للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الإسلام في إنكلترة
فضيلة.... [١] صاحب (المنار) الأغر:
يسرني جدًّا أن أبلغ سيادتكم أن مساعي إخواننا المسلمين المبشرين في إنكلترا
سائرة في طريق النجاح بدرجة فوق المأمول، ولقد تعود معظمنا إغفال الدعوة إلى
الدين الحنيف، بل أهملنا حتى في مقاومة دعاة المسيحية في نفس بلادنا، حتى أني
أتخيل أن ذكر وجود مبشرين مسلمين في إنكلترا كافٍ وحده لدهشة غير قليل من
القراء، ولا شك في أنه يدهشهم (دهشًا) أكثر أن يعلموا أن هؤلاء المبشرين على
قلة عددهم قد نجحوا في نشر نور الإسلام بين عدد ليس بالضئيل من خيرة السيدات،
والرجال الإنجليز.
يوجد في (ووكنج woking) إحدى ضواحي مدنية لندن جامع صغير يمثل
المركز الرئيسي للجالية الإسلامية في بريطانيا العظمى، ويُصْدِر إمام ذلك الجامع
مجلة شهرية تُدْعَى (المجلة الإسلامية والهند المسلمة) ، ومع أني لست ممن
يرتاحون إلى هذه المجلة نظرًا لخلطها في كثير من الأحايين الدين بالسياسة، فإنه
لا يسعني إلا الاعتراف بالخدمة الإسلامية الجليلة التي قامت بها في زمن لا يتجاوز
ثلاث سنوات والفضل كل الفضل يرجع إلى حضرة رئيس تحريرها إمام الجامع
المشار إليه وإلى أعوانه.
ولقد تلقيت العدد الأخير منها (عدد يناير سنة ١٩١٥) فوجدت فيه الخبر
المفرح الآتي:
(في يوم الأحد الماضي ٢٠ ديسمبر ١٩١٤ عقدت الجمعية الإسلامية
البريطانية اجتماعًا خطب فيه رئيسها سيف الرحمن اللورد هدلي، وقد اعتنقت
الإسلام سيدة أخرى وهي السيدة إلينور أني ساكسبي، ومنذ الأسبوع الماضي قد
أضفنا إلى قائمة الأخوة الإسلامية النامية باستمرار أسماء ثلاثة أشخاص من
الإنجليز) .
وفي (هذا) العدد نفسه كتابان عن اعتناق الدين الإسلامي أحدهما من سيدة
إنجليزية تُدْعَى آن بامغورد، والآخر من أحد أفاضل الإنجليز وهو المستر إرنست
أوتن، وكلاهما ممتلئ بعبارات تستحق التأمل والدرس وخصوصًا من سادتنا
المتفرنجين الذين ينسون تعاليم دينهم العالية بمجرد امتزاجهم بالإفرنج، ونظرًا
لضيق نطاق المنار الأغر، ولعدم سعة وقتي أكتفي بترجمة كتاب السيدة المشار
إليها.
وهذا تعريبه:
(سيدي محرر صحيفة المجلة الإسلامية والهند المسلمة.
لقد صرت في العهد الأخير بفضل مودة صديق مسلم أقرأ بانتظام أهم
المؤلفات الإسلامية، وأذكر بينها الكتب الشائقة التي وضعها السيد أمير علي
وخصوصًا نشرته عن حقوق النساء في الإسلام فإنها ذات قيمة كبيرة عندي.
ومما يستحق الذكر من المؤلفات الأخرى الممتعة التي شاقتني كثيرًا كتاب
(الهلال والصليب) تأليف خليل بك خالد، وكتاب (أسرار مصر والإسلام الخفية)
تأليف المستر ليدر، وكذلك فصل (البطل كنبي) [٢] من قلم كارليل.
فكانت صفوة ونتيجة دراستي الدقيقة هذه أني امتلأت إعجابًا بمحمد - صلى
الله عليه وسلم - باعتباره نبيًّا ومصلحًا عظيمًا، وبديانته الديمقراطية السمحة التي
يهنيني ويريحني الآن اعتناقها.
