للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الاحتفال بذكرى الأستاذ الإمام

مقدمة
لقد كان مما أصاب شيخنا الأستاذ الإمام - من وراثة العلماء للأنبياء عليهم
الصلاة والسلام - أن حياته كانت خيرًا للناس؛ بما كان ينفعهم فيها بعلمه وعمله،
وسيرته وهدْيه؛ إذ كانت كل أوقاته مصروفة لمنفعة الأمة في جملتها، أو للعفاة
وطلاب الحاجات من أفرادها، وقلما كان يعمل لخاصة نفسه أو لبيته شيئًا، فلما
مات كان في مماته خير للناس بما شعروا به من الحاجة إلى الإصلاح الذي كان
يقوم به، وإلى الإمام الذي يهدي السبيل، والأستاذ الذي ينير الدليل، والطبيب
الذي يشفي العليل، والزعيم الذي يسير بالأمة من حنادس الشبهات، ودياجير
المشكلات إلى نور الحق المبين، فيما ينبغي أن تكون عليه في أمري الدنيا والدين،
فمازال أهل البصيرة منها والرأي يذكرونه كلما حزبهم أمر، وفي الليلة الظلماء
يُفتقد البدر، حتى إذا ما تطورت الأطوار، وانسلخ من الليل النهار، واضطربت
في المصلحة العامة الأفكار - توجهت العقول البحَّاثة، والقلوب الحساسة إلى
الاحتفال بإحياء ذِكْره، وتجديد البحث في تعليمه وهدْيه، اشترك في ذلك الشيخ
الضعيف القُوَى، والكهل الحصيف الذي بلغ أشُدَّه واستوى، والأستاذ المعلم،
والتلميذ المتعلم، حتى كان السابق إلى اقتراح ذلك في الصحف اليومية - طالب من
طلبة المدارس الثانوية، لم يدرك عهد الإمام، ولكنه أدرك قيمة ما ترك للأمة من
الصُّوَى والأعلام.
تشاور بعض تلاميذ الإمام ومريديه في الاحتفال بإحياء ذكره، وعرض
خلاصة من سيرته على الأمة، مع شيءٍ من نتائج فكره، فألفوا لذلك لجنة من
إخوانهم، واختاروا أن يرأس لجنتهم أحد أكابر علماء الأزهر الأعلام، الواقفين
على نشأة الأستاذ الإمام، وعرضوا ذلك على فضيلة الأستاذ الشيخ محمد بخيت،
الذي كان زميله في طلب العلم، وخلفه في إفتاء ديار مصر، ورجحوه بمجموعة
من المزايا، لا توجد في غيره، فحبَّذ رأيهم، وقبِل اقتراحهم، ثم اختاروا بعد
التشاور أن يكون الاحتفال في دار الجامعة المصرية، واجتمعوا فيها المرة بعد
المرة، فوضعوا النظام له، وجمعوا من أنفسهم ما قدروه له من النفقة، وقرروا أن
يفتتح الجلسة الرئيس بخطبة مناسبة للمقام، ويتلوه الأستاذ أحمد لطفي بك السيد
بكلمة يقولها باسم الجامعة المصرية، وأن يقفِّي عليه الأستاذ الشيخ مصطفى عبد
الرازق بإلقاء ترجمة للإمام مفصَّلة، وأن يُلقي بعد الدكتور منصور فهمي كلمة يعبر
بها عن رأي النابتة العصرية في الإمام، وما له في قلوب أحرار الفكر من المقام،
وأن ينشد بعده محمد حافظ بك إبراهيم قصيدته، ثم يختم الحفلة صاحب المنار، بما
عساه يتسع له الوقت من الكلام.
ثم إنهم بعد ذلك نشروا في الجرائد ما يأتي:
(إحياء ذكرى الأستاذ الإمام)
فكر جماعة من تلاميذ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في الاحتفال بإحياء
ذكراه، وتألفت لجنة منهم برئاسة زميله حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ
محمد بخيت، وقررت أن تكون الحفلة بدار الجامعة المصرية، الساعة الخامسة من
مساء يوم الثلاثاء ١٦ ذي القعدة سنة ١٣٤٠ الموافق ١١ يوليو سنة ١٩٢٢ (وهو
يوم وفاته بالحساب الشمسي) .
