للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


فتاوى المنار
من صاحب الإمضاء في بيروت

(س٥٤ - ٥٦)
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله على آلائه. وأصلي وأسلم على خاتم رسله وأنبيائه.
حضرة صاحب الفضيلة والفضل الأستاذ الإمام مرشد الأنام السيد محمد رشيد
رضا صاحب المنار الأغر حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فأرفع إلى فضيلتكم ما يأتي راجيًا التكرم بالإجابة عليه:
(١) هل يجوز للعلماء كالقضاة والمفتين ومدرسي التفسير واللغة العربية
ببعض الكليات الإسلامية أن يذهبوا ويجلسوا في محلات اللهو كالمقاهي العمومية،
والحفلات وغيرها، وهناك يرون ويسمعون المنكر كصوت البيانو والعود والغناء
من النساء الأجنبيات أم لا؟ وهل توجد أقوال عند أحد أئمة المسلمين تبيح لهم ذلك؟
لأن كثيرًا من العوام حينما ننكر عليهم جلوسهم في تلك الأماكن التي يسمعون
بها الغناء والضرب على البيانو والعود وغيره من النساء الأجنبيات لا يسمعون لنا
قولاً، وحجتهم في ذلك جلوس بعض العلماء في تلك الأماكن!
(٢) هل يجوز لعن وشتم وسب العلماء الغُيَّر على الدين وأهله، المتمسكين
بالكتاب والسنة وأقوال الأئمة، الذين لا يحكمون إلا بما أنزل الله، والذين يهمهم
شأن المسلمين وأمرهم. وقد عرف فضلهم كل ذي فضل؟ هل يجوز شتم أمثال
هؤلاء العلماء الأفاضل على مسمع من الناس أم لا؟ وهل الواجب على المستمعين
الإنكار على السابّ ونهيه وزجره أم لا؟ وهل يأثم هؤلاء المستمعون في سكوتهم
وعدم إنكارهم أم لا؟
(٣) زعم بعض من يدعي العلم والمعرفة والمدنية (وما أكثرهم في هذه
الأيام) (أن الدين الإسلامي لا يتمشى مع المدنية والحضارة) فهل هذا صحيح أم
لا؟ وهل تقرون زعمه؟ أم تردونه وتدحضونه؟ نرجوكم الجواب الشافي في
ذلك، كما نرجو فضيلتكم أن تقدموا هذا الجواب على غيره؛ لأن هذا المشعوذ أخذ
يجمع من حوله أنصارًا ليقوموا بهذه الدعوى الكاذبة الباطلة، وقد شافهنا بعض
المطلعين على زعمه فقال: إن هذا وأمثاله لا يردعهم عن غيهم بالبراهين القطعية،
والحجج الناصعة القوية، إلا فضيلة العلامة المِفضال الأستاذ السيد محمد رشيد
رضا صاحب المنار الأغر؛ ولذلك نحن بادرنا بكتابة ما تقدم لتسرعوا بالجواب.
ولكم جزيل الأجر والثواب.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... السائل
... ... ... ... ... ... ... ... ... عبد القادر البَعْلبكي ... ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ببيروت
أجوبة المنار معدودة
بحسب ترتيب أرقام الفتاوى السابقة
(٥٤) جلوس العلماء في مجالس اللهو والفسق
إن أقل ما يقال في محافل اللهو العامة المعهودة: إن حضورها مخل بالمروءة
والحشمة التي يُطلب من علماء الدين وقضاة الشرع شدة العناية بالمحافظة عليها.
