للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


وصية بطرس الأكبر قيصر روسيا

(ننشر هذه الوصية تمهيدًا لمقال سنكتبه في فتنة مكدونيا وحال الدولة العلية
وروسيا وأوربا) .
المادة الأولى - من اللازم أن تقاد العساكر دائمًا إلى الحرب، وينبغي
للأمة الروسية أن تكون متمادية على حالة الكفاح لتكون أليفة الوغى، وترْك وقت
لراحة العساكر، أو لأجل إصلاح المالية وتوفيرها، وإن كان ضروريًّا يلزم معه أن
يكون تنظيم المعسكرات متعاقبًا وتكون مراقَبَة الوقت الموافق للهجوم متصلة. وعلى
هذه الصورة ينبغي لروسيا أن تتخذ زمن الصلح والأمان وسيلة قوية للحرب،
وهكذا من الحرب للصلح وذلك لأجل زيادة قوتها وتوسيع دائرة منافعها.
المادة الثانية - في وقت الحرب ينبغي اتخاذ جميع الوسائل الممكنة
لاستجلاب ضباط للجنود من بين الملل والأقوام الذين هم أكثر علمًا منا في أوربا،
وكذلك في زمن الصلح يتعين استجلاب أرباب العلم والمعارف منهم أيضًا ويلزم
الاعتناء بما يجعل الأمة الروسية تستفيد من منافع سائر الممالك ومحسناتها بحيث
لا تضيع فرصة للسعي في تحصيل المحسنات المخصوصة بمملكتها.
المادة الثالثة - عند سُنوح الفرصة ينبغي وضع اليد والمداخلة في جميع
الأمور والمصالح الجارية في أوربا وفي اختلافاتها ومنازعاتها، وعلى
الخصوص في شئون ممالك ألمانيا الممكن الاستفادة منها بلا واسطة بسبب
شدة قربها.
المادة الرابعة - ينبغي استعمال ضروب من الرشوة لأجل إلقاء الفساد
والبغضاء والحسد دائمًا في داخلية ممالكهم وتفريق كلمتهم واستمالة أعيان
الأمة ببذل المال واكتساب النفوذ في مجلس الحكومة حتى نتمكن من المداخلة في
انتخاب الملك، وبعد الحصول على انتخاب مَن هو مِن حزب روسيا من تلك الأمة
ينبغي حينئذ دخول عساكر روسيا في البلاد لأجل حمايتهم والتعصب لهم
باحتلال العساكر المذكورة مدة مديدة هناك إلى أن تحصل الفرصة لاتخاذ وسيلة
تمكننا من الإقامة، وعندما تظهر مخالفة في ذلك من طرف الدول المجاورة
فلأجل إخماد نار الفتنة مؤقتًا ينبغي أن نقاسم المخالفين في ممالكهم، ثم
نترقب الفرص لاسترجاع الحصص التي تكون قد أُعطيتْ لهم.
المادة الخامسة - ينبغي الاستيلاء على بعض الجهات من ممالك أسوج
بقدر الإمكان ثم نسعى في اغتنام وسيلة لاستكمال الباقي منها ولا نتوصل إلى ذلك
إلا بوجه تضطرب فيه تلك الدولة إلى أن تعلن الحرب على دولة روسيا وتهاجمها.
والذي يلزم أولاً هو أن نصرف المساعي والهمَّة لإلقاء الفساد والنُّفرة دائمًا بين
أسوج والدانمرق بحيث يكون الاختلاف والمراقبة بينهم دائمَيْنِ باقيين.
المادة السادسة - يجب على الأسرة الإمبراطورية الروسية أن يتزوجوا
دائمًا من بنات العائلة الملوكية الألمانية وذلك لتكبير روابط الزوجية والاتحاد
بينهم ومشاركتهم في المنافع بهذه الصورة يمكن إجراء نفوذهم في داخل ألمانيا
ويربطون أيضًا الممالك المذكورة لجهة منافعنا ومصلحتنا.
المادة السابعة - أن دولة إنجلترا هي الدولة الأكثر احتياجًا إلينا في
أمورها البحرية، ولهذه الدولة فائدة عظيمة جدًا أيضًا في أمر زيادة قوتنا البحرية؛
فلذلك كان من الواجب ترجيح الاتفاق معها في أمر التجارة على سائر الدول
وبيع حاصلات ممالكنا كالأخشاب وسائر الأشياء إلى إنجلترا وجلب الذهب من
عندهم إلى ممالكنا واستكمال أسباب الروابط والصلات الدائمة بين تجار وملاحي
الطرفين فيتوسع بهذه الوسيلة أمر التجارة وسير السفن في ممالكنا.
المادة الثامنة - على الروسيين أن ينتشروا يومًا فيومًا شمالاً في سواحل
بحر البلطيق وجنوبًا في سواحل البحر الأسود.