ووضعت اللجنة نظام الحفلة، وعينت خطباءها مراعية ما يتسع له الوقت،
وما يناسب الغرض من الاحتفال بإمام مصلح.
وستطبع اللجنة ما يُلْقَى في الحفلة في كراسة خاصة، مع ما يرد إليها من
الخطب والقصائد المختارة.
وهذه أسماء حضرات أعضاء اللجنة:
(١) الشيخ محمد بخيت - رئيس.
(٢) الشيخ عبد الحميد البكري.
(٣) السيد محمد رشيد رضا.
(٤) الشيخ محمد مصطفى المراغي.
(٥) الشيخ محمد هلالي الإبياري
(٦) الشيخ عبد المجيد سليم.
(٧) الشيخ مصطفى عبد الرازق.
(٨) الشيخ علي سرور الزنكلوني.
(٩) أحمد زكي باشا.
(١٠) حسن عبد الرازق باشا.
(١١) السيد عبد الرحيم باشا الدمرداش.
(١٢) أحمد بك لطفي السيد.
(١٣) حنا بك باخوم.
(١٤) الدكتور طه حسين.
(١٥) الدكتور منصور فهمي - السكرتير.
ولما جاء اليوم الموعود كانت اللجنة قد أتمَّت الاستعداد للاحتفال في رحبة دار
الجامعة المصرية بعد إذن مجلس إدارة الجامعة لها بذلك، ففرشت أرضها بالرمل
الأصفر، ونصبت في صدر المكان منبر الخطابة، وفرشت أرضه بالطنافس
العجمية النفيسة، ووضعت عليها الأرائك والمقاعد الوثيرة، وصفّت من ورائه
كراسي الخيزران، بعدد ما وزعت من رقاع الدعوة على العلماء وخواص الأمة من
جميع الطبقات.
وما جاءت الساعة المعينة للبدء في الاحتفال إلا وكانت المقاعد كلها قد شُغلت
بالمدعوين، وفي مقدمتهم حضرة صاحب المعالي محمد شكري باشا وزير الزراعة
جاء من الإسكندرية؛ لأجل حضور الحفلة بالأصالة عن نفسه، وبالنيابة عن هيئة
الوزارة.
وزاد أناس تجددوا، فأذن لهم، فاضطر كثير منهم إلى الوقوف وراء
الصفوف، فكان المجموع زهاء ألف وثلاثمائة نسمة، وقد بدئ الاحتفال بقراءة
بعض الحَفَظَة آياتٍ من القرآن الحكيم، وبعد فراغه ابتدر المنبر الأستاذ الشيخ
محمد بخيت رئيس لجنة الاحتفال، وتلا خطبته الافتتاحية، وتلاه سائر الخطباء
على الترتيب المتقدم.
***
(الخطبة الافتتاحية لفضيلة رئيس لجنة الاحتفال)
أيها السادة النجباء الأذكياء
إني أشكر لكم على تلبيتكم الدعوة، وتشريفكم هذه الحفلة، وإني أعتقد أن كلنا
سواء في إجابة هذه الدعوة؛ لأنها على الحقيقة دعوة صادرة من تلك الروح
الطاهرة روح الإمام الذي نحتفل اليوم بذكراه، فإنها هي التي دعتنا جميعًا،
وجذبت قلوبنا إلى حضور هذه الحفلة المباركة، فهي الآن ترفرف فوق رؤوسكم؛
لتتولى شكركم بنفسها على احتفالكم بذكراها، وتُثنِي عليكم ثناءً جميلاً؛ حيث
ذكرتموها بلسان صدق في الآخرين.
هذه الروح هي روح الإمام الخطير، والأستاذ الكبير، والمحقق الشهير،
والفيلسوف القدير، المغفور له (الشيخ محمد عبده) ، ولقد صاحبناه - طيَّب الله
ثراه، وجعل الجنة منقلبه ومثواه - وزاملناه زمن تلقِّي الدروس بالأزهر من الصغر
إلى أن تخرجنا منه، ولازمنا معًا كبار شيوخ الأزهر في تلقي العلوم الشرعية من
فقه وغيره، وتلقي العلوم العربية من نحو وبلاغة وغيرهما، ومن العلوم العقلية
المنطق والفلسفة، ومن العلوم الطبيعية وغير ذلك كالهيئة بقسميها، وممن لازمناهم
معًا في العلوم العقلية المغفور له السيد جمال الدين الأفغاني، والمغفور له الشيخ
حسن الطويل.
وبعد أن تخرجنا من الأزهر لازم الأستاذ المشار إليه السيد جمال الدين -
رحمه الله -.
فكان الأستاذ فيلسوفًا في العلوم الشرعية، عارفًا بروح الشرع، وحكمة
التشريع أصولاً وفروعًا، فيلسوفًا في العلوم العقلية، عارفًا بحقائق الموجودات
علويّها وسفليّها على حسب الطاقة البشرية، فكان إذا غاصت روحه في بحار
التحقيق استخرجت درر المعاني ولآلئها؛ فنظمتها في سلوك المباني الذهبية،
وجعلتها قلائد تتحلى بها أعناق ذوي الفضل والهمم العالية، وإذا صعدت إلى سماء
التدقيق تخيرت من دراري الحقائق أعلاها وأغلاها، ونثرتها شموسًا تشرق في أفق
قلوب ذوي العناية بالعلوم، فيشاهدون بعين البصائر من الحقائق العلوية فوق ما
يشاهدونه بالأبصار، والشمس في رابعة النهار.
كان فيلسوفًا في العلوم العربية، كملت فيه مَلَكَة الفصاحة، حتى إذا تكلم
أدهش الفصحاء، كما كملت فيه ملكة البلاغة، فإذا خطب حيَّر البلغاء، فكانت
عباراته شفاءً لأُولِي الألباب، وإشاراته نجاةً للطلاب، فهو معيار العلوم، ومشكاة
المنطوق منها والمفهوم؛ ولذلك لما انتقل في مثل هذا اليوم من دار الفناء إلى دار
البقاء، وترك في هذه الدار فراغًا كان يشغله وحده، ولم يستطع أحد أن يشغله بعده،
ذابت أسفًا عليه أكبادُ عارفي فضله، فسالت من العين سيل العين دمعًا بغير
عين، فكان حقيقًا بأن نقول فيه:
إننا لا نبكي على كل ميت ... غير أَنَّا نبكي الذي هو أمة
إن يعشْ كان للبلاد حياةً ... أو يَمُتْ كان موتُهُ موتَ أمة
جعله الله من الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين،
وحسن أولئك رفيقًا، آمين.
... ... ... ... ... ... ... مفتي الديار المصرية سابقًا
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد بخيت
***
(كلمة الترحيب باسم الجامعة المصرية)
لحضرة الأستاذ أحمد لطفي بك السيد أحد أعضاء مجلس إدارتها
أيها السادة
اسمحوا لي أن أقدم لكم باسم الجامعة المصرية تحياتها وترحيبها بكم، بالغرض
الشريف الذي يجمعكم اليوم للاحتفال بذكرى الإمام الشيخ محمد عبده.
لم يكن غرض اجتماعنا تأبين المرحوم الإمام من جديد، بل غرض الاجتماع
في هذا اليوم الموافق يوم وفاته - رضي الله عنه - أن نستمع لخطيب الحفلة الشيخ
مصطفى عبد الرازق الذي سيدرسه درسًا تفصيليًّا على قدر الإمكان في هذا المقام،
وما ظننا أن هناك شروطًا يجب اجتماعها، ومناسبات ينبغي تحيُّنها لدرس رجل
من أئمة العلم والإصلاح، أكثر الحاضرين هنا إما تلميذ له أو تلميذ لتلاميذه، بل
ذلك واجب علينا، وإن أقل قدر من المناسبة يجعل القيام بهذا الواجب سائغًا إن كان
الواجب هو أيضًا يحتاج القيام به إلى المناسبات.
أيها السادة
إن لنا نحن المصريين - من جهة كَوْننا أمة متمدنة - حقًّا نقتضيه من
الإنسانية جمعاء، وهو مساواتنا بكل أمة متمدنة في الحقوق الدولية، وإن علينا
مقابل هذا الحق واجبًا يلزمنا أداؤه، وهو احتمال نصيب من المسئولية عن الارتقاء
العام للإنسانية في مدارج الكمال من جميع جهاته، فكل عصر يجب أن يؤدي
حسابًا عما عمل لخير الإنسانية، وكل أمة يجب عليها أن تحمل نصيبها من
المسئولية عن هذا العمل بقدر استعدادها، ومن الخطأ أن يظن بأن نصيبنا من هذه
المسئولية ضئيل القدر خفيف الحمل، بل الأمر على ضد ذلك، نصيبنا من
المسئولية يجب عدلاً أن يربو على نصيب كثير من الأمم، ربما عدّ غيرنا هذا
القول غلوًّا في تقدير قيمة أمتنا ومنافيًا للتواضع المحمود، ولكن هل أستطيع الحيد
عن صيغة نتيجة منطقية يسلم كل العلماء بمقدماتها؟ الإجماع واقع على أن
نظرية الانتقال الوراثي صحيحة، والإجماع واقع على أننا سلالة معلمي الإنسانية
والهادين إلى طرائق كمالها من جهة العلوم والآداب، ومن جهة أنظمة الحكم
ومختلف الصناعات ... إلخ؛ فيجب أن يقع الإجماع أيضًا على أننا من أشد الأمم
استعدادًا لاحتمال المسئولية عن الارتقاء الإنساني العام، ولا ينقصنا في ذلك إلا
زوال الموانع الخارجية التي حالت منذ بضعة قرون بيننا وبين الظهور باحتمال هذه
المسئولية، والمشاطرة في المجد العلمي العام.
على هذا الاعتبار يجب علينا أن نتخذ نهضتنا العلمية الحاضرة بشير الرجوع
إلى مضمار المسابقة العلمية العامة، وأن نوطد أنفسنا على العمل بجد للاستعداد إلى
هذه المسابقة.
ومن صنوف العُدَّة أن نتبيَّن حقيقة مركزنا العلمي، وليس مركزنا العلمي شيئًا
آخر إلا تقدير ما أنتجت بلادنا من النوابغ الذين هم أركان نهضتنا الحاضرة، أولئك
هم مصابيح الماضي تنبعث منها أنوار الهداية الساطعة، فتكشف للحال طريقه إلى
الأمام في ظلمات الاستقبال.
وأكبر هؤلاء النبغاء هو أستاذنا الإمام الشيخ محمد عبده، الذي سيتفضَّل
خطيب الحفلة فيفصل الكلام عليه تفصيلاً.
وإني في الختام يسرني أن أعلن إليكم أن حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس
الوزراء، وحضرات أصحاب المعالي زملاءه أرادوا أن يشاطروكم الاحتفال بذكرى
المرحوم الإمام، فأنابوا عنهم أحدهم حضرة صاحب المعالي محمد شكري باشا
وزير الزراعة، وهي مِنَّة تُذكر للحكومة بالثناء على جميل صُنعها.
وأعلن أيضًا أن حضرة صاحب الفضيلة والإرشاد السيد عبد الرحيم باشا
الدمرداش قد تبرع للجامعة بما يؤتيها غلة سنوية قدرها ٢٠٠ جنيه مصري لإنشاء
كرسي لعلم الأخلاق؛ تخليدًا لذكرى المرحوم الإمام، جزاه الله عن العلم خير
الجزاء.
((يتبع بمقال تالٍ))