للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


(الدرس ٣٦)

محمد رسول الله وخاتم النبيين
الكلام في نبوة خاتم المرسلين لا يتجلى للعقول كمال التجلي إلا بعد بيان
مسألتين تجعلان مقدمة له: إحداهما بيان حاجة البشر إلى رسالته العامة، والثانية بيان
استعداد الناس لها.
***
(المسألة ١٠١) حاجة البشر إلى هداية عامة:
الحاجة إلى بعثة النبي عليه الصلاة والسلام في الجملة تعرف من البحث في
حاجة البشر إلى إرسال الرسل كما تقدم في الدرسين ١٨، ١٩ (راجع المنار٩
و١٤٠) ولا يوجد في أعداء الإسلام المؤمنين بالوحي والنبوة عاقل ينكر أن العرب
كانوا في أشد الحاجة إلى بعثة رسول منهم ينتشلهم من تلك الوثنية، ويخرجهم من
هاتيك الجهالة والهمجية، وأن تأثير هداية محمد فيهم كان مثل تأثير هداية موسى في
بني إسرائيل أو أعظم وأظهر، ولكن الذين ينكرون حاجة الناس كافة إلى هذه
الهداية الإلهية على لسان محمد عليه السلام كثيرون، وإنما حال بينهم وبين معرفة
هذا الحق المبين التقليد الأعمى، فالتقاليد أعدى أعداء الحق في الدين والعلم وفي كل
شيء؛ لأن المقلد ليس له عينان فينظر في الدليل والبرهان، بل ينكر الحسن
والعيان، ويكابر الوجود والوجدان، وإنما نكتب ما نكتب ليزداد الذين آمنوا إيمانًا
وليعتبر أصحاب المطلقة العقول المطلقة والأفكار الحرة من غير المؤمنين.
بيان حاجة جميع الأمم إلى الإصلاح المحمدي يتوقف على معرفة تاريخ الأمم
قبل الإسلام لا سيما تاريخ أهل الكتاب الذين يدعون أن في كتبهم ما يغني عن هداية
الإسلام وإصلاحه، ولا يمكن سرد تاريخ الأمم تفصيلاً في التمهيد من مسائل العقائد
ولكن في الإجمال مع الإحالة على كتب التاريخ غناء، وقد كتب أستاذنا الإمام نبذة
في ذلك وافية بالمرام في (رسالة التوحيد) التي هي حجة الإسلام في هذا الزمان
وما بعده إلى ما شاء الله، وإننا نقتبسها هنا فانظر هذه البلاغة في الإيجاز التي تكاد
تبلغ به حد الإعجاز، قال حفظه الله:
(ليس من غرضنا في هذه الورقات أن نلم بتاريخ الأمم عامة وتاريخ العرب
خاصة في زمن البعثة المحمدية لنبين كيف كانت حاجة سكان الأرض خاصة في
زمن البعثة المحمدية لنبين كيف كانت حاجة سكان الأرض ماسة إلى قارعة تهز
عروش الملوك وتزلزل قواعد سلطانهم الغاشم وتخفض من أبصارهم المعقودة بعنان
السماء إلى من دونهم من رعاياهم الضعفاء، وإلى نار تنقض من سماء الحق
على أُدُم النفس البشرية لتأكل ما اعشوشبت به الأباطيل القاتلة للعقول، وصيحة
فصحى تُزعج الغافلين وتُرجع بالباب الذاهلين، وتنبه المرءوسين إلى أنهم ليسوا
بأبعد عن البشرية من الرؤساء الظالمين، والهداة الضالين، والقادة الغارّين ,
وبالجملة تئوب بهم إلى رشد يقيم الإنسان على الطريق التي سنها الله له [١]
{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} (الإِنسان: ٣) ليبلغ بسلوكه كماله، ويصل على نهجها
إلى ما أُعِدَّ في الدارين له، ولكنَّا نستعير من التاريخ كلمة يفهمها من نظر فيما اتفق
عليه مؤرخو ذلك العهد نظر إمعان وإنصاف.
