزمن الماضي قليلاً فأصبح عظيمًا؛ إذ كان من أسباب ارتداد من لا يحصى عن
الدين، إلى أن تجرأت حكومة إسلامية عظيمة الشأن والتاريخ على الارتداد عنه،
ومحاولة محو أصوله وفروعه وآدابه، وكل ماله صلة به من أمتها، كما محته من
حكومتها؛ وهي حكومة مصطفى كمال التركية.
العلوم والفنون والصناعات العصرية لا يمكن لحكومة أن تحفظ استقلالها
بدونها، ولا يمكن لأمة أن ترتقي في زراعتها وتجارتها بدونها، ومنها ما هو
قطعي لا يمكن الشك في ثبوته، ولكن هؤلاء الفقهاء الجامدين يتحكمون في الحكم
على من يعتقد هذه القطعيات بالكفر، وهم الذين كانوا يعارضون الدولة العثمانية
وغيرها بالانتفاع بهذه العلوم والفنون؛ بدعواهم أنها معارضة للدين مخالفة للقرآن
حتى إنهم كانوا يحرمون علم الجغرافيا، مع أنه ليس في موضوعه ولا مسائله ما له
علاقة بالمباحث الدينية إلا أن يكون إثبات كروية الأرض ودورانها، وكان فيهم من
يقول: بتحريمه ويعارض الدولة في تعليمه إلى عهد غير بعيد، كما يُعلم مما روي
لنا عن العلامة الشيخ سليم بوحاجب التونسي؛ إذ سأله أحد الوزراء في الآستانة
عن حكمها، فقال: الوجوب، فكبر ذلك على عالم كان عنده وسأله عن الدليل،
فقال: أرأيت إذا كانت الدولة في حرب مع العدو، وأمر الخليفة وزيرَ الحربية أن
يضع بعض الضباط رسمًا لمواقع هذه الحرب وطرق الجيوش فيها، مما يتوقف
عليه درء خطر العدو ويرجى سبقه إلى المواضع الحصينة، (مثلاً) ، فهل تجب
طاعته في ذلك أم لا؟ قال: تجب، قال وهل يكن هذا لمن لا يعرف علم الجغرافيا؟
اهـ، بالمعنى، ويراجع نصه في ترجمته رحمه الله من المنار.
إن أمثال هؤلاء المتفقهة المحتكرين لعلم الدين والمنتصبين للدفاع عنه بغير
علم، يزيدون فيها ما ليس منه تقليدًا لبعض المؤلفين الميتين الذين درسوا في كتب
التفسير والحديث، وشر زياداتهم خرافات زنادقة اليهود والفرس في الخلق
والتكوين وصفة السموات والأرض والكواكب والرعد والبرق وجبل قاف وقرن
الثور والحوت وما أشبه ذلك، ثم قاموا يكفرون من يخالفهم في ذلك، فجعلوا هذه
الخرافات الإسرائيلية من أركان الإيمان الذي يخرج منكره من الملة، على أن الذين
ابتلوا بذكرها في كتبهم من المتقدمين؛ لغرامهم بكل ما روي لم يرفعوها إلى هذا
الأفق من أصول الدين ولا من فروعه، فكيف يقل إسلام هؤلاء من أعطاهم الله
تعالى علمًا يقينيًا بأن تلك خرافات باطلة؟
إن الأرض صارت معروفة للناس طولاً وعرضًا، مشاهدة بالعينين من أولها
إلى آخرها، وقد طاف حولها كثير من الناس مرارًا، يخرج أحدهم من مكانه
متوجهًا إلى الشرق مثلاً، فلا يزال يستقبل شرقًا ويستدبر غربًا حتى يعود إلى
مكانه من الجانب الآخر، ثم إن مراكز المخاطبات التلغرافية عمت شرقها وغربها
فكل قطر يعلم ما يتجدد من الأحداث المهمة من غيره كل يوم. أفبعد هذا يقول لهم
هؤلاء الجهال: يجب أن تدينوا الله بأن الأرض سطح مبسوط غير كروي ثابت
على رأس ثور.. إلخ.
إن مسألة شكل الأرض ليست من عقائد الدين ولا من أحكامه ولا من آدابه،
ولم يوجب الله تعالى على عباده أن يعتقدوا أنها كالرغيف أو لوح الخشب ولا أنها
كرة، ولا يسأل أحد يوم القيامة عن إيمانه بشكل الأرض، فإذًا لا يضره في دينه
أن يجهل شكلها، ولا يضره أن يعرفه بطريق من طرق المعرفة ولكن ينفع في
الدنيا، وإنما يزعم هؤلاء الجاهلون المفتاتون على الناس في دينهم؛ الملحقون به
ما ليس منه أن قوله تعالى: {وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} (الغاشية: ٢٠)
ظاهر في أنها سطح لا كرة. قال الجلال في الأول وعليه علماء الشرع، وفي
الثاني أن عليه علماء الهيئة (لكنه قال) : وإن لم ينقض ركنًا من أركان الشرع.
