للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


مثال من أمثلة تعصب النصرانية على العلم

صاحب مجلة الجامعة - الذي يدعي أن النصرانية أكثر تسامحًا مع العلم من
الإسلام - أرثوذكسي المذهب. وفي القاهرة جريدة لأرثوذكسي آخر تصدت للانتصار
له والتنويه بخدمته وفلسفته، وهذه الجريدة دينية إخبارية وإن لم يكتب عليها
(دينية) وقد نشرت في العدد الذي انتصرت فيه لصاحب الجامعة المحترم مقالة
عنوانها (المدارس والإكليرس) يصح أن تكون مثالاً أو أن يؤخذ منها مثل متعددة
لتعصب النصرانية على العلم حتى اليوم (من فمك أدينك) .
جاء في المقالة أن عاملين يتنازعان النجاح وعدمه في تعليم الأولاد (الأول
التعصب الديني الذي يحمل الآباء على إرسال أولادهم إلى مدارسهم الطائفية سواء
كانت مفيدة أو غير مفيدة) إلخ. (والثاني النظر إلى المستقبل) وذكر أن الناس
يتراوحون بين هذين العاملين ثم قال ما نصه بحروفه:
(وما زلنا نرى الناس في هذا التضعضع نرى رؤساء الأديان مع الفئة
الأولى المتعصبة يسعون إلى الضغط على الأفكار وإرغام الأهالي التابعين لهم على
إرسال أولادهم إلى مدارسهم كأن يقولون لهم: اتركوا مستقبل أولادكم وحافظوا على
صحة اعتقادهم؛ لأن هاته المدارس ما فتحت في بلادكم إلا لتسلب منكم أولادكم
وتضطرهم إلى ترك معتقدات آبائهم وأجدادهم.
(وهذا ما قاله أيضًا غبطة البطريرك المسكوني ونقله إلينا البريد الأوربي
فقد جاء في جريدة (التان) لمكاتبها في الآستانة: (أصدر غبطة البطريرك
المسكونى للروم الأرثوذكس في الآستانة منشورًا شديد اللهجة إلى جميع المطارنة
ضد المدارس الدينية الفرنساوية حرض به أبناء الطائفة الأرثوذكسية أن لا يرسلوا
أولادهم إليها) . اهـ
فهل سمع مثل هذا عن شيخ الإسلام في الآستانة أو شيخ الأزهر في مصر؟
أليست المدارس الفرنسية ملأى بأولاد المسلمين المخالفين لهم في أصل الدين لا في
مذهب من مذاهبه كالخلاف بين الكاثوليك والأرثوذكس. نعم إن الإسلام ليس فيه
سلطة دينية تجعل الملقب بشيخ الإسلام أو شيخ الأزهر مسيطرًا على الناس ولكن
فيه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأجدر الناس بالقيام بهذا الواجب هم
الذين يرتقون إلى مثل هذه المنصب، ولكن تسامح الإسلام قد غلب حتى خرج عن
كونه تسامحًا وتساهلاً وصار إهمالاً وتفريطًا.
نسب صاحب هذه الجريدة ما نكتبه في الرد على صاحب مجلة الجامعة إلى
رجل صاحب منصب سامٍ في المسلمين وما كان له أن يصرح بظنه؛ لأن الحق
يعرف بذاته لا بقائله والباطل كذلك؛ ولأن آداب الصحافة تقضي بذلك فليس لي إذا
رأيت مقالة منتقدة في جريدة منسوبة لكاتب غير معين أن أنسبها لعظيم أحب
غميزته والنيل منه، أو أحب أن أجعل نفسي مناظرًا له ليتوهم الجاهلون بي وبه
أنني من نظرائه.
ولم يكتف صاحب الجريدة المشار إليها بالنسبة المذكورة والمقارنة بين شاب
من المبتدئين في الكتابة من أهل مذهبه وبين هذا الشيخ الجليل الذي ذكره بل خرج
عن الموضوع في عدد آخر (وهو العدد الأخير) وأتى بجانب أسمه بما لا يليق أن
يصدر من السوقة،هذا وكل من قرأ الرد على الجامعة أعجب بنزاهة الكلام وأدبه؛
لأنه لا يشم منه رائحة تحقير أحد فليس فيه أن صاحب الجامعة (أساء الفهم
وتجاهل) ولا (أنه حقر المسلمين) بل كل ما فيه سرد النقول من كتب الدين وكتب
التاريخ وما يتبادر إلى الفهم منها مع الاعتذار عن المعترض على الإسلام والمسلمين
والثناء عليه بما عده الناس فوق ما ينبغي. فما كان لمن عومل هذه المعاملة أن يعامل
بضدها من عدهم من الأصدقاء، وهو مأمور بمحبة الأعداء، ولا أن يستنجد ابن
مذهبه ليقول في الانتصار له ما لا يقوله هو أو يرضى منه ذلك ليحقق التهويل الذي
أشار إليه وأرجف به وتبرّأ من تبعته ألقاها على من رد عليه.
تلك آداب دين التعصب والغلظة وهذه آداب صاحب الجريدة المنتصرة لدين
المسامحة والمسالمة ومحبة الأعداء. أقام الله منهم أدلة على دعاويهم، وأيد كلمة
الحق بما تقذفه أفواه متأدبيهم.
وبقي أن نقول: إن فضلاء المسيحيين وأدباءهم قد قدروا الرد الذي ننشره
قدره وعرفوا قيمته؛ إذ فهموا أنه أبلغ ما كتب في إقناع المسلمين بوجوب حسن
المعاملة مع المخالف في الدين، ووجوب الأخذ بأسباب الارتقاء الذي هو الوسيلة
الوحيدة لسعادة الشرق والشرقيين، ولو تأنى الرصيف المحترم صاحب الجامعة
الغراء وصبر حتى قرأ الرد كله (ولم يحكم بأنه ٣٥ صفحة فقط.. .) لجاز أن
يظهر له منه ما ظهر لعلماء المسيحيين وكبار كتابهم من أنه أكبر خدمة خدم بها
الشرق، والله الهادي إلى سبيل الحق.