للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: حسين وصفي رضا


الأخبار والآراء

(افتتاح مجلس المبعوثان)
كان يوم غرة ذي القعدة الحرام يومًا مشهودًا في الآستانة العَلِيّة، تطالت إليه
أعناق العثمانيين، وحدَّجت أبصار الشاهدين منهم له والغائبين؛ إذ هو يوم من
أيامهم المشهودة، وعيد من أعيادهم المعدودة، ألا وهو افتتاح مجلس الأمة الذي
استردت به الأمة حياتها، وحفظت كيانها، وأصبح أمرها بيدها.
ولئن كان يوم إعلان الدستور هو العيد العام لجميع العثمانيين، والحد الفارق
بين عصر ترقب العدل وزمن سلطة الجائرين؛ فجدير بهذا اليوم أن يكون عيدًا
مثله عظيمًا؛ إذ به تتحقق مباشرة الأمة للقبض على أزمة الحكم عملاً، وذلك بسن
القوانين العادلة، والتصديق على إنفاذ المشروعات النافعة.
لقد كان هَمُّ (المبعوثان) في العام الماضي محصورًا في تقرير طرق
المحافظة على الدستور، والسعي في حمل الحكومة على التنازل عن واسع سلطتها؛
لتكون في يد المجلس، وبَيْنَا هُمْ يكافحون ويناضلون، ويتحاجون ويتحاورون، إذ
نجمت تلك الفتنة الهائلة، والبلية النازلة، التى كادت تلتهب جذاها في جميع
أنحاء السلطنة، فانقضت على الدستور بغية زعزعة أركانه، ونقض بنيانه،
وصدت المجلس عن عمله، وحالت دون تحقيق أمله، وكان من فضل الجيش وقائده
العظيم محمود شوكت باشا اجتثاث تلك الفتنة من أصولها، والقضاء على السلطة
الجائرة، فكانت بحمد الله صفقتنا رابحة، وصفقة ربها عبد الحميد خاسرة.
انقضى ذلك العام بخيره وشره، وقطعت قبل مغيب شمسه ألسنة الفتنة،
وأخمدت نار المحنة، وقد هل هلال هذا الشهر، وهو أول العام الثاني للمجلس؛
ونوابنا الكرام جالسون على مقاعدهم، مترقبون لطلعة سلطانهم وخليفتهم ليفتتح
مجلسهم، ثم ينصرفون بعد ذلك إلى ما تمحضوا له.
هذا: ولم تكد تبتسم شمس نهار افتتاح المجلس، إلا وقد برزت العاصمة في
لبوس من الزينة يروق الأبصار ويسر البصائر، وما كان خفقان الأعلام على الدور
والقصور والحوانيت والفنادق، إلا دون خفقان القلوب واهتزازات النفوس!
ثم أقبل الخليفة بموكبه الجليل، والنهار في مستوى شبابه يحيط به أمراء
الأسرة المالكة كالنجوم حول القمر، ولما بلغ القصر بصر بوزراء الدولة وقوادها
واقفين أمام باب القصر؛ لاستقباله إجلالاً وتعظيمًا.
بعد أن جلس الخليفة على كرسي السلطنة وأخذ كل واحد مكانه؛ وكان
المجلس حفيلاً بالوزراء والقواد والسفراء وحملة الأقلام، ناول مولانا السلطان
خطابه للصدر الأعظم وأمره بقراءته فتلاه بصوت جهوري دوى له المجلس، حتى
وعاه كل سامع عارف بالتركية، وإنه لخطاب حكيم، إني أنشره على القراء
مترجمًا ترجمة صحيحة، وهاؤم الترجمة:
* * *
(خطاب السلطان)
أيها الأعيان و (المبعوثان) المحترمون
أحمد الله جل جلاله الذي جعل جلوسي على أريكة السلطنة العثمانية في دور
الدستور السعيد، ووفقني في السنة الأولى منه أن أحضر افتتاح الاجتماع الثاني
للمجلس العمومي، وأهنئ أعضاءه جميعًا بقدومهم المأنوس.
إن الشرع الشريف يأمر بالحكومة المقيدة الشورية عقلاً ونقلاً، ويعدها لنا
كطريق نجاة وسلامة، فإذا داومنا مسيرنا في هذه السبيل، وصلنا إلى الاتحاد
والقوة اللازمين لحياتنا الاجتماعية والسياسية.
إن من أكبر أمانيَّ المحافظة على الدستور، وتأييد مبادئه، وتطبيق قواعده،
وسأشتغل بمنتهى مقدرتي مع رعيتي مستعينًا بمعونة الله، وروحانية النبي صلى
الله عليه وسلم؛ لتحقيق هذه الأماني الشريفة والوصول إلى هذه الغاية المجيدة.