وهذا ينافي القول بإباحتها المطلقة حتى على القول بإباحة سماع المعازف كالبيانو
والعود، فإن شرط إباحة هذا السماع عند القائل به ألا يكون معه منكر آخر، ولا
يكون ذريعة لمنكر آخر أو لقدوة سيئة، ومن المنكرات المألوفة في هذه المحافل
وجود النساء الموصوفات في حديث صحيح بوصف (الكاسيات العاريات المائلات
المميلات) ، وكذا شرب الخمور أو وجود السُّكَارَى وسماع رفثهم، والاختلاف إليها
يستلزم هجر الرجال لبيوتهم في أوقات الفراغ من أعمالهم المعاشية. وهجرهم لها قد
يكون مفسدة لمَن فيها من النساء والأولاد. وفي حضور مَن ذُكر من العلماء فيها
تجرئة للفساق على ما وراء هذا السماع والمناظر من الفواحش والمنكرات، أو
اعتقادهم أن هذه المفاسد مباحة في الشرع، فبهذا وما قبله يكون للعلماء حكم لا
يشاركهم فيهم غيرهم مع أن أحكام الشرع عامة. وكان علماء السلف يتركون
بعض المندوبات أحيانًا؛ لئلا يفهم العوام من مواظبتهم عليها وجوبها كما ترك ابن
عباس (الأضحية) وترك بعضهم المواظبة على قراءة سورة: الم السجدة في فجر
يوم الجمعة وهي من السنن المؤكدة. فينبغي أن يكون رجال العلم والتهذيب قدوة
صالحة للأمة باجتناب هذه الملاهي في المقاهي، والاستغناء عنها باللهو المباح في
بيوتهم الذي يشاركهم فيه نساؤهم وأولادهم.
(٥٥) لعن العلماء المعتصمين بالكتاب والسنة وسبهم
إن لعن العلماء المتمسكين بالكتاب والسنة وسبهم بهذا الوصف لا يمكن أن يقع
من مسلم يؤمن بالله وكتابه ورسوله، فهو يدل على الارتداد عن الإسلام. وقد صرح
بعض الفقهاء بأن إهانة علماء الدين بما دون ما ذُكر كفر.
وأما شتم أشخاص معينين من هؤلاء العلماء العاملين بالكتاب والسنة ولعنهم
بعداوة أو صفة أخرى غير علمهم واعتصامهم بالكتاب والسنة الذي لا يكون المسلم
مسلمًا حقًّا بدونه فهو معصية بدليل النص والإجماع. وحسبك قوله صلى الله عليه
وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وقوله
من حديث رواه الشيخان أيضًا: (ولعن المؤمن كقتله) . وفي بعض الآثار التصريح
بكون ذلك من الكبائر، وقد عده ابن حجر وغيره منها.
بل حقق بعض العلماء جواز عدم لعن الكافر المعين والفاسق المعين مع
قولهم بجواز لعن جنس الكافرين والفاسقين عامة، وقد قيل للإمام أحمد (رحمه الله) :
إن أقوامًا يقولون: إنا نحب يزيد، فقال: وهل يحب يزيد من يؤمن بالله واليوم
الآخر؟ فقال له السائل - وهو ولده عبد الله -: أَوَلا تلعنه؟ فقال: متى رأيت أباك
يلعن أحدًا؟ (راجع هذا في ص ٣٠٣ من الجزء الأول من الآداب الشرعية،
وأصل المسألة في آفات اللسان من الجزء الثالث من الإحياء والجزء الثاني من
الزواجر) وإذا كان الأمر كذلك فلا شك في وجوب الإنكار على هؤلاء السبَّابين
اللعانين الفاسقين عن أمر الله الناكبين عن سبيل المؤمنين، وفي إثم من يستمع لهم أو
يسمعهم ولا ينكر عليهم.
(٥٦) الإسلام والمدنية الصحيحة:
الإسلام هو دين الحضارة والمدنية الصحيحة، وقد بينا هذا في المنار مرارًا
كثيرة بقلمنا وقلم غيرنا وحسبك فيه كتاب (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية)
للأستاذ الإمام، ورسالة الأمير شكيب التي ننشرها في هذه الأيام، وقد طبعناها في
رسالة مستقلة بعنوان (لماذا تأخر المسلمين وتقدم غيرهم؟) وذكرنا في الجزء
الماضي خلاصة مناظرة دارت بيننا وبين أحد المحامين ومصاقع الخطباء
المشهورين في كلية الحقوق من الجامعة المصرية موضوعها: المفاضلة بين المدنية
العربية الإسلامية والمدنية الفرعونية، كان لنا فيها الفَلْج والظفر برأي السواد
الأعظم ممن حضر المناظرة. ولكن هذا السؤال ورد علينا قبل نشر خلاصة
المناظرة وقبل المشروع في نشر رسالة أمير البيان، وفيهما الحجة البالغة على ذلك
الجاهل المفتري على الإسلام.