للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: عبد العزيز محمد


أميل القرن التاسع عشر

الباب الثاني (الولد) من كتاب
(١٨) من أراسم إلى هيلانة في ١١ يونيه سنة - ١٨٥
قد يسأل سائل: هل التفكر مما يتعلمه الطفل؟ فأجيبه: إني أعتقد ذلك غير
أنه ينبغي التمييز التام بين ما يتلقاه عن غيره من الأفكار وبين ما يستنتجه هو منها
بنظره إلى الأشياء. ونحن في تخاطبنا معه لا نفعل شيئًا سوى تأدية أفكارنا إليه
على وجه التمام أو النقص مع أن الذي كان يجب علينا أن نصرف همتنا إليه هو
إيقاظ ذهنه واستنباط أفكاره وآرائه. إنك تجدين أذهان من يعاشرون الكبار من
الأطفال محشوة بجمل من الكلام لا يفهمون منها في معظم الأحيان إلا معاني في
غاية التشابه والالتباس , وليس شحن أذهانهم بهذه الجمل مما ينمي فيهم قوى
الإدراك والفهم بحال من الأحوال , ولكنه إبهاظ لها بما ليس من حقه أن يكون فيها
وكم لاقيت في سالف أيامي أطفالاً يشتهرهم الناس بكونهم آيات في الذكاء والفطنة
فرأيت أن كل ما يدعى لهم من العقل ينحصر في انطلاق ألسنتهم بما لا معنى له من
القول , وكنت عند نظري إليهم وهم في تنوقهم وإعدادهم أنفسهم لنوال الشهادات
المدرسية يعروني من انقباض النفس وضيق الصدور ما يعروك لرؤيتك المتصنعين
المدعين بما ليس فيهم , وهو وجدان كان يتولى عليَّ فلا أجد سبيلاً إلى دفعه وكنت
أقول في نفسي: إن المشتغلين بتربيتهم يسلبونهم اليسير الذي آتاهم الله سبحانه من
المواهب الخلقية بتعليمهم إياهم أفانين القول وأساليب الكلام ليسموهم بسمات العقل
الذي لمَّا يبلغوا رتبته. أما والله لو كان لي الخيار لاخترت (لأميل) أن يصدر
عنه فكر ساذج وأن واحدًا فقط يكون منبعثًا عن محض اختياره وكسبه , ولفضلت
هذا على كل ذلك الزخرف القولي والثرثرة التي لا نسبة بينها وبين العقل.
إذا نظرتِ إلى الكون رأيته مملوءًا بأناس يتكلمون بما يوجد في الكتب فإن كل
من يسمعهم يذكر أنه طالع فيها جميع ما يقولونه , والخطأ في هذا الأمر راجع إلى
تربيتهم لأنهم قد تعلموا من نشأتهم أن يرددوا آراء غيرهم.
الأم بالنسبة لولدها هي المجتمع الإنساني بل المثال الحي لآثار السلف ولا
يشك أحد في أنها مكلفة بأن تعلمه كثيرًا , ولكن يجب عليها في تعليمها هذا التلميذ
الصغير أن تكون على غاية الحذر من أن تلقي في نفسه الخضوع للألفاظ
والاستعباد لها. ذلك أن هذا الأمر ليس من شأنه أن يفتح مغلق عقله بل إن فيه
إغاضة لينبوع المعارف الحقة , ولا بدع في ذلك ألا ترين أن الناس قد سموا أعمالاً
كثيرة قدستها العادة فروضًا مع رفض العقل إياها وعدم تسليمها , وأن الحق قد دمغ
جميع الأباطيل على التعاقب , وأن القوة في كل زمن تسلب الحق ما له من
موجبات الشرف والاعتبار. فمن لم يبلغ به علمه إلى الاحتراس من غرور القول
وباطله والسير في ظلمات اللغة الإنسانية على هدى , فذلك الذي يعيش دهره مفتونًا
بزخرفها أسيرًا في ربقتها.
فالذي يجب علينا للطفل هو تعريفه بحالة الكون المحيط به (تعريفًا يكون بلا
شك في غاية القصور على الظواهر والاقتصار على ما لا بد له من معرفته) فإن
الكون كله معان. أريد بذلك أن كل شيء مؤثر من شأنه أن يفعل في عقل الإنسان
ويولد منه فكرًا , ومن ظن أن الأطفال بعد انقضاء سنتين أو ثلاث من عمرهم لا
يكونون مفكرين فقد ظلمهم وحط من قدرهم , نعم إن أفكارهم ليست كأفكارنا في
جميع الأحوال وذلك مما يدعونا أيضًا إلى اعتبارها وعدم إغفالها , وقلما يوجد طفل
لا يهتدي بنفسه إلى ما يعلّمه القائمون عليه إياه إذا هم تكلفوا إقامته على طريقه فعليهم
أن يستعينوا بالتجربة والتمرين على إزالة بعض ما تقع فيه مشاعره من الأغلاط وأن
يحثوه بالإشارة والكلام على النظر والملاحظة , فإذا فعلوا ذلك؛ سهل عليه بما يجريه
من الأقيسة ربط الحوادث بعضها ببعض وإرجاع بعضها إلى بعض كإرجاع استطالة
ظل الرمح مثلاً إلى انحدار الشمس عن أوجها , وأصبح القياس بهذه الطريقة ملكة
راسخة في نفسه على ما يفيده إياه من العلوم الأولية فإن في إسناد الحوادث بعضها إلى
بعض تعلمًا للحكم عليها. اهـ.
(١٩) من أراسم إلى هيلانه في ١٠ يوليه سنة - ١٨٥.
قد هم المسجونون بالهرب من سجن ... وشرعوا في ذلك فعلاً فانكشف أمرهم
وستقرئين في الصحف تفصيل هذه الواقعة. كانت الأحوال كلها مساعدة لنا على
هذا الهرب , وناهيك بليل غاب بدره , وريح اشتدت عواصفه , ومطر انهمرت
سيوله على جدران السجن , ولكننا أخفقنا بعد أن قطعنا أصعب العقبات وأشدها ,
وأوشكنا أن نفوز بالنجاة.
فليت شعري ماذا عسى أن تكون عواقب هذه الحادثة. أرى بحسب ما يبدو
لي أن سيكون من نتائجها زيادة التشديد في مراقبة المساجين , وأن المراسلات مع
ما كانت محتفة به من العوائق ستكون على خطر مدة طويلة , ولست أدري إن كان
هذا المكتوب يصلك أم تحول دونه الحوائل , وإني أرجو أيتها العزيزة هيلانة أن لا
يُوجِدك عليَّ هذا الأمرُ , فإني لم أستطع أن أصم أذني عن نداء الفطرة التي
تدعوني إليك وإلى ولدنا اهـ.
((يتبع بمقال تالٍ))