هذا وإني أعترف بأن الديانة المسيحية المهذبة ديانة جليلة، إلا أني مع ذلك
لا يمكنني بأية حال أن أتجاهل أن الإسلام لا يعلم الناس أَسْمَى مبادئ المسيحية فقط
بل هو يمتاز أيضًا بدون أدنى شك بمزايا عظيمة لا توجد في المسيحية، وذلك في
مراميه الفلسفية، ومبادئه النفسية العالية، وفي القواعد الموضوعة لنظام اجتماعي
أدق وأصح.
لقد خطر في بالي أن أبعث بهذا الكتاب إلى جنابكم عسى أن لا يخلو علمكم
وعلم قراء مجلتكم الغراء بذلك من الفائدة.
وختامًا أتشرف بالإمضاء باسمي الإسلامي
... ... ... ... ... ... ... ... ... أمينة
... ... ... ... ... ... ... ... (الآنسة أ. بامغورلا)
كم كانت تكون هذه النتيجة السارة مضاعفة يا سيدي الأستاذ لو تم مشروع
الجامع الكبير المَنْوِي بناؤه في عاصمة الإمبراطورية الإنجليزية التي تضم تحت
رايتها الملايين من المسلمين في عدة من أنحاء العالم، ولست أدري لأي سبب
ضعفت همم المسلمين في مصر والهند وغيرهما من الأقطار الإسلامية عن مواصلة
التبرع لهذا المشروع الجليل؛ حتى يمكن تحقيقه في المستقبل العاجل.
وكم تكون النتيجة مضاعفة إذا وجد بين سراتنا من يعضد " دار الدعوة
والإرشاد " التعضيد اللائق بكلية عظيمة المقصد كهذه؛ حتى يتيسر لكم إرسال
الدعاة إلى هذه البلاد، وبفضل علمهم ومعرفتهم بالإنجليزية يرجى لهم حينئذ نجاح
كبير هنا، وخصوصًا إذا تيسر لهم إنشاء مجلة بالإنجليزية تشمل صفوة ترجمة ما
يصدر في كل عدد من (المنار) الزاهر.
وكم تكون النتيجة مضاعفة إذا هزت الأريحية الدينية أحد أمراء أو أغنياء
المسلمين فوهب نحوًا من خمسمائة جنيه أو أكثر في سبيل نقل " تفسير المنار " إلى
الإنجليزية، فإنه مما يؤسف له جدًّا أن تنتشر بهذه اللغة المؤلفات العديدة ضد
الإسلام، ولا ينقل إليها كتاب جليل هو دائرة معارف إسلامية مثل تفسير المنار
وما هذا بعزيز على أمراء المسلمين الذين نراهم من أجل الحرب الحاضرة يجودون
بمئات آلاف من الجنيهات، أفلا يوجد بينهم من يجود بجزء من مائة من ذلك في
سبيل نشر نور السِلْم والإسلام؟
إن من المغالطة أن يقال: إن الإنجليز مثلاً يمنعون أمراء الهند من عمل كهذا،
فإن إنكلترا معروفة بمنحها الحرية الدينية الكاملة لجميع رعاياها، وهذا ما لا ينكره
نفس أعدائها، بل كان هذا من جملة أسباب ولاء مسلمي الهند لها، فلا يُعْقَل أن
يتدخل رجال السلطة من الإنجليز في الهند في شأن ديني محض كهذا، أو يمنعوا
أميرًا هنديًّا مسلمًا من التبرع إذا شاء لما فيه صالح دينه.
وكذلك لا يُعْقَل أن يفعلوا ذلك في مصر، أو في غيرها من الممالك الإسلامية
التي لإنكلترا علاقة بها، وعلمنا وخبرتنا الماضية تؤكد ذلك.
إني أوافق فضيلتكم على أن تعلم العربية واجب على كل مسلم، وأن من
الحكمة جعل تعليمها إجباريًّا في جميع المدارس، والكليات، والجامعات الإسلامية
في كل قطر، حتى يتيسر لكل مسلم أن يعرف دينه من منبعه الأصلي، بغض
النظر عن العلم بآداب اللغة العربية الشريفة التي هي لغة القرآن الكريم؛ ولكن إذا
تأملنا في المسألة من وجهة التبشير فإننا نجد أن من الضروري أن يُنْقَل إلى اللغات
الأجنبية خبرة المؤلفات الإسلامية، وخصوصًا تفاسير القرآن الجليلة المشهودة
بسعة العلم، والدقة فيها، فإن هذا عماد المبشر المسلم في نشر دينه بين الإفرنج،
ومن العبث أن يقول المبشر الذي يريد اجتذاب القوم إليه: تعلموا يا قوم العربية أولاً
وبعدها أُطْلِعُكُم على القرآن، وأذكر لكم أصول الدين الإسلامي.