إن امتناني كان عظيمًا جدًّا عندما رأيت الإخاء عامًّا شاملاً بين عموم أبناء
الوطن أثناء سياحتي في بورصه وأزميدو، كنت سعيدًا جدًّا باقترابي من أفراد
الأمة الصادقة.
إن الخدمة العسكرية التي تشمل اليوم جميع رعايانا بلا استثناء هي من نتائج
ما يأمر به القانون الأساسي؛ الذي يضمن لهم المساواة بالحقوق والواجبات، وإنني
أعد وضع هذه الخدمة العامة المعلية لقوة الدولة وعظمتها موضع التنفيذ، من أهم
الحوادث التى سينقلها تاريخ نهضتنا الوطنية؛ لأن من طبائع هذه الخدمة في
الجيش تحكيم عرى التآخي الصحيح بين أبناء هذا الوطن.
إن الرقي والانتظام اللذين أظهرهما أفراد جيوشنا أثناء المناورات البرية
والبحرية التى جرت لأول مرة في هذا العام، يحملان على أن نقدرهم حق قدرهم،
وأن نصرف مساعينا لإيصال هذه القوى إلى درجة الكمال؛ إذ عليها يتوقف الذب
عن حوزة الوطن والمحافظة التامة على السلم العام.
إن أحوالنا الداخلية - ولله الحمد - لا توجب القلق، وإن الحوادث التي وقعت
في قضاء الزيدية التابع لمتصرفية الحديدة، وفي متصرفية عسير من ولاية اليمن،
وفي قضائي بارزان ولوما من ولايتي الموصل وقوصوه، أخذت تزول بالتدابير
الرشيدة التى اتخذتها الحكومة المنفذة، حتى إن القبائل الثائرة جنحت للطاعة
والسكون، والآمال معقودة على أنها لا تتكرر فيما بعد ولا سيما متى تعممت
المعارف، وفهمت الأهالي عامة القواعد الدستورية، فيجب علينا في الوقت نفسه
أن نعمل باهتمام وسرعة في سبل إنهاض المعارف، وترقية الأحوال الزراعية
والصناعية والتجارية في ممالكنا الواسعة، وكل عمل من شأنه أن يعود على العموم
بالراحة والرفاه، وعلى البلاد بالثروة والعمران.
الأوان أكبر آمالي حصول التوازن المالي الذي هو أس أساس
الإصلاحات، وستقدم ميزانية سنة ١٣٢٦ العمومية لمجلسكم، فعليكم أن تدققوا
فيها أصلاً وفرعًا وإذا كان واضعوها لم يتمكنوا من الوصول بها إلى هذا التوازن
المنشود بالرغم عما أنفقوه من الحكمة، والاقتصاد في وضع النفقات المعقولة
اللازمة، فإنهم سيتوصلون بلا شك إلى سد عجز الميزانية العمومية المقبلة، متى
استوفيت الزيادة التي ستجبى من الرسوم الجمركية، ووضعت الاحتكارات المنوي
وضعها، وتحسنت طرق جباية الأموال الأميرية، وعندئذ تزداد الثقة المالية بنا،
وقد أثبتت أعمالنا المالية الأخيرة لنا ذلك.
لقد أقمتم الدستور باجتماعكم الأول على قواعد متينة لا تزعزع، وأيدتم
النظامات الكافلة للأمن والراحة في البلاد، وستنظرون في اجتماعكم الثاني لوائح
القوانين والنظامات التي وضعتها الحكومة المنفذة، مجددًا فيما يتعلق بحياة المملكة
الاجتماعية والاقتصادية، وتأييد النظام والراحة بقوة القانون، ومن هذه
المشروعات التي تستحق الذكر نظام التجارة البرية والبحرية، وحقوق الملكية،
ونظم قضاة المحاكم المتنقلين، وإدارة الولايات وقانون الجزاء.
إن علاقاتنا مع الدول كافة ودية محضة، وبما أننا نراها جميعها متحدة على
السعي في سبيل المحافظة على السلم العام، فلذلك ترى حكومتي من واجباتها أن
تكون عنصرًا شريفًا ساعيًا معها في سبيل تأييد السلم.
إنني مع بيان فائق امتناني من المساعي الوطنية التي صرفت من قبل
هيئتيكما في الاجتماع الأول، أعلن لكما افتتاح جلساتكما اعتبارًا من هذا اليوم،
باسطًا أكف الدعاء إليه تعالى أن يوفقكما ويسهل أعمالكما إلى ما فيه خير الدولة
والأمة، إنه سميع مجيب) اهـ.
