للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الأسئلة والأجوبة

قراءة المولد بالتركية
(س ١) من الشيخ م. م في مصر: ما حكم الله في قراءة قصة مولد النبي
العربي صلى الله عليه وسلم باللغة التركية في بيت الله تعالى على قوم من العرب
وبمحضر العلماء الذين لا يعرفون إلا لغة نبيهم كما يجري ذلك كل عام في مسجد
الحسين رضي الله عنه، وإن تفضل السيد فذكر أصل ذلك في دين الله أو في السياسة
الوضعية شكره الله والناس.
(ج) يشبه أن يكون هذا من اللغو الذي لا يعني ولا يفيد؛ لأنه لا يفهم،
وقد وصف الله المؤمنين بالإعراض عن اللغو في آيات من كتابه كقوله:
{وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْه} (القصص: ٥٥) وقوله عز وجل:
{وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} (المؤمنون: ٣) وقوله جل ذكره في
وصف عباده: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} (الفرقان: ٧٢) وأخرج أحمد
وأبو داود عن عثمان بن طلحة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم دعاه بعد دخوله الكعبة فقال: إني كنت رأيت قرنيْ الكبش حين دخلت
البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرها فَخَمِّرْهَا فإنه لا ينبغي أن يكون في قبلة البيت
شيء يلهي المصلي) ونهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحِلَق (جمع
حلقة) يوم الجمعة قبل الصلاة كما في حديث أحمد وأصحاب السنن الأربعة.
وقراءة قصة المولد يتحلقون في قبلة المسجد ويرطن خطيبهم بالقصة التركية ولا
شك أن ذلك يلهي المصلي ولا فائدة فيه فهو داخل من منع الحديث من هذا الوجه
أيضًا.
وقد نهى الفقهاء عن رفع الصوت في المسجد بالقرآن الشريف والعلم النافع
إذا كان يشغل المصلي. فما بالك بمن يرطن بالتركية على قوم لا يفهمون منها شيئًا؟ أما أصل ذلك في السياسة فهو أن أمراء السوء لما صعب عليهم إقامة الدين
على وجهه جعلوا هذه المواسم المبتدعة من شعائر الإسلام ليوهموا عامة المسلمين
بأنهم قائمون بإقامة الدين وإحياء شعائره وأن رياستهم الدينية هي بحق. ولما حكم
الترك هذه البلاد جعل بعضهم قراءة قصة المولد بالتركية؛ لأن الأمير هو المقصود
بالاحتفال وقراءة القصة لا الأمة، وإنما على هذه أن تعتقد تدينه وإحياءه للشعائر
الإسلامية. وأعجب من هذا أن نحو اللغة العربية وصرفها يعلمان في مدارس
الدولة العثمانية (وفقها الله وأيدها) باللغة التركية لأبناء العرب في سوريا وغيرها
وكذلك علم الدين. وقد عين أحد الأرمن معلمًا للدين في بعض مدارس سوريا
الأميرية كأنهم لم يجدوا مسلمًا يحسن تعليم الديانة الإسلامية بالتركية. فالأصل في
هذه السياسة إحياء لغة الأمة الحاكمة وإماتة ما عداها وانتهى الخلل إلى هذا الحد،
ومن هذا القبيل أن سلطاننا المعظم (وفقه الله) كان أرسل بعض الوعاظ الأتراك
ليعلموا العرب في معان والكرك دينهم وليس في المعلمين من يعرف العربية ولا
من المراد تعلمهم من يعرف كلمة تركية؛ لأنهم من صميم العرب الذين لا يزالون
على بداوتهم.
***
مس المحدِث القرآن
(س ٢) ومنه أن كثيرًا من المسلمين شعروا بحاجتهم إلى حفظ القرآن
الكريم وتدبره فلما هموا بذلك صدهم تحريم الفقهاء مس الصحف لغير المتوضئ وما
رضوا حِيلهم في ذلك من تقليب أوراقه بنحو عود أو مسه بنحو خرقة أو حمله مع
متاع إلخ؛ لأنهم يعتبرونها ألاعيب، فهم الآن في حيرة، والرجاء كشف الغمة
في هذه المسألة. ولكم من الله المثوبة، ومن المؤمنين الدعاء والشكر. اهـ
(ج) مسألة مس المحدث المصحف خلافية بين المسلمين، وكذلك قراءة
الجنب القرآن، وينبغي للإنسان أن يحكّم الاحتياط في المسائل الخلافية المتعارضة
الدلائل. والاحتياط ممن يريد قراءة القرآن بالمصحف للتدبر والتعبد أن يختار قول
من قال بوجوب الطهارة من الحدث الأكبر للقراءة ومن الحدثين لمس المصحف.
وليس من الاحتياط أن يترك المسلم حفظ القرآن؛ لأنه يتعسر أو يتعذر عليه الحفظ
ما لم يحمل القرآن ويمسه على غير وضوء فحفظه حينئذ هو الأحوط والأفضل.