والصواب أن كثيرًا من كبار علماء الشرع قالوا: إنها كرة، وأن قوله: (سطحت)
لا ينافي كرويتها؛ لأن للكرة سطحًا كغيرها من الأجسام، وأنه يوجد في القرآن
ما هو أظهر في الدلالة على الكروية منه على غيرها؛ كقوله تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ
عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} (الزمر: ٥) ، وإنما التكوير في اللغة اللف
على الجسم المستدير كما بسطناه في مواضع أخرى. ومع هذا كله يوجد من هؤلاء
المفتاتين ومن مقلدتهم من يعدون الاعتقاد بكروية الأرض كفرًا بالله ومروقًا من دينه،
وهم يجهلون أن هذا المسألة أصبحت في هذا العصر من المسائل القطعية، فإن
الأدلة على كرويتها لا يمكن نقضها ألبتة، فإنكاره باسم الدين جناية على الدين.
نعم.. إنه يوجد كثير من أدعياء العلم الديني من يفتنون العوام بتكفير القائلين
بكروية الأرض، سواء كانوا من الفئة التي أوشكت أن تبيد من الأزهريين أو من
أمثالهم من مقذوفات سائر المدارس الدينية في الشرق والغرب، بل منهم من لا
يزال يقول: إن الأرض قائمة على قرن ثور، وإن الزلازل تحدث بهز رأس الثور
أو نقله إياها من قرن إلى قرن، ولكن أكثر المتعلمين في الأزهر على الطريقة
النظامية، صاروا يعرفون الحقيقة في ذلك.
وقد بلغني أن عالمًا من أجلّ علماء نجد وأوسعهم اطلاعًا على الكتب المختلفة،
قال بتكفير من يقول بكروية الأرض. وقد راعني هذا؛ لأن الذي نص عليه
الشيخ محمد عبد الوهاب إمام النهضة النجدية وغيره من علمائهم؛ أنهم لا يكفرون
أحدًا إلا بمخالفة الإجماع في المسائل الدينية القطعية، وهذه ليست مسألة دينية ولا
إجماع عليها. ولأن أكبر أئمة الحنابلة التي استمد الشيخ وخلفاؤه من كتبهم تجديده
للدين في نجد شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقد ذكر الثاني في بعض كتبه أن
الأرض كروية، فهل يكفره هذا العالم إن صح الخبر عنه؟
هذه مسالة جناية المقلدين الجامدين على الدين، قد فتحنا بابها وتغلغلنا في
زوايا بيوتها منذ السنة الأولى للمنار سنة ١٣١٥، وإنما ذكرناه هنا لإثبات اشتراك
هؤلاء مع الملاحدة في هدم الإسلام من حيث لا يشعرون كما تقدم في صدر المقال
فهم يفتنون جميع المتعلمين على الطريقة العصرية الاستقلالية عن الإسلام من
جانب، ويقطعون الطريق على حكماء الدين الراسخين؛ أن ينشروا حقيقته التي لا
يمكن المراء فيها من جانب ثان، وأن يدحضوا شبهات الماديين والمبشرين عليه
من الطريق العلمية التي لا يمكن إقناعهم أو إلزامهم الحجة بدونها من جانب ثالث،
فماذا يفعل المنار ومن على منهج المنار، في مكافحة أولئك الكفار الفجار، والحال
ما ذكرنا؟
إنني أرى كثيرًا من أفضل رجالنا علمًا ودينًا وعقلاً يائسين من الإصلاح هنا
ولست موافقًا لهم على اليأس التام، وإذا كان هذا رأيي في أعضل أدواء مفاسد هذه
الأمة، فما دونه من مفاسد المبشرين عندي أهون، إنني أقول بإمكان تلافي الشر
إذا نهض القادرون عليه نهضة سريعة بنظام محكم، وذلك أن القوة التي تغلب كل
قوة في هذا العصر هي قوة الرأي العام للأمة، والرأي العام في مصر لا يزال
متدينًا، سواء في ذلك مسلموه وقبطه وغيرهم من النصارى واليهود , والنصارى
منهم من جميع الفرق أشد اعتصامًا برابطتهم الدينية الاجتماعية من المسلمين؛ كما
بيناه من قبل في مقالاتنا (المسلمون والقبط) ، وقد طال هذا المقال فزاد على ما
قدرت له؛ لذلك أرجئ بيان ما ذكرت من الرجاء في انتصار التدين على الإلحاد،
والإصلاح على الإفساد، في مقال أفرده له في جزآت فقد آن لنا التصريح وعدم
تهيب سفهاء الكتاب المضلين، والوزراء والرؤساء المفسدين والله ولي المتقين.