بعد أن أتم الصدر الأعظم قراءة الخطاب السلطاني، هتف الحاضرون
للسلطان، وصافحه السفراء، ثم غادر قصر النواب والقلوب هاوية إلى طلعته
الغراء، والأبصار شاخصة إلى موكبه ذي الجلال والرواء، والألسنة منطلقة
بالهتاف له والدعاء، أدامه الله رافلاً في مطارف الصحة والهناء.
وبعد فإن أعمال (المبعوثان) في هذا العام ستتناول شؤونًا جمة، تتوقف
على إنفاذها على وجهها حياة الأمة وعزة السلطنة، وهي النظر في القوانين
المسنونة والنظامات الموضوعة؛ لتأييد الحق وشمول الأمن والعدل، ومن أعظم تلك
الشؤون وآكدها؛ مشروع تعميم العلوم والمعارف بين طبقات الشعب، ومشروع
التجارة وإنشاء نظارة خاصة لها، والنظر في توسيع سلطة الولايات، وتهذيب
قانون الجزاء (الجنايات) ، وغير ذلك من الأعمال التى تجعل أعمال المجلس
في هذا العام إيجابية، وقد كانت في العام المنصرم سلبية.
ولنا الرجاء بأن يقوم أعضاء المجلس بما انتدبوا له خير قيام، ولا سيما بعد
أن تمرنوا على نسق السير في المجلس، وسمعوا كثيرًا من الصيحات والانتقادات
بحق وبغير حق، والله المستعان.
... ... ... ... ... ... ... ... ... حسين وصفي رضا
***
(خطاب رئيس المبعوثان)
خطب أحمد رضا بك رئيس (المبعوثان) إخوانه الأعضاء بعد انتخابه
رئيسًا خطبة حفيلة، نورد منها هذه الكلمات الحكيمة:
إن أول واجب على النائب الشريف النفس بعد اجتماعنا تحت سقف قصر ذي
شهرة بالتاريخ؛ هو شكر جلالة مولانا السلطان الذي تفضل علينا بهذا القصر،
ولي الأمل أنكم تنيبونني عنكم في القيام بتأدية هذا الواجب، ولا شك بأنكم تشتغلون
بهدوء وسكون ونظام؛ لتخدموا الأمة الخدمة التي تنتظرها منكم، ولكنكم لا تبلغون
هذا القصد إلا إذا حاذرتم تجاوز حدود الاعتدال إلى التطرف.
والواجب أن تكون الشرائع والقوانين والمطالب مما تتطلبه حالة البلاد،
وينطبق على تقاليد الأمة وأخلاقها حتى يسهل تنفيذها. فقبل أن نصوغ القوانين،
يجب أن نعد معدات التنفيذ التي تعمم نفع تلك القوانين لكل عناصر الأمة على حد
المساواة.
ولابد للوزارة التي تتولى التنفيذ من المساعدة والعون داخلاً وخارجًا أكبر من
مساعدة مجلس النواب لها بالأماني والتمني. والعون الأول هو بلا جدال ما يكون
من ناحية العاطفة الدينية قبل كل شيء، ثم من آداب الأمة ودرجة تعلمها. والنجاح
والمدنية يشبهان مركبة تدفعها قوة ذكرى العهد الماضي، فإذا لم يكن وراء هذه
المركبة روح قوية تدفعها إلى الأمام، وقوات أدبية ومادية تؤيد الدافع. فإما أنها
تقف، وإما أنها تتقهقر.
وبما أن أعمال المجلس ومجهوداته لم تأت حتى الآن بالنتيجة التامة، فهم
يظنون أن هذا المجلس لا نفع له، وقد جسموا بعض الهفوات، ومن عادة الشعب
أن يعد الخير الذي لا يدركه أو الأعمال التي لا تعود عليه بالنفع المادي والأعمال
الحسنة بنفسها؛ إذا هى مست مرافق الأفراد من الشر.
وليس ذلك غريبًا في فهم الشعوب للأمور على هذا الوجه، فإن الإصلاحات
التي تقلب كيان الأمة إذا كانت فجائية، قد تعود غالبًا بالضرر على الأفراد،
فالناموس الطبيعي يقضي بأن يكون الانقلاب تدريجيًّا وعلى مهل، فليس من
الواجب علينا وحدنا العمل فقط , بل من الواجب على كل عثماني أن يأخذ بيد أخيه
العثماني للسعي وراء نجاح الوطن، متحاشيًا البحث أو التفتيش عن سيئات أخيه
ليعيبه بها.
وإذا كان نقد الأمور حقًّا ومنحة من الحرية، فإن من الفضيلة الشريفة
للضمائر الحرة الطاهرة أن لا ترى الشيء من جهته السيئة، وبأن لا تثق بكل فكر
يقال، دون تحقيق أقوال هذا معربًا عن أملي بأن تكون الروح التي أشرت إلى
فضائلها هي الروح السائدة في هذا المجلس.