للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الأولياء والكفاءة في الأزواج

عن عبد الله بن بُرَيدة عن أبيه قال: (جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، قال: فجعل
الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس
للآباء من الأمر شيء) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وسنده صحيح , وهو يدل
على اعتبار الكفاءة في صفات الرجل مع الاتفاق في النسب , ويدل على أن المرأة
تتزوج برضاها، وفي هذا أحاديث كثيرة كما أن هناك أحاديث في اشتراط الولي
وكونه هو الذي يزوج بإذنها.
عن أبي حاتم المزني قال: قال رسول الله -صلى الله تعالى عليه وآله وسلم-:
(إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض
وفساد كبير) ، قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه. قال: (إذا جاءكم من
ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) ثلاث مرات، رواه الترمذي، وقال: حسن غريب ,
ولم يرو أبو حاتم غيره , وأرسل الحديث أبو داود وأعله ابن القطان بالإرسال
وضعف راويه، وقد أخرجه الترمذي أيضًا من حديث أبي هريرة بلفظ: (إذا
خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد
عريض) ورواه الليث بن سعد عن أبي عجلان مرفوعًا، وقد خُولف عبد الحميد
بن سليمان في رواية الترمذي، وقال البخاري: حديث الليث أشبه، ولم يعد حديث
عبد الحميد محفوظًا، ومعنى الحديث أنه يجب تزويج البنت إذا جاءها الخاطب
الذي يُرجى أن يحسن عيشها معه؛ لأن دينه وخلقه مرضي لا يشكى منه،
واستدلوا به على اعتبار الكفاءة في الدين والخلق , وخصها بذلك بعض الصحابة
والتابعين، وبه قال مالك، ولم يعتبر هؤلاء الكفاءة في النسب، بل قالوا:
(المسلمون بعضهم لبعض أَكْفَاء) .
عن علي - كرم الله وجهه - أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال له:
(ثلاث لا تؤخر: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها
كفؤًا) رواه الترمذي، وهو حجة على تحريم عضل الأيامى - غير المتزوجات -
بلا عذر.
عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (العرب أَكْفَاء بعضهم
لبعض قبيلة لقبيلة، وحيٌّ لحيٍّ، ورجل لرجل إلا حائك أو حجام) رواه الحاكم وله
ألفاظ أخرى لا يصح منها شيء. وإن قال بعضهم: إن الحاكم صححه، وماذا
عسى يغني تصحيح الحاكم، وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عنه , فقال: هذا كذب لا
أصل له، وقال في موضع آخر: باطل، وقال ابن عبد البر: هذا منكر موضوع،
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ولم يثبت في اعتبار الكفاءة في النسب
حديث , وأما ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه: (العرب بعضهم أكفاء بعض،
والموالي بعضهم أكفاء بعض) فإسناده ضعيف. نعم وورد في الصحيح ما يدل
على فضل العرب، وفضل قريش على العرب وفضل بني هاشم على قريش،
ولكن لم يرد ذلك في أمر الكفاءة.
عن عائشة وعمر: (لأمنعن ذوات الأحساب إلا من الأكفاء) رواه
الدارقطني , والحسب المال , ولذلك اعتبر بعض العلماء الكفاءة باليسار والغنى ,
واستدلوا عليه بما رواه أحمد والنسائي وصححه , وابن حبان والحاكم من حديث
بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون
إليه المال) وما رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححاه من حديث سمرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم: أنه قال: (الحسب المال والكرم والتقوى) والفقهاء يفسرون
الحسب بالمجد الموروث.
عن عروة عن عائشة أن بريرة أُعْتِقَتْ وكان زوجها عبدًا فخيرها رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ولو كان حرًّا لم يخيرها. رواه مسلم وأبو داود والترمذي،
وهناك روايات أخرى وفيها أنها اختارت الفسخ، وهو حجة على اعتبار الكفاءة
بالحرية، بل قال الشافعي: (أصل الكفاءة في النكاح حديث بريرة) .
فعلم مما تقدم أن السنة مضت باعتبار الكفاءة بالدين والحرية والأخلاق
واليسار، وبهذا أخذ الكثير من العلماء في صدر الإسلام , وزاد أكثر العلماء النسب
والصناعة , واستدلوا عليهما بما لا يصح من الأحاديث وبما يصح من القياس،
فإنهم قالوا: إن العلة في اعتبار الكفاءة رفع الضرر والعار، وقد كانوا يفاخرون
بالأنساب ويرون من العار أن تزوج القرشية باهِلِيًّا، ولا يزالون يَتَعَيَّرون بدناءة
الحرفة والصناعة، والعمدة في ذلك العرف , ونذكر على هذا شاهدًا من كتب
الحنفية؛ إذ القضاء على مذهبهم في هذا البلاد.