ونشير إلى الخلاف في المسألة وأدلته بالإيجاز فنقول:
أما قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ
المُطَهَّرُونَ} (الواقعة: ٧٧-٧٩) فقد فسروا الكتاب المكنون باللوح المحفوظ
والمطهرين بالملائكة. ومنهم من قال: المطهرين من الأحداث وجعل الكتاب
المكنون صفة للقرآن. قال البيضاوي في تفسير الآية: (لا يطلع على اللوح إلا
المطهرون من الكدورات الجسمانية وهم الملائكة. أو لا يمس القرآن إلا
المطهرون من الأحداث فيكون نفيًا بمعنى نهي، أو لا يطلبه إلا المطهرون من
الكفر) . اهـ وتفسير المطهرين بالملائكة مروي عن ابن عباس وقتادة. وأما
حديث: (لا يمس القرآن إلا طاهر) فهو ضعيف لا يحتج به وكذلك حديث (لا
يمس القرآن إلا طاهرة) فهو ضعيف لا يحتج به وكذلك حديث (لا يمس
المصحف إلا على طهارة) كما جزم بذلك فيهما النووي وابن كثير. على أن
بعضهم قال: إن المراد بالطاهر المؤمن أو الطاهر من النجاسة والمروي عن ابن
عباس والشعبي والضحاك وداود جواز مس المصحف للمحدث حدثًا أصغر.
والخلاف كبير في الحدث الأكبر حتى قيل: إنه لم يخالف فيه من الأئمة إلا داود
الظاهري ولكن لا يعرف للجماهير دليل.
وبقيت القراءة ولا نزاع في جوازها مع الحدث الأصغر، وقد ضَعَّفُوا ما ورد
في الحديث في منع القراءة مع الجنابة ولكن الجماهير على التحريم. وأخرج
البخاري عن ابن عباس أنه لم ير في القراءة للجنب بأسًا.
قال في نيل الأوطار: ويؤيد التمسك بعموم حديث عائشة أن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه وبالبراءة الأصلية حتى يصح ما
يصلح لتخصيص هذا العموم وللنقل عن هذه البراءة. ومع هذا لا أحب لحفظة القرآن
القراءة مع الجنابة، ولكن لا بأس بحملهم المصحف مع الحدث الأصغر والقراءة كذلك
وأنصح لهم أن يتحروا الطهارة والوضوء ما أمكن ذلك والله الموفق.
***
الظلم بالأكل من الشجرة
(س٤) الشيخ محمد محمد عباد الحنفي بالأزهر. أرجو حضرتكم أن
توضحوا معنى قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} (البقرة: ٣٥) وأن تبينوا معنى ظلمه مع ملاحظة قوله: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ
الظَّالِمُون} (البقرة: ٢٥٤) وأن تبينوا معنى قوله تعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ
فَغَوَى} (طه: ١٢١) مع ملاحظة عصمة الأنبياء.
(ج) ترون معنى الآية الأولى في نبذة التفسير من هذا الجزء وتقدم الكلام
في معصية آدم وعصمة الأنبياء في الدرس ٣٤ من العقائد في (ج ٣: ٥) .
والظلم أعم من الكفر فكل كفر ظلم وليس كل ظلم كفرًا فمن قَصَّر في فضيلة
أو عمل نافع فقد ظلم نفسه بمقدار ما فاته من ثمرة الفضيلة وفائدة العمل فقوله
تعالي: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (البقرة: ٢٥٤) لا ينافي هذا؛ لأن كون
الظلم وصفًا راسخًا فيهم بأفظع أنواعه وهو الاعتماد في النجاة يوم القيامة علي
الشفاعة ونحوها لا يمنع أن يلمّ غير الكافرين بنوع آخر من أنواعه الخفيفة. وقد
فسر بعضهم الظلم في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ
ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا
وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران: ١٣٥) بالصغيرة وأنت ترى أن هذا ذنب تنتظره
المغفرة والشرك ظلم عظيم و {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} (النساء: ٤٨) .
***
إمهار الذمية قرءانًا
(س ٥) عبد الفتاح أفندي البدن بالإسكندرية: إذا أراد المسلم أن يتزوج
ذمية واتفقا على أن يجعل صداقها من القرآن الكريم فهل يصح ذلك؟
(ج) يصح جعل المنفعة مهرًا وتعليم القرآن أعظم المنافع؛ لأنه نور وهدى
للناس، وقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه
أن النبي صلى الله وعليه وسلم زَوَّجَ رجلاً فقيرًا امرأة فوّضت أمرها إليه بما معه
من القرآن ولفظ العقد زوجتكها بما معك من القرآن) وكان سأل عنه فعين له السور
التي يحفظها، وفي روايات وأحاديث أخرى ذكر التعليم وتعيين السور وفي بعضها
ذكر عشرين آية، والراجح أن ذلك في وقائع متعددة فثبت بالسنة أن تعليم القرآن
يصح أن يكون مهرًا وعليه الجماهير إلا الحنفية. ولم أرَ من استثنى الذمية في
المقام ولا من ذكرها فيه وأنت تعلم أن القرآن أفضل ما يُدعى به إلى الدين وأكبر
المنافع ولا شك أن رضاء هذه الذمية بتعلم شيء من القرآن هو لاعتقادها أن فيه
منفعة لها. ولكن الذي منعوه هو تمليك القرآن لغير المؤمنين حذرًا من إهانته.
ومن أراد الاحتياط وموافقة الجميع فليضف إلى التعليم قليلاً من المال. هذا ما ظهر
لنا من الجواب والله أعلم بالصواب.