وكانت دولتا العالم [٢] دولة الفرس في الشرق ودولة الرومان في الغرب في
تنازع وتجالد مستمر، دماء بين العالمين مسفوكة، وقوى منهوكة، وأموال هالكة،
وظلم من الإحن حالكة، ومع ذلك فقد كان الزهو والترف والإسراف والفخفخة
والتفنن في الملاذ بالغة حد ما لا يوصف في قصور السلاطين والأمراء والقواد
ورؤساء الأديان من كل أمة وكان شر هذه الطبقة من الأمم لا يقف عند حد فزادوا
في الضرائب وبالغوا في فرض الإتاوات حتى أثقلوا ظهور الرعية بمطالبهم وأتوا
على ما في أيديها من ثمرات أعمالها، وانحصر سلطان القوي في اختطاف ما بيد
الضعيف، وفكر العاقل في الاحتيال لسلب الغافل، وتبع ذلك أن استولى على
تلك الشعوب ضروبٌ من الفقر والذل والاستكانة وخوف والاضطرابات لفقد الأمن
على الأرواح والأموال.
غمرت مشيئة الرؤساء إرادة من دونهم فعاد هؤلاء كأشباح اللاعب يديرها من
وراء حجاب، ويظنها الناظر إليها من ذوي الألباب، ففقد بذلك الاستقلال الشخصي
وظن أفراد الرعايا لم يخلقوا إلا لخدمة ساداتهم وتوفير لذاتهم كما هو الشأن في
العجماوات مع من يقتنيها. ضلت السادات في عقائدها وأهوائها وغلبتها على الحق
والعدل شهواتها، ولكن بقي لها من قوة الفكر أردأ بقاياها فلم يفارقها الحذر من أن
بصيص النور الإلهي الذي يخالط الفطر الإنسانية قد يفتق الغُلف التي أحاطت
بالقلوب، ويخرق الحجب التي أسدلت على العقول، فتهتدي العامة إلى السبيل،
ويثور الجم الغفير على العدد القليل، ولذلك لم يغفل الملوك والرؤساء أن ينشئوا
سُحُبًا من الأوهام، ويُهيّئوا كسفًا من الأباطيل والخرافات ليقذفوا بها في عقول
العامة فيغلظ الحجاب ويعظم الرين ويختنق بذلك نور الفطرة ويتم لهم ما يريدون من
المغلوبين لهم , وصرح الدين بلسان رؤسائه أنه عدو العقل وعدو كل ما يثمره
النظر إلا ما كان تفسيرًا لكتاب مقدس.
وكان لهم في المشارب الوثنية ينابيع لا تنضب، ومدد لا ينفد، هذه كانت
حالة الأقوام في معارفهم، وذلك كان شأنهم في معايشهم: عبيد أزلاء حيارى في
جهالة عمياء، اللهم إلا بعض شوارد من بقايا الحكمة الماضية، والشرائع السابقة
أوت إلى بعض الأذهان ومعها مقت الحاضر، ونقص العلم بالغابر، ثارت الشبهات
على أصول العقائد وفروعها بما انقلب من الوضع، وانعكس من الطبع فكان يرى
الدنس في مظنة الطهارة، والشره حيث تنتظر القناعة، والدعارة حيث ترجى
السلامة والسلام، مع قصور النظر عن معرفة السبب وانصرافه لأول وهلة إلى أن
مصدر كل ذلك هو الدين. فاستولى الاضطراب على المدارك، وذهب بالناس مذهب
الفوضى في العقل والشريعة معًا، وظهرت مذاهب الإباحين والدهريين في شعوب
متعددة وكان ذلك ويلاً عليها فوق ما رُزِئَتْ به من سائر الخطوب) .