جاء في الهداية أن الكفاءة تعتبر بالصنائع، وعزى ذلك إلى الصاحبين، ثم
قال ما نصه: (وعن أبي حنيفة في ذلك روايتان , وعن أبي يوسف أنه لا تعتبر
إلا أن تفحش كالحجام والحائك والدباغ. ووجه الاعتبار أن الناس يتفاخرون
بشرف الحِرَف، ويتعيرون بدناءتها. ووجه القول الآخر أن الحرفة ليست بلازمة،
ويمكن التحول عن الخسيسة إلى النفيسة منها) اهـ. وقال الكمال في الفتح
قوله: (وعن أبي حنيفة في ذلك روايتان) أظهرهما: ألا تعتبر في الصنائع
حتي يكون البيطار كفؤًا للعطار. وهو رواية عن محمد. وعنه في أخرى:
الموالي بعضهم أُكْفَاء لبعض إلا الحائك والحجام وكذا الدباغ، وهو الرواية
التي ذكرها في الكتاب عن أبي يوسف، وأظهر الرواتين عن محمد , فصار عن كل
واحد منهما روايتان؛ الظاهر عن أبي حنيفة: عدم الاعتبار، والظاهر عن محمد
كذلك إلا أن تفحش , وهو الرواية عن أبي يوسف , وفيما قدمناه من حديثٍ بقية
حيث قال فيه: (إلا حائكًا أو حجامًا) ما يفيد اعتبارها في الصنائع، لكن على الوجه
الذي ذكره في شرح الطحاوي وهو: أن الصناعات المتقاربة أكفاء كالبزاز والعطار
بخلاف المتباعدة , وعد الخياط مع الدباغ والحجام والكناس. قال: فهؤلاء
بعضهم أكفاء لبعض ولا يكافئون سائر الحرف، ولم يذكر خلافًا فكان ظاهرًا
في أن الظاهر من قول أبي حنيفة اعتبار الكفاءة , وإليه ذهب بعض الشارحين.
قال وكذا قال الشيخ أبو نصر بعد أن أثبت اعتبارها، وعن أبي حنيفة: ألا تعتبر
ونحوه في النافع وإنما قلنا: لكن على الوجه الذي ذكره في شرح الطحاوي، لأن حقيقة الكفاءة في الصنائع لا تتحقق إلا بكونهما من صناعة واحدة، وفي المحيط
وغيره: وههنا خساسة هي أخس من الكل؛ وهو الذي يخدم الظلمة يدعى
شاكرباه تابعًا وإن كان ذا مروءة ومال، قيل: هذا اختلاف عصر وزمان؛ في
زمن أبي حنيفة لا تعد الدناءة في الحرفة منقصة فلم تعتبر , وفي زمنهما تعد
فتعتبر. والحق اعتبار ذلك سواء كان هو المبني أَوْلا. فإن الموجب هو
استنقاص أهل العرف فيدور معه , وعلى هذا ينبغي أن يكون الحائك كفؤًا للعطار
بالإسكندرية لما هناك من حسن اعتبارها وعدم عَدِّها نقصًا ألبتة اللهم إلا أن يقترن
بها خساسة غيرها) اهـ.
(المنار)
علم مما أوردناه أن الكفاءة ليست من أمور العبادات، وإنما هي
من مسائل المعاملات التي يحكم فيها العرف ويستدل عليها بالقياس؛ لأنها تابعة
لمصالح الناس ورفع الضرر عنهم , ومدارها على التعيير فكل رجل كفؤ لمن إذا
تزوج منهم لا يلحقهم عار بتزويجه بين قومهم، ولذلك قالوا: إن العالم كفؤ لبنت
الشريف والحسيب وإن كان نسبه وضيعًا أو مجهولاً؛ لأن العلم أشرف الأشياء فلا
عار معه مطلقًا. وإن هذه الكفاءة تختلف باختلاف الزمان والمكان , فرُبَّ رجل يعد
كفؤًا لقوم في بلد ولا يعد كفؤًا لأمثالهم في بلد آخر لاختلاف العرف. أما حكم هذه
الكفاءة فهو: وجوب تزويج الخاطب مع تحققها واعتبار الولي عاضلاً للمخطوبة
إذا امتنع من التزويج , ولها حينئذ أن تزوج نفسها من الكفؤ بدون رضاه عند
الحنفية إن كانت رشيدة , وليس له اعتراض ولا طلب الفسخ، وعند غيرهم:
ترفع الأمر إلى القاضي فيأذن الولي البعيد بالتزويج؛ إذا كان القريب هو العاضل
أو يزوجها هو - في تفصيل معروف في الفقه - وإذا لم يكن الخاطب كفؤًا ,
وزوَّجها الولي بدون إذنها , أو زوجت نفسها هي بدون إذنه جاز لها على الوجه
الأول، وله على الثاني رفع الأمر للقاضي وطلب الفسخ دفعًا لإيذاء التَّعْيِير إلا أن
يسكت الولي حتى تلد فإنه يبطل حينئذ حق الفسخ مراعاة لمصلحة الولد.
ومسألة الكفاءة الآن من النوازل في مصر، فقد زوجت صفية بنت السيد
أحمد عبد الخالق السادات نفسها من الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، ووكلت في
العقد أجنبيًّا مع وجود أبيها في البلد , فطلب أبوها من القاضي فسخ العقد بدعوى
عدم الكفاءة , وخاضت الجرائد في ذلك بأهوائها , وامتدت أعناق قراء المنار إليه
يسألونه بيان حكم الشريعة في ذلك لعلمهم بأن الذين زعموا الدفاع عنها من الكتاب
جاهلون بها فها هو الحكم، وعليهم تطبيقه على الواقعة فإنهم أهل العرف.