المادة التاسعة - ينبغي التقرب بقدر الإمكان من إستانبول والهند وإن
من القضايا المسلَّمة أن من يحكم على إستانبول يمكنه أن يحكم على الدنيا بأسرها
من اللازم إحداث المحاربات المتتابعة تارة مع الدولة العثمانية وتارة مع
الدولة الرومانية وينبغي الاستيلاء على بحر البلطيق أيضًا؛ لأنه خير موقع
لحصول المقصود والتعجيل بإضعاف بل ومَحْو دولة إيران لنتمكن من الوصول
إلى خليج البصرة وربما نتمكن من إعادة تجارة الممالك الشرقية القديمة إلى
بلاد الشام والوصول منها إلى بلاد الهند التي هي بمثابة مخزن للدنيا، وبهذه
الوسيلة نستغني عن ذهب إنجلترا.
المادة العاشرة - ينبغي الاهتمام بالحصول على الاتفاق والاتحاد مع
دولة أوستريا والمحافظة على ذلك، ومن اللازم التظاهر بترويج أفكار الدولة المشار
إليها من جهة ما نبتغي إجراءه من النفوذ في المستقبل في بلاد ألمانيا، وأما
الباطن فينبغي لنا فيه أن نسعى في تحريك عروق حسد وعداوة سائر حكام
ألمانيا لها وتحريك كل منهم لطلب الاستعانة والاستعداد من دولة روسيا، ومن
اللازم إجراء نوع حماية للدول المذكورة بصورة يتسنَّى لنا فيها الحكم على تلك
الدول في المستقبل.
المادة الحادية عشرة - ينبغي تحريض العائلة المالكة في أوستريا على
طرد الأتراك وتبعيدهم من قطعة الروملي، وحينما نستولي على إستانبول يجب علينا
أن نسلط دول أوربا القديمة على دولة أوستريا لتأخذها حربًا أو نُسكن حسدها
ومراقبتها لنا بإعطائها حصة صغيرة من الأماكن التي نكون قد أخذناها من قبل،
وبعد ذلك نسعى بنزع هذه الحصة من يدها.
المادة الثانية عشرة - ينبغي أن نستعمل جميع المسيحيين الذين هم من
مذهب الروم المنكرين رياسة البابا الروحية والمنتشرين في بلاد المجر والممالك
العثمانية وفي جنوبي ممالك (له) ونلجئهم إلى أن يتخذوا دولة روسيا مرجعًا
ومعينًا لهم، ومن اللازم قبل كل شيء إحداث رياسة مذهبية حتى نتمكن من
إيجاد نوع من الحكومة الرهبانية عليهم فنسعى بهذه الواسطة لاكتساب أصدقاء
كثيرين ذوي غيرة نستعين بهم في كل ولاية من ولايات أعدائنا.
المادة الثالثة عشرة - حينما يصبح الأسوجيون مشتتين والإيرانيون
مغلوبين واللاهوتيين محكومين والممالك العثمانية مضبوطة لنا أيضًا تجتمع
معسكراتنا في محل واحد مع المحافظة على البحر الأسود وبحر البلطيق بقواتنا
البحرية، وعلى ذلك نظهر أولاً لدولة فرنسا كيفية مقاسمة حكومات الدنيا بأسرها
بيننا لدولة أوستريا وبعرض ذلك على كل من الدولتين المشار إليهما كل منهما على
حِدَة بصورة خفية جدًا لقبول ذلك، وإذ كان لا بد من أن إحداهما تقبل هذه الصورة
فعند ذلك ينبغي مداراة واحترام كل منهما، ونجعل من كانت منهما قابلة بما عرضناه
عليهما واسطة لتشكيل الأخرى. وإذ تكون دولة روسيا حينئذ قد استولت على
جميع الممالك الشرقية، ويكون مثل ذلك أَعْظَم قطع أوربا حديثة الدخول في يد
تصرفها فعنده يسهل عليها أن تقهر وتُنكِّل فيما بعد أية دولة بقيت في الميدان
من الدولتين المذكورتين.
المادة الرابعة عشرة - على فرض المُحَال أن كلا من الدولتين المشار إليهما
لم تقبل بما عرضته عليهما روسيا، فينبغي حينئذ لروسيا أن تصرف الأفكار
لمراقبة ما يحدث من النزاع والخلاف بينهما، فإذا وقع ذلك فلا بد أن أحد الفريقين
يشتبك مع الآخر ويضعف كل منهما، وفي ذلك الوقت يجب على روسيا أن
تنتظر الفرصة العظيمة وتسوق حالاً معسكراتها المجتمعة أولاً بأول على ألمانيا
فتهجم على تلك الجهات، ثم تُخْرِج قسمين كبيرين من السفن أحدهما من بحر
أزق المملوء بالعساكر الوافرة المجتمعة من أقوام الأناضول المتنوعة، والثاني
من ليمان أرخازكل في البحر المتجمد الشمالي فتسير هذه السفن وتمر في
البحر الأبيض والبحر المحيط الشمالي مع الأسطول المقيم في البحر الأسود وبحر
البلطيق وتهجم كالسيل على سواحل فرنسا، وأما ألمانيا فإنها تكون إذ ذاك مشغولة
بحالها، وبما ذكرناه تصبح المملكتان الواسعتان المذكورتان مغلوبتين على هذه
الصورة، فالقطعة التي تبقى من أوربا تدخل بالطبع تحت الانقياد بسهولة وبدون
محاربة وتصير جميع قطعة أوربا قابلة للفتح والتسخير.