أما نقل القرآن الشريف إلى الإنجليزية، أو غيرها من اللغات الأوربية، فإني
أعده جُرْمًا من حيث إن ذلك يؤدي إلى إخفاء ما في لغة القرآن الشائقة من إعجاز
البيان، فضلاً عن أن الترجمة تظهر بشكل مشوه غريب يجعل الأوربي - الذي لا
يعرف آداب العربية - يعجب من كوننا نعتقد أن القرآن هو كلام الله جل شأنه! !
وإن أي مسلم يطلع على ترجمة القرآن لا يسعه إلا الضحك مع الأسف على الوقت
الذي أُنْفِقَ هباء في هذه الترجمة التي لا تؤدي إلى شيء ما من مرامي القرآن
العالية الحكيمة.
إني أعتقد أن الرجل المحسن الذي يهب مبلغًا كافيًا لترجمة تفسير عصري
مثل تفسير (المنار) - ويعلم الله أني لا أقول هذا مجاملة لكم، فإني لست من يخلط
الخصوصيات بالعموميات - الذي هو خلاصة كل علم راجح من دماغي إمامين
كبيرين، إنما يؤدي خدمة إسلامية وإنسانية فوق كل تقدير، ويَعْلَم أن هذا أمر
حيوي ماس كلُّ ذي علم بالمجتمع الأوربي، وكل من عنده غيرة على نشر الدين
القويم الداعي إلى المساواة، والإصلاح، وأسمى المبادئ الإنسانية.
وإني أُعِدّ من الاعتراضات الغريبة أن يقول قائل: إن نتيجة التبشير الإسلامي
ليست بنتيجة مرضية؛ لأن كثيرين ممن يعتنقون الإسلام لا يعتنون بالصلاة، أو
الصوم مثلاً، وهما من فراض الإسلام، ويفوت المعترض أن ذلك الأجنبي الذي
اعتنق الإسلام قد يجهل العربية، وربما لا يجد من يعلمه تعاليم دينه تفصيليًّا، وقد
يكون إسلامه مبنيًّا على نتيجة مطالعته وبحثه كما هو الغالب، أو قد يكون الباعث
له على التهاون في أداء فريضة الصلاة أو الصوم هو نفس الباعث للمسلم الأصلي
على إغفال ذلك، على أن بياني هذا ليس معناه أني أبرر ذلك التهاون.
هذا وإني على كل حال أعتقد أن الإيمان بمبادئ الإسلام - وإن تهاون المؤمن
في بعض الفرائض - ليس بخسارة للإسلام [٣] ، وبعبارة أخرى إننا إذا استطعنا
إغراء الأجانب بالإقناع والدليل (وحملهم) على اعتناق الدين الإسلامي، ووجدنا
منهم إيمانًا كليًّا بمبادئه، وسيرًا على فرائضه، ورأينا منهم بعد ذلك إهمالاً في أداء
بعض الفرائض كما نرى من كثيرين من المسلمين الأصليين أنفسهم، فلسنا مع ذلك
إلا رابحين فلا ينبغي أن يحملنا هذا على الاستياء المتناهي لدرجة أن يقول قائل: إن
نتيجة كهذه للتبشير الإسلامي غير مرضية أو لا فائدة منها....!
إن رجال الإصلاح كثيرون وفضيلتكم في مقدمتهم، وقد بسطت لكم فيما تقدم
بعض آراء لا أشك في أنه يشاركني فيها جميع أعضاء الجالية الإسلامية في إنكلترا
ولكن إنفاذكم وإنفاذ غيركم من المصلحين لها يحتاج إلى " المال "، فهل نعيش نحن
المسلمين إلى الأبد نعلل أنفسنا بالنجاح والخير حينما نكتشف بابًا جديدًا لذلك، ثم
نفشل لأننا لا نجد مفتاحه، وهو غيرة وكرم أمرائنا وسراتنا؟ ؟
لقد صحت الحكمة القائلة: (إن الله لا يساعد الذين لا يساعدون أنفسهم) ولو
وضعها كل مسلم نصب عينيه، وعمل بها لكان لنا من المنعة والعز ما نحسد عليه،
ولعل كلمتي هذه تصادف آذانًا واعية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
... ... ... ... ... ... ... لندن في ١٥ يناير سنة ١٩١٥ ... ...
... ... ... ... ... ... ... ... مسلم غير متفرنج
(المنار)
نشكر للكاتب غيرته على دينه، وحسن ظنه بنا، ونوافقه على آرائه في
جملتها، ولكن مسألة الإيمان والعمل تحتاج إلى تفصيل وتمحيص، وأرى أن مسلمي
الهند أرجى لخدمة الإسلام من مسلمي مصر، وإن كان يظن بعض الناس أن
الإسلام في مصر أقوى منه في الهند علمًا وعملاً، فمسلمو الهند يعملون لنشر الدين
وخدمته، ويتعاون العلماء والأغنياء منهم على ذلك على ضعف فيه يُرجى أن
يقوى مع الزمان، ولم يوجد في مصر غني بذل مالاً لخدمة دينية محضة، ولا وُجد
عالم تصدى لخدمة دينية محضة جديدة إلا شيخنا الأستاذ الإمام في تصديه
لإصلاح التعليم في الأزهر وملحقاته إلى أن قام من قام بتأسيس الدعوة والإرشاد
وقد لقي هذا المشروع العظيم في مصر أشد المقاومة، وكانت مصلحة الأوقاف
الإسلامية قد نفحته بإعانة قليلة ٥٥٠ جنيهًا في السنة، مع الوعد بمضاعفتها؛
ولكن وزارة الأوقاف الجديدة قد قطعت هذه الإعانة في هذا العام بعد أن منعت
نصف ما كان مقررًا للعام الماضي، ويظن كثير من المسلمين أن هذا بإيعاز من
الإنجليز، وأنا لا أظن هذا، بل أنا على رأيي القديم في الإنجليز، وهو أن المسلم
يستطيع أن يخدم دينه في بلادهم ومستعمراتهم بحرية قلما يجد مثلها عند غيرهم،
وما آفة الإسلام إلا منافقو أهله وجبناؤهم، وسيفضح ما نكتبه في تاريخ مشروع
الدعوة والإرشاد كثيرًا من هؤلاء المنافقين، ومنهم الذين لا يزالون يكيدون في الخفاء
لِيَحولوا دون مساعدة القصر له، وسيرى مسلمو العالم وغيرهم في هذا التاريخ
الذي هو تاريخ الإصلاح الإسلامي في هذا العصر مقارنة غريبة بين باشوات
الآستانة وباشوات مصر.
أما اقتراحكم ترجمة تفسير المنار بالإنجليزية فيقل في المسلمين من يبذل
المال له؛ لأن أكثر الأغنياء المسلمين أغبياء أخساء، وإنما يبذل بعضهم المال في
المشروعات العامة لأجل الجاه عند الحكام والأمراء، ولا يكاد هؤلاء يلتمسون في
مثل هذا العصر جاهًا، والأفراد العقلاء النبهاء منهم كثرت عليهم طرق البذل في
هذا العصر، ولعل هذا المشروع يُنَفَّذ في الهند يومًا ما، وإني أكاد أجزم بأن هذا
الاقتراح لو عرض على مثل الأمير الجوَّاد الشهير النواب محمد علي راجا محمود
آباد ممن يثق هو بقوله في بيان مكانة التفسير لأَنْفَذَه حالاً، وكيف لا وهو يهب
المدارس بالألوف من الجنيهات، أما أنا فلا أسعى إلى هذا الاقتراح؛ لأن التفسير
لي ولو كان لغيري لسعيت.
ولا أذهب بك بعيدا فهذا مولوي محمد إنشاء الله صاحب جريدة (وطن)
الهندية قد تبرع بمائة مجلد من كل جزء من هذا التفسير لِتُوَزَّع على المساجد في
البلاد العربية، فإذا أعان الله على إتمام التفسير، وإنفاذ تبرعه كانت قيمة ما يدفعه
زهاء ما اقترحت للترجمة، والله الموفق وبيده ملكوت كل شيء.