(وكانت الأمة العربية قبائل متخالفة في النزعات، خاضعة للشهوات، فخر
كل قبيلة في قتال أختها وسفك دماء أبطالها، وسبي نسائها وسلب أموالها، تسوقها
المطامع إلى المعامع، ويزين لها السيئات فساد الاعتقادات، وقد بلغ العرب من
سخافة العقل حدًا صنعوا أصنامهم من الحلوى ثم عبدوها، فلما جاعوا أكلوها،
وبلغوا من تضعضع الأخلاق وهنًا قتلوا فيه بناتهم تخلصًا من عار حياتهن، أو
تنصلاً من نفقات معيشتهن، وبلغ الفحش منهم مبلغًا لم يعد للعفاف قيمته، وبالجملة
فكانت رُبُط النظام الاجتماعي قد تراخت عقدها في كل أمة، وانفصمت عراها عند
كل طائفة) .
(أفلم يكن من رحمة الله بأولئك الأقوام أن يؤدبهم برجل منهم يوحي إليه
رسالته، ويمنحه عنايته ويمده من القوة بما يتمكن معه من كشف تلك الغمم، التي
أظلت رءوس جميع الأمم، نعم كان ذلك وله الأمر من قبل ومن بعد) . اهـ
فعلم مما أورده الأستاذ الإمام أن فساد الأمم كان من فساد رؤساء الدين
ورؤساء الدنيا وهم الملوك والأمراء، وأن قصارى سيرة الفريقين كان محصورًا في
إطفاء نور الفطرة الإلهية وهدم ركني السعادة البشرية وهما استقلال الفكر واستقلال
الإرادة.
فإذا قيل: إنه كان في الدنيا دينان سماويان أي دين اليهود ودين النصارى
وكتابان إلهيان وهما التوارة والإنجيل فكان يغني عن بعثة محمد صلى الله تعالى
عليه وسلم إلهام الله تعالى رؤساء الدينين وحملة الكتابين أن يقيما أصولهما ويسيرا
على صراطهما ويَدْعُوا الناس إلى ذلك.
نقول في الجواب: إن دين اليهود كان خاصًّا بشعب إسرائيل وهم المخاطبون
بالتوراة دون سواهم؛ لعلم الله تعالى أن هذا كتاب يصلح لهدايتهم وحدهم في الزمن
الذي أنزل فيه وبعده إلى أجل مسمى، وبعد ذلك أفسد بنو إسرائيل في الأرض
فسلط الله عليهم الوثنيين فسبوهم وخربوا ديارهم وأحرقوا كتابهم.
ثم إن كاتبًا منهم اسمه (عزرا) كتب لهم بعد زمن طويل ما يحفظه من
كتابهم وشريعتهم بإذن الملك الوثني، ومنها الأسفار الخمسة التي يسمونها التوراة،
وهي تحكي عن موسى بضمير الغائب وفيها ذكر وفاته وليس ذلك مما أوحي إليه،
ولولا أن الله أخبرنا في كتابه بأن اليهود نسوا حظًّا مما ذُكِّروا به لا جميع ما ذكروا
به، ولولا أنه احتج عليهم بعدم العمل بالتوراة؛ والحجة تقوم ببعض كلام الله كما
تقوم به كله - لما صدقنا كلمة واحدة من كتبهم ولا وثقنا بحكم واحد من أحكام
شريعتهم.
وحاصل القول أن الله تعالى لم يجعل التوارة منذ شرعها هداية
عامة مرشدة لجميع البشر إلى كمال الفطرة فكيف تصلح بذلك بعدما طرأ عليها
وعلى الناس ما طرأ.
وأما السيد المسيح عليه السلام فإنه لم يأت بدين جديد، وإنما ديانته اليهودية
وشريعته التوارة ولكنه كان مصلحًا؛ لأن اليهود جمدوا على ظواهر الشريعة حتى
صاروا كالماديين فأرسله الله (إلى خراف إسرائيل الضالة) ليهديهم إلى الروحانية
ويبالغ فيها بمقدار ما بالغوا في الظواهر والماديات؛ ليكون ذلك تمهيدًا لدين الفطرة
الذي يجمع بين مصالح الروح والجسد.
وأما الديانة البولسية التي انتشرت في أوربا بتعليم بولس ثم مساعدة قسطنطين
ومن بعده من الملوك وإلزامهم الناس إلى إرسال الرسل لهدايتهم إلى سعادة الدنيا
والآخرة بتربية الروح والجسد وليس فيها قاعدة واحدة من قواعد الفطرة وإنما هي
عبارة عن شيء واحد وهو الإيمان بالمسيح على الوجه الذي يقولونه، وأنه لا
حاجة مع هذا الإيمان إلى العمل بالشريعة، والظاهر من نصوص كتب العهد الجديد
أن المسيح خلص العالم كله من العذاب، من آمن به ومن لم يؤمن وإنما يفضل
المؤمن به غيره بأنه يحل فيه روح القدس. قال يعقوب في رسالته: (وليس من
أجل خطايانا فقط بل من أجل عدة قرون يخبطون في دياجير الأوهام والجهالات
حتى دخل عليهم الإصلاح الإسلامي من بلاد الأندلس والشرق كما سنبينه.
***
(م ١٠٢) الاستعداد لعموم البعثة:
حاجة الناس إلى الشيء تولد فيهم الاستعداد له فإذا استدللنا بالعلة على
المعلول فالدليل أوضح؛ لأنه ههنا وجودي مشهود لا نظري مستنبط، وهو قبول
الأمم على اختلافها في الأديان واللغات والمواقع هذا الإصلاح الروحي الاجتماعي
الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام بالوحي الإلهي والإلهام فقد انتشر الإسلام
في المشرق والمغرب بسرعة لم يعرف التاريخ مثلها، حتى كان ملك الإسلام بعد
ثمانين سنة من ظهوره أوسع من ملك الرومان بعد ثمانمائة سنة والرومان أعظم
أمم التاريخ الماضي في الحروب والفتوحات.
هذا هو الإصلاح الذي غيَّر هيئة الأرض وبدَّل نظام الاجتماع الإنساني في
السياسة والحرب والمدنية والعلوم والآداب على أيدي أمة كانت قبل الإسلام أبعد
عن السياسة والمدنية والنظام والعلوم وهي الأمة العربية.
ألم تر أن نور الهداية الفطرية ما خبا بعد الإسلام من مكان إلا وأومض أو
تألق قي مكان آخر، وأن دعائم العمران ما تداعت في مملكة إلا وشيدت في غيرها
وأن غرس العلم والفلسفة ما ذبل أو تصوح في أرض إلا ونما وترعرع في سواها،
كل ذلك كان ينتقل مع الإسلام فكلما ظهرت قوة الإسلام، والمسلمون في الشرق
والغرب ضعف العلم والعمران والمدنية في العالم، ولكنه لم يذهب من العالم
فيحتاج العالم إلى مصلح آخر يبني له قواعد الاجتماع على أصول العلم الصحيح
وسنن الكون إذ لو حصل لما كان محمد خاتم النبيين.
ولكن تلك القواعد انتقلت من مسلمي الأندلس ومسلمي الشرق إلى
أوربا مع تلامذة ابن رشد وفي الكتب التي أخذها الصليبيون من المسلمين.
من عجيب أمر استعداد العالم لهذا الإصلاح العام سرعة انتقال العلم من قطر
إلى قطر ومن خافق إلى خافق أيام مدنية العرب لأول عهدها مع صعوبة المواصلة
بين الخافقين، فقد كان المؤلفون من الأندلس وبلاد البربر ينقلون من كتب المؤلفين
المعاصرين في العراقَيْنِ من المشرق كما كان هؤلاء ينقلون من أولئك في كل عصر
فكانت تلك الهمم الكبار تغنيهم عن الكهرباء والبخار، وآية أخرى من آيات هذا
الاستعداد حفظ العلم والتاريخ فقد كان الكتاب يوجد قبل الإسلام في الأمم ثم يذوب
ويضمحل كأن لم يكن شيئًا مذكورًا، أرأيت الإسرائيليين على غلوهم في دينهم كيف
مرت عليهم السنون والأحقاب وليس عندهم من كتاب شريعتهم إلا نسخة واحدة
حتى إذا فقدت ذهبت الثقة بمجموع ديانتهم إلا ما كانوا يحفظون ويعملون. وقس
بهم العرب الأميين، وانظر كيف حفظوا كتابهم في الصدور والسطور. وكيف
رأوا في الصدر الأول أن يرسلوا بالمصاحف إلى الأقطار لتكون أصولاً يكتب منها
بصفة رسمية؛ لأن مصحفًا يرسله خليفة رسول الله بمشاورة أصحاب رسول الله
واتفاقهم له حكم النقل المتواتر المجمع عليه، ولولا ذلك لكان نقل المصاحف
مقصورًا على الأفراد الذين كانوا يحملونها، وإذا اشتبه في هذه الحال بكلمة اختلف
فيها ناقل مع ناقل أو حافظ تقع الحيرة في الترجيح لعدم وجود أصل مجمع عليه أو
عدد كثير من المصاحف مأخوذة عن ذلك الأصل أو عدد مثله من الحفاظ. ولكن
ذلك لم يقع فلا خلاف بين المسلمين في كلمة ولا في حرف من حروف القرآن
العزيز.
من آية استعداد الأمم للإصلاح الإسلامي على الطريقة الأولى (الاستدلال
بالعلة على المعلول) النظر في أصول هذا الإصلاح فمنها حاجة البشر الطبيعية
إلى رابطة عامة بين الأمم المختلفة في الجنس واللغة والدين، فقد كانت هذه الروابط
خاصة تجمع طائفة محصورة ليعيش أفرادها معيشة اجتماعية ولكنها تجعلهم أعداء
للطوائف التي ترتبط برابطة أخرى والإسلام جاء لجمع كل الأمم كما سنبينه بعد.
ومنها إقامة قواعد العمران والاجتماع على سنن الكون التي تُعرف بالاختبار،
ومنها تقييد سلطة رؤساء الدين والدنيا وجعل مصالح الأمم شورى بين أهل الرأي
منهم وأصحاب الحل والعقد المرضيين عندهم، ومنها جعل أحكام الشريعة دائرة على
درء المفاسد وحفظ المصالح وتحكيم العرف. وكل الأمم الراقية إنما ارتقت بمثل هذه
الأصول التي وضعها الإسلام، سواء لقبت بلقب الإسلام أو لم تلقب به.
ومن آية ذلك تلك الطريقة أيضًا ما أثبته علم الاجتماع من ارتقاء الإنسان
بالتدريج فبعد أن كان في ظلمات من بحر الوثينة اللجي من فوقه موج من فوقه
سحاب لا يكاد يرى شيئًا من نور الفطرة ارتقى في الوثنية من الاعتقاد بتأثير
مظاهر الطبيعة التي لا يفهم معناها من جماد ونبات وحيوان وإنسان إلى الاعتقاد
بأن تلك المعبودات لا تؤثر بنفسها، وإنما تقرب من يخضع لها من واجب الوجود
وتشفع له عنده في قضاء الحوائج بهذا الاستعداد اصطلم الإسلام بالتوحيد جراثيم
الوثنية من جزيرة العرب ثم انتشر التوحيد الخالص في العالم مؤيدًا بالعلم فلم
يخبُ مصباحه في مكان إلا وأشرق في غيره. فأكثر أهل أوربا اليوم موحدون لا
يعتقدون بسلطة ولا تأثير في الكون إلا لمدبر الكون الذي وضع سنته ونواميسه.
{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (الفرقان: ٢) ولقد كان النبي قبل الإسلام يًبعث
بالتوحيد فيؤمن به النفر أو القوم فلا يمضي عليهم زمن إلا ويعودون إلى الوثنية
ويلتمسون لها الدلائل من الدين فيمحى التوحيد بالمرة. ولكنه لم يمح بعد ظهور
الإسلام وإن دبت الوثنية إلى بعض المسلمين وصُبغت عندهم بصبغة الدين
بضروب من التأويل والتحريف، وسنوضح مسألة الاستعداد بما قاله الأستاذ في
ارتقاء الأمم بالدين وبسبب ظهور الإسلام في العرب الأميين، فانظر ذلك في الدرس
الآتي.
((يتبع بمقال